شرح كتاب لم الدر المنثور 62

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 62، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

تحذير السلف من مجالسة أهل البدع والقدح فيهم بأسمائهم

يبيّن المقطع أن التحذير من أهل البدع وذكرهم بأعيانهم ليس غيبة مذمومة، مستدلاً بقول النووي في الحالات الست التي يجوز فيها القدح. كما يستشهد بحديث النبي ﷺ الذي حذر من الخارجي ووصف الخوارج وأمر بقتالهم، مؤكداً أن هذا النهج من هدي السلف لحماية الأمة.

صفات الخوارج الحديثة وأهل الفحش وسوء الخلق

يحذر المتحدث من صفات الخوارج في العصر الحديث مستشهداً برجل اعترض على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم وبشر بخروج قوم من صلبه يبالغون في العبادة لكنهم مارقون. ويستعرض أحاديث ذم من يُتَّقى فحشه وسوء خلقه، ناصحاً بمجالسة الأخيار وتجنب أهل الشر.

آثار مجالسة أهل الأهواء والبدع على القلب والدين

يحذر النص من مجالسة أهل الأهواء والبدع مستدلاً بأقوال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، حيث شبهوا مخالطتهم بمرض معدٍ يصعب التخلص منه ويمرض القلوب. ويبين أن مجالسة أهل السنة تقوي الإيمان وتزيد البصيرة، بينما الخروج عن الجماعة يؤدي إلى ميتة جاهلية.

تطبيق السلف لأحاديث التحذير ونقلها للأمة

يوضح المقطع كيف فهم السلف الصالح أحاديث التحذير من أشخاص محددين وأهل البدع، فطبقوها وعملوا بها ثم علموها للناس حفاظاً على سلامة الدين والمعتقد. ويختتم بالدعاء بالتوفيق والسداد للجميع.

