صلح الحديبية مسائل وأحكام 61

صلح الحديبية مسائل وأحكام 61

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 61، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تصنيف الكفار إلى أربعة أنواع وتقسيم بلاد الكفر

يبين المقطع أن الكفار ينقسمون إلى أربعة أصناف: حربي، ذمي، معاهد، ومستأمن، مع التشديد على حرمة قتل المعاهد. كما يقسم بلاد الكفر إلى بلاد حربية وبلاد مسالمة أو معاهدة، مستشهداً بقبائل أسلم وخزاعة التي كانت تسالم المسلمين رغم كفرها.

أطوار مكة المكرمة وحكم المعاهدين في الزكاة

يستعرض المقطع المراحل التي مرت بها مكة من دار حرب إلى دار عهد ثم دار إسلام، موضحاً أن خزاعة دخلت في عهد مع النبي ﷺ فصارت أهل سلم، وأن نقض قريش للعهد كان سبب فتح مكة. كما يبين جواز إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم من الكفار المعاهدين لحماية ظهر المسلمين.

أحكام الهدنة والقتال بين دول مسلمة وكافرة مع وجود معاهدة

يوضح المقطع جواز وجود هدنة بين دولة مسلمة ودولة كافرة بينما تقاتل دولة مسلمة أخرى نفس الدولة الكافرة، مستشهداً بصلح الحديبية حيث أقر النبي ﷺ أبا بصير وأبا جندل على قطع طريق قريش رغم الهدنة. يطبق ذلك على الواقع المعاصر كما في أفغانستان حيث قاتلت أمريكا طالبان بينما كانت دول إسلامية مرتبطة بمعاهدات معها.

مشروعية البقاء على الصلح والهدنة عند ضعف المسلمين

يقرر المقطع أنه إذا لم يتوفر للمسلمون قوة للقتال أو كانوا في حالة ضعف، فلا حرج في الاستمرار على الصلح والهدنة. يستند هذا الحكم إلى الحديث النبوي وإلى صلح الحديبية الذي أقره النبي ﷺ في ظروف مشابهة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى عندما جاء أبو بصير إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ورده النبي عليه الصلاة والسلام لأن قريشًا أرسلوا يطلبونه، فأعطاهم إياه. ففي الطريق قتل أحدهما، وفر الآخر. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإلى أمه مسعر حرب، لو كان له أحد». فعرف أبو بصير أن النبي صلى الله عليه وسلم رده إليهم، فخرج حتى بلغ سيف البحر. ثم جاء إليه أبو جندل، وكل من خرج من المسلمين من مكة يذهب إليه، حتى كونوا جماعة. هنا أذكر مسألة أو مسألتين. المسألة الأولى: أننا قد ذكرنا أن الكفار أنواعًا، الكفار ليسوا نوعًا واحدًا، بل أنواع: كافر حربي، وكافر مستأمن، وكافر ذمي، وكافر معاهد. الكافر الحربي: هذا الذي بينه وبين المسلمين حرب. الكافر الذمي: الذي يدفع الجزية للمسلمين. الكافر المعاهد: الذي بينه وبين دولته عهد على عدم الحرب، مثل ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش. وأيضًا المعاهدات الآن التي تحصل، معاهدات السلام التي تحصل بين الدول، تدخل في هذا الباب، فيكون كافرًا لكنه معاهد، لا يجوز إخفار ذمته، ولا يجوز اغتياله وقتله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، لم يرح رائحة الجنة». بعض الناس ما يفهم لإسلام، يظن أن كل كافر يقتل، فيقتل المعاهدين، وهذا لا يجوز، أن يقتل معاهد. فلهذا فالكفار كما قلنا على أربعة أقسام. وأيضًا البلاد، بلاد الكفر على قسمين، وهذا الذي نأخذ هذه الفائدة: بلاد الكفر على قسمين، كلها بلاد كفر لكنها تختلف. بلاد كفر لكنهم حربيون، وبلاد كفر لكنهم مسالمون أو معاهدون. مسالمون: إما أن يكون هم مسالمون للمسلمين، ما يتعرضون للمسلمين، مثل ما كان من بعض القبائل التي قرب المدينة، كان بعض القبائل ما يتعرضون للمسلمين، وبعض القبائل يتعرضون للمسلمين في طريقهم. كانت قبيلة أسلم ما يتعرضون للمسلمين، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلم، سالمها الله». وأسلموا أيضًا. كذلك خزاعة، قبيلة خزاعة الذين هم يعيشون قرب الحرم، وبعضهم في الحرم. هذه القبيلة بينها حلف مع بني هاشم، بينها حلف مع بني هاشم، وكان كما تقدم قبل أنهم كانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عيبة نصح لرسول الله، معناه أنهم يخلصون النصح للنبي عليه الصلاة والسلام، مع أنهم كفار. فلما جاء بدر بن الزبرقان الفزاري أو الخزاعي، جاء للنبي عليه الصلاة والسلام، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكلم قريشًا على الصلح. فكان كافرًا، لكنه بينه وبين المسلمين سلم، أن ما يتعرضون للمسلمين، ولا أهل الإسلام يتعرضون لهم. فهذا كافر، وقد يكون أيضًا معاهدًا بينه وبين المسلمين العهد. ولهذا خزاعة دخلت في الصلح مع رسول الله، مع أنهم كفار، لكن كان الصلح مفتوحًا: من أراد أن يدخل مع قريش دخل، ومن أراد أن يدخل مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه دخل مع المسلمين. فدخلت بنو بكر مع قريش، ودخلت خزاعة مع النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا فخزاعة تعتبر بلاد سلم، ليست بلاد حرب. وقريش، معنى مكة، مرت على أطوار: مرت على أطوار، كانت أولًا بلاد حرب، أن قريش مكة، فعنى بلاد حرب، أحب البلاد إلى الله، لكن كان أهلها كفارًا ومحاربين، فصارت بلاد كفر. ثم بعد ذلك بعد الهدنة صار بلاد ليست بلاد كفر، أو هي بلاد كفر لكنها معاهدة، بلاد عهد بينهم وبين المسلمين عهد على عدم القتال. ثم بعد الفتح صارت بلاد إسلام، صارت بلاد إسلام. معنى مرت على هذه الثلاثة الأطوار. فلهذا كما قلنا: الكفار منهم من يكون حربي، ومنهم كما قلنا من يكون مسالمًا أو معاهدًا، معنى يسالم المسلمين، كما قلنا خزاعة. بل أن سبب فتح مكة هو الاعتداء على خزاعة، مع أنهم كفار، مع أنهم كفار، بعضهم مسلمون، لكن أكثرهم كانوا لا زالوا على الكفر، لكن نصرهم النبي عليه الصلاة والسلام لما حصل بين بعض أهل خزاعة وبين بني بكر. فدخلوا الحرم، دخلت خزاعة الحرم حتى يقفوا عن قتالهم، فلما دخلوا ساعدتهم قريش، ساعدت خزاعة، ساعدت بني بكر على قتل خزاعة. فلما قتلوا، قتل مجموعة منهم، قام عمر بن سالم الخزاعي وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، واستنجد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: إن بني بكر قتلونا قيامًا وقعودًا، وعلى أنهم قتلوهم في الحرم، وجاء بشعر. فلما انتهى عمر بن سالم الخزاعي من قول الشعر، وتبيل للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نُصِرت يا عمر بن سالم». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نُصِرت يا عمر بن سالم». فهذا كما قلنا يدلنا على أن هناك من الكفار من هو مسالم. ولهذا هناك من بنود الزكاة أناس يعطون، يسمون المؤلفة قلوبهم، والمؤلفة قلوبهم هؤلاء على قسمين: قسم من المسلمين، وقسم من الكفار. قسم من المسلمين يعطون لتتألف قلوبهم بالإسلام، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بعض رؤساء القبائل: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وأيضًا علقمة بن علاثة، وزيد الخير، وغيرهم، أيضًا مرداس الأسلمي. هؤلاء مشايخ قبائل العرب، أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد أعطاه مئة ناقة بعد حنين، مما غنمه من حنين. فهؤلاء مسلمون، لكن قد يكون أيضًا من المؤلفة قلوبهم من الكفار، يعطون لأجل حماية ظهر المسلمين، معنى يكون هناك عدو لكنه ليس قريبًا من المسلمين، وهناك كفار لكنهم مسالمون، ما بينهم وبين المسلمين حرب، فهؤلاء قد يعطون من الأموال لأجل حماية ظهر المسلمين من هؤلاء، معنى حتى لو جاءوا فجأة ردوهم هؤلاء وصدوهم. وهذا قد حصل في التاريخ. فلهذا فالكفار كما قلنا، أو بلاء البلاد، بلاد الكفار منهم من يكون كافر حربي، تكون بلاد حربي، بلاد حرب، وبلاد مسالمة أو معاهدة. فإذا كان هذا حصل، هناك بلاد كفار وبلاد معاهدة، فيكون بينهم وبين هؤلاء الكفار مثلًا مسالمة، وبينهم وبين بعض المسلمين فقد يكون هناك بعض المسلمين أيضًا بينهم حرب، هم أولئك ما بينهم هدنة معهم ولا شيء. وهذا الذي حصل في الحديبية، هذا الذي حصل في الحديبية، فقال العلماء: يجوز أن تكون هناك طائفة تقاتل الكفار، ويكون بينهم وبين بعض المسلمين هدنة. فالنبي عليه الصلاة والسلام أقر هؤلاء، أبا بصير وأبا جندل، أقرهم على أخذ أموال قريش، فعنما عنفهم، ولا أرسل إليهم أنقفوا، فإنما كان بينهم، أي هؤلاء وقريش، عداوة، وأرادوا أن يقتلوهم، فقاموا وقطعوا الطريق عليهم، طريق التجارة، قطعوا طريق التجارة عليهم، كلما جاءت قافلة أخذوها عليهم، أو ستذهب عير أخذوها عليهم، حتى ضاقت، ضاقت قريش ذرعًا، ما تحملوا أبدًا، معنى أصبحت، أصبح عندهم جوع وفقر، حتى كما قال عبد الله المسعود: كان أحدهم من شدة الجوع ينظر إلى السماء فلا يرى إلا دخان، معنى ما عندهم طعام. معنى مكة قد جعل الله عز وجل لها الطعام من كل مكان، لكن لما كفر هؤلاء ودع عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسن يوسف»، أصابهم جوع عظيم، لأن معنى تجارتهم تأخذ، ما فيه يدخل عندهم. فلهذا أصابهم ذلك الجوع سنة، وهم يعتصرون بذلك الجوع، حتى ذهب أبو سفيان إلى المدينة، استشفع من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأخذ هؤلاء، خلاص ما نريده. وقال، قال أبو سفيان للنبي عليه الصلاة والسلام: من جاءكم من عندنا إليكم مسلمًا خذوه، خلاص هذا البند ما نريده، حتى لا يتقطعونه، وكذا. ثم أنهم رجعوا بعد ذلك، أبو جندل وأبو بصير وغيرهم، رجعوا إلى المدينة، وتركوا، بعد ذلك العهد لا زال موجود، حتى نقضت قريش مع بني بكر، لما قتلوا خزاعة، جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وفتحوا مكة. فالآن عندنا هذه المسألة، أو المسألة الثانية، وهي أنه قد يكون، وهذا يحصل في العصر هذا، قد يكون هناك بين دولة ودولة، دولة مسلمة ودولة كافرة، هدنة على عدم القتال، وبين دولة مسلمة ونفس الدولة هذه الكافرة بينهم قتال، بينهم قتال، وهذا يحصل حتى الآن. كما قلنا حصل مثلًا في أفغانستان، أفغانستان كانت أمريكا تقاتل أفغانستان، مع أنها بينها عهد مع المسلمين الآخرين، العرب وغيرهم، أهل الجزيرة، بينهم عهد على عدم القتال، لكن حصل بينهم وبين هؤلاء، أهل أفغانستان مثلًا، منوشات، فدخلوا معهم على الحرب. فدخول هؤلاء مثلًا في الحرب لا يدل على نقض العهد بينهم بين المسلمين، إلا إن كانت هناك قوة عند المسلمين، ومعنى قد يثيرون لإخوانهم، فيهددون هذه الدولة: إن لم ترفعوا أيديكم عنها، ولا سننقض العهد الذي بيننا وبينه، فهذا جائز. وإن لم تكن عندهم قوة للقتال، أو عندهم ضعف، فلا بأس أنهم يبقون على الصلح وعلى الهدنة. وهذا أخذ من هذا الحديث، ومن الصلح الحديبية. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي به، والحمد لله رب العالمين.