  • 20 جمادى الأولى 1440هـ - 26/01/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال المؤلف حفظه الله تعالى في لبن الدر المنثور من القول المأثور: الباب السابع والعشرون: تحذير السلف من مجالسة أهل البدع، ومن أشخاص بعينهم، وذكر أسمائهم، ولم يروا ذلك غيبة، والقدح كما قال. ذكر هذه الأبيات النوي رحمه الله: "والقدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ولمظهر فسقا، مستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر". فهؤلاء أهل البدع نوع من الأنواع الذي ليس بغيبة القدح فيهم، وذكرهم بأعيانهم تحذيرا للأمة منهم حتى يعرفوهم. وفي هذا دلالة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا، ومن فعل السلف الصالح رضي الله عنهم. قال المؤلف: قال المؤلف في الحديث التاسع والسبعين بعد الثلاثمائة: قال صلى الله عليه وسلم: «يخرج من ضئضئ هذا». والمراد ذلك الرجل الخارجي الذي أنكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم القسمة، فقد قال هذا الرجل: «اعدل يا محمد، فإنها قسمة ما أريد بها وجه الله». فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ويلك، من يعدل إذا لم يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» ثم قال: «يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والذي نفسي بيده، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم، أو قتل عاد وثمود». فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الذي أخرجه البخاري حذر من هذا الرجل بعينه، فقال لهم: «يخرج من ضئضئ هذا»، يعني من على شاكلته وأمثاله، يخرج قوم ينكرون على الأئمة، ويظهرون ما عندهم من الإنكار، وهذا خلاف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أن الإنكار لا يكون علانية، وإنما تكون النصيحة سرا لولي الأمر، فإن قبل فذاك، وإن لم يقبل فقد أديت ما عليك، فليس عليك أن تلزمه بالقوة. فالمسلم يسلك سبيل النصيحة الشرعية، وهذا الخارجي أنكر على النبي صلى الله عليه وسلم أمام الملأ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال فيه هذه المقالة تحذيرا للناس من فتنته، لأن فتنة هؤلاء عظيمة، حيث ينكرون علانية، ربما قاموا على المنابر وأنكروا ذلك علانية، فينكرون على أولي الأمور، فهذا الفعل خطأ، هذا الفعل الذي يفعلونه خطأ، وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الفعل ومن هذا الرجل. ففي الحديث شاهد لما بوب عليه المؤلف: أن السلف الصالح يحذرون من أناس بأعيانهم، ويذكرون أسماءهم، وحتى لو لم يكونوا موجودين، كما قال النوي: "والقدح ليس بغيبة في ستة"، ليس بغيبة ما يعتبر هذا من الغيبة المذمومة المحرمة، وإنما هذا من باب بيان الحق وإظهاره حتى يعرف الناس أهل الحق من أهل الباطل، فيتبعوا أهل الحق ويجتنبوا أهل الباطل. فهذا الخارجي عرفه عرفا من بين الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضا قد حذر من خوارج جملة، حذر منهم، وذكر أناسا بأعيانهم، وأن الصحابة سيقاتلون الخوارج، وآية ذلك أن فيهم رجلا مَخْدُود اليد، يعني كأن يده فيها حلمة كحلمة الشاة، وفيها شعرات. وقد وجد هذا الخارجي أيام النهروان، لما قاتل الصحابة رضي الله عنهم مع علي بن أبي طالب الخوارج في النهروان، قال: «جدوه، ابحثوا عنه». قال: فبحثوا عنه، هذا الخارجي الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام، آية الخوارج أن يكون معهم رجل بهذه صفته، يده فيها مثل حلمة الثدي. قال: فبحثوا في القتلى فوجدوه كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام، فكبر عليه، وكان رضي الله عنه يكبر على الأشياء التي تقع بما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «الله أكبر»، يعني هذا مصداق ما حدثنا به نبينا صلى الله عليه وسلم. وها نحن نرى كذلك صفات هؤلاء الخوارج في زماننا هذا، فوجب التحذير منهم، على أهل العلم أن يبينوا صفات الخوارج، وقد مرت معنا صفاتهم في دروس مضت في هذا الكتاب، ومن ذلك مثل هذا الرجل الذي قال: «اعدل يا محمد، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله»، ينكر على من؟ على النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو رسول الله، قال له: «ويلك، من يعدل إذا لم يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» تتهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ما يعدل في القسمة، وأن هذه القسمة ما أراد بها وجه الله، فيا سبحان الله، انظر إلى حال هؤلاء! فإذا كان أنكروا على خير الخلق وسيد العالمين وهو النبي عليه الصلاة والسلام، فغيره من باب أولى، من يكون فلان وفلان من الحكام والسلاطين عند هؤلاء؟ فهذا ليس من منهج أهل السنة والجماعة، فهؤلاء لا يرون لأحد قيمة، لا يرون لأحد قيمة، لأن قلوبهم قد شربت بالبدعة والعياذ بالله. فالشاهد من الحديث النبوي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الرجل، وقال لهم: «يخرج من ضئضئ هذا»، يعني هذا الرجل أمام الناس، عرف أنه من الخوارج، يخرج من ضئضئ هذا، يسير على شاكلته ومنهاجه، قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «بئس أخ العشيرة»، وهذا أيضا حديث رواه البخاري، حينما ذكروا رجلا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «بئس أخ العشيرة». هو إذا كان الرجل اشتهر عنه شيء معين وأظهره للناس، يعني هذا الرجل يعمل منكرات، يعمل أشياء غير مستحبة، غير مستساغة، أشياء سيئة، فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر هذا الرجل، قال لهم: «بئس أخ العشيرة». فالنبي عليه الصلاة والسلام يذكر هذا على سبيل ماذا؟ على سبيل المعرفة، على سبيل المعرفة. فإذا كان على سبيل المعرفة حتى يعرفه الناس فلا بأس بذلك، إذا أريد النصيحة، شرط أن هذا من باب ماذا؟ نصح المسلمين، لا تشفي. فما يريد الإنسان بهذا عندما يظهر ويشهر من كان عنده بعض المعاصي أو كانت عنده بدع إلا النصيحة لوجه الله سبحانه وتعالى. وغير واحد ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام لعائشة: «يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه». فبعض الناس عنده فحش في القول أو فحش في العمل، فيتركه الناس، يبغضه الناس، ولا يحبون لقاءه، ما يحبون هذا الشخص، لماذا؟ لأن أخلاقه سيئة، وصاحب الأخلاق السيئة لا يعاشر، لا يعاشر عند الناس، وإنما يعاشر صاحب الأخلاق الطيبة الحسنة، صاحب القول الجميل، القول الطيب. بعض الناس لسانه شغالة مثل المذياع، ما يسكت لا ليل ولا نهار حتى ينام، فيستريح الناس عند نومه، والله المستعان. يعني من الصباح إذا قام وهو شغال في عباد الله، هذا فعله، هذا تركه، هذا كذا، وهذا كذا، يعني كله انتقادات، ما يسلم أحد كما قيل من من لسانه. فهذا الناس يتركونه اتقاء فحشه، وهو شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة: «إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه». وكان النبي عليه الصلاة والسلام ربما لاطف هؤلاء اتقاء شرهم واتقاء فحشهم، يعطيهم شيئا من المال، ويتقي شرهم عليه الصلاة والسلام حتى لا يتكلموا. فإذا كان يتكلمون في النبي صلى الله عليه وسلم، فما بالك بغيره؟ يتكلمون فيه عليه الصلاة والسلام وهو يصبر، فيتقيهم عليه الصلاة والسلام بشيء من حطام الدنيا. وأنت كذلك إذا رأيت هذا شخص، شخص سيء، شخص فحش في القول، شخص يتكلم على الناس، اتقيه بما تستطيع، واهرب منه، واهرب منه، لا تعاشر، إذا رأيته في مكان واهرب من هذا المكان الذي هو فيه، وجالس الأخيار، وجالس الناس الطيبين الذين تنتفع منهم بالقول والفعل. وقال، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مجالسة أصحاب الأهواء، مجالسة أصحاب الأهواء، فإن مجالستهم ألصق من الجرب». ابن مسعود الصحابي الجليل يقول: أن مجالسة أصحاب الأهواء هذه خطيرة جدا، أخطر من مرض يقال له الجرب، الجرب الذي يصيب الجسم، هذا مرض جلدي، لكن مخالطة أهل الأهواء عندما تلتصق بك يكون أشد من هذا المرض، لأنه صعب أن يخلص الإنسان منهم إلا إذا شاء الله عز وجل. فكم من إنسان جاور وجالس أهل الأهواء والبدع، أراد أن يخرج وما استطاع. ملازمتهم ومجالستهم ألصق من الجرب، وهؤلاء عندهم حُمق، إذا خالطهم الشخص وجالسهم الشخص فإنهم لا يتركونه أبدا، لا يتركونه، ويظلون خلفه وبعده، فإن تاب يا ويله، إن تاب، إن سلم من شرهم وعرف حقيقتهم ثم رجع وتاب إلى الله عز وجل وأراد أن يعتزل لهم، ما تركوه، ما تركوه. هل كان ذلك قبل؟ يعني من البداية أن لا تجالس هؤلاء، فما الذي ذهب بك إليهم وجعلك تخالطهم وتجالسهم؟ تظن أن الأمر سهلا، الأمر ليس بسهل. لهذا الصحابة يعرفون رضي الله عنهم أن الرجل يؤتى من قبل أهل الأهواء والبدع، فإذا جالسهم راح الدين الذي كان معه، كان شخص طيب، كان ملتزم بالصلاة، كان وكان، وكان يفعل هذه الطاعات والعبادات، فإذا جالسهم مرض قلبه، والمرض هذا أشد من مرض الجرب، فما يتركونه في حاله، بل يزداد سوءا إلى سوء. وهكذا أيضا يروح منه ويذهب منه الدين، كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن أهل الأهواء يمرقون من الدين، يعني تذهب منهم سنة سنة، كما يمرق السهم من الرمية. بخلاف أهل السنة والجماعة الذين وفقهم الله عز وجل للعمل بالسنة والتزام منهج السلف الصالح، فإنهم يزدادون قوة، ويزدادون إيمانا، ويزدادون بصيرة كل يوم بالمجالسة والمخالطة. عندما يخالط أهل السنة يزداد إيمانه، تزداد تقواه، لأنهم بينهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينهم المناصحة، فلذا يشتد عزمه ويقوى عوده، فيصير مع أهل السنة والجماعة حسن المظهر، وهكذا أيضا حسن القول، حسن الفعل، أخلاق وآداب، والتزام بشرع الله، واستقام على دين الله. بخلاف ذلك الذي يجالس أهل الأهواء يمرض قلبه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب». إي والله، صدق ابن عباس، مجالستهم ممرضة للقلوب، فتجد هذا مريض القلب عنده أشياء، عندما تجالس هؤلاء يمرض قلبك. فالحذر الحذر ممن عنده لوثة، وممن عنده شبهة، هذا تحذر منه، الذي عنده شبه ويأتيك ويقول لك كذا وكذا، هذا تحذر منه، فإنه يمرض قلبك. وتفر منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فرارك من الأسد، فر من المجذوم». فرارك من ماذا؟ من الأسد، هذا المجذوم المريض الذي عنده مرض جلدي، خشية أن يعديك. فكيف بمن عنده مرض فكري؟ هذا يريد أن يلوثك بفكره، فتكون بعد ذلك من هؤلاء الذين يخرجون على الجماعة، والخروج على الجماعة أمره عظيم، لا يستسهلن أحد أمره، أن الخروج على الجماعة أمر سهل، خروج على جماعة المسلمين، والموت على ذلك أن لا تكون من جماعة المسلمين، ميتة جاهلية، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من خرج عن الجماعة وفارق الطاعة فمات فميتة جاهلية». الحديث متفق عليه. جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، جاء عن ابن عباس وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة، الذي يخرج عن جماعة المسلمين ويموت شاذا مع تلك الفرق الضالة المنحرفة، هذا يموت ميتة الجاهلية، لا ميتة الإسلام، لأن ميتة الإسلام أن يكون المعتقد سليما، معتقد أهل السنة والجماعة، لا معتقد أهل الأهواء والبدع. فالشاهد من هذا أن السلف الصالح عندما سمعوا الأحاديث من رسول الله عليه الصلاة والسلام في التحذير من أناس بأعيانهم، والتحذير من مجالسة أهل الأهواء والبدع، فهموا، ولما فهموا وعقلوا عملوا، وبعد ذلك علموا ودعوا الناس إلى هذا الصراط المستقيم، كل هذا حفاظا على الدين، لكي يكون دين المرء سليما ومعتقده سليما. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا، وأن يسددنا، وأن يلهمنا رشدنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر