الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بعد صلح الحديبية هاجرت نساء مؤمنات إلى المدينة، فظن المشركون أنهن مشمولات بالصلح وطالبوا بردهن، فنزلت آية الامتحان لتوضيح حكمهن. بينت الآية أن النساء لسن كالرجال في الصلح لاحتياجهن إلى محرم، وأن الله يعفو عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون الهجرة.
أجمع العلماء على وجوب الهجرة على الرجال إذا أوذوا في دينهم ولم يستطيعوا إظهاره في بلاد الكفر، وبقاؤهم فيها إثم كبير. أما النساء والمستضعفون من الرجال والولدان فقد استثناهم الله لعدم استطاعتهم الحيلة والاهتداء إلى سبيل، فالهجرة ليست واجبة عليهن وإن أُذين، ويبقين صابرات.
يبيّن المقطع أن الهجرة واجبة على الرجال إذا لم يتمكنوا من إظهار دينهم، مستدلاً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالهجرة إلى الحبشة رغم كونها دار كفر لعدل حاكمها. كما يذكر حديث الفرار بالدين من الفتن، ويوضح أن الهجرة غير واجبة على النساء لضعفهن عن القيام بأنفسهن.
يختتم المتحدث المقطع الحالي مشيراً إلى أن فوائد إضافية ستُذكر في درس قادم، ويختم بقوله: والله تعالى أعلم. بذلك يُنهي الحديث عن أحكام الهجرة مع وعد بمتابعة التفاصيل لاحقاً.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فَلازلنا في شرح حديث الحديبية والمسائل والفوائد منه. قفنا عند نحر الصحابة رضي الله عنهم وحلقهم، عندما تأكدوا أنهم ما سيدخلون مكة إلا السنة التي تأتي. قال في الحديث: «ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]، حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة». فهذا المقطع من الحديث فيه أن نساء مؤمنات خرجن من مكة إلى المدينة، بعدما قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاء النساء. فمجيء النساء هنا في إشكال: هل يدخلن النساء في الصلح، في الصلح الذي عقد بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين كفار قريش؟ فظن كفار قريش أنهم داخلون، أن النساء أيضًا داخلات في الصلح، ولهذا أرسل بعضهم إلى هذه المرأة التي ذهبت. وممن ذهب أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وعقبة بن أبي معيط من أشد أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، ومن كان يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام في مكة. لكن الله عز وجل يخرج الطيب من الخبيث، وقد قتل كافرًا في بدر مع صناديد قريش، ممن دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، فقتلوا في بدر صرعى في قليب بدر. ثم أن ابنته أسلمت رضي الله عنها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاءت مع نساء مؤمنات جئن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأرسل بعض قريش، أرسلوا في الإتيان بهم، وظنوا أنهم داخلون في الصلح. وهذا ليس صحيحًا؛ لأن المرأة ليست مثل الرجل، فالرجل يقوم بنفسه ويستطيع أن يخرج من البلد آمنًا بإذن الله، لكن المرأة تحتاج إلى من يؤمنها، تحتاج إلى أن يكون معها محرم. فلذلك الله عز وجل لما توعد أولئك الذين كانوا في مكة ولم يخرجوا ويهاجروا، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97]، ثم قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 98-99]. فهؤلاء الذين يعفو الله عز وجل عنهم، المستضعفون من الرجال: كبار السن، المرضى، الذي لا يستطيع أن يخرج بنفسه، يحتاج من يخرجه، وكذلك أيضًا النساء، وكذلك الولدان: أطفال الصغار. فهؤلاء عذرهم الله عز وجل. أما الرجال فلم يعذرهم الله سبحانه وتعالى، ولهذا أجمع أهل العلم على أن الهجرة واجبة على الرجال، إذا كان الإنسان يؤذى في دينه وهو في بلاد الكفر، يؤذى في دينه ولا يستطيع أن يظهر دينه، فهنا يجب عليه أن يهاجر، يجب عليه أن يهاجر. فبقاؤه مع الكفار وهو يؤذى في دينه يعتبر إثمًا عظيمًا وكبيرًا من كبائر الذنوب، حتى أن الله عز وجل توعدهم بالنار وقال: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97]. وأما المرأة فاستثناها الله عز وجل، وكذلك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. فهؤلاء قال الله عز وجل فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]، على ما تستطيع المرأة أن تهاجر وحدها. فلذلك الهجرة للنساء ليست واجبة، حتى لو أوذيت في دينها. إن استطاعت أن تخرج فهذا أفضل، أنها تخرج، وإن لم تستطع، تخاف على نفسها وتخاف على عرضها، فإنها تبقى وتصبر على ذلك الأذى، تصبر على ذلك الأذى. وأما الرجل فيجب عليه أن يخرج، فيجب عليه أن يخرج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، أن يهاجر. حتى الآن هذا الحكم لا زال موجودًا إلى الآن، فليس هذا الحكم كما ظنه بعض الفقهاء، الفقهاء أنه منسوخ. فإنما نسخ النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة من مكة، لما قال: «لا هجرة بعد الفتح»، هذا خاص بمكة. وأما الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فهي واجبة على كل مسلم، إذا أوذي - على الرجال - إذا أوذي في دينه، فإنه يجب عليه أن يخرج من تلك البلاد ويأتي إلى بلاد المسلمين. الآن هذه البلاد بلاد أهل الإسلام، ويترك بلاد الكفر التي يؤذى فيها في دينه، أو لا يستطيع أن يظهر دينه، لا يستطيع إظهار الدين، فلذلك يجب عليه أن يهاجر. وذكرت شيئًا هناك، من يقول أنه لا هجرة الآن. أن بعض التكفريين الآن، وبعض الحزبيين، يرون أنه لا هجرة الآن. حتى سمعت قبل فترة من الزمن رجلًا مرموقًا عندنا في هذه البلاد من الحزبيين، يسأل عن رجل، سأله رجل في الشبكة أنه في بلاد كفر ويريد أن يهاجر، يريد أن يهاجر إلى بلاد الإسلام. فقال هذا الرجل المفتي: «يا ليت شعري إلى أين يهاجر؟ أنا ما في بلاد إسلام حتى يهاجر، البلاد عنده كلها بلاد كفر». وهذا جهل. فلذلك نصحه بعد ذلك أن لا يفعل، ويبقى في بلاده. ولأنهم أيضًا عكسوا القضية، الآن كثير من هؤلاء هم في ديار الكفر، منهم من هو في أمريكا، ومنهم في بريطانيا، ومنهم في فرنسا. يعني يهيمون إلى بلاد الكفر، يخرجون من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر، ولا يريدون أحدًا يهاجر إلى بلاد الإسلام. وهذا كما قلنا جهل. حتى لو قلنا جدلًا أن هذه البلاد ليست بلاد إسلام كما يسمونها، أو أن حكامهم كفار كما يقولون، فتبقى الدار دار إسلام لازال، لأن أهلها أهل إسلام، ليس أهل كفر، حتى تُقال دار كفر. فبقاؤه هناك أضر عليه، فيبقى عند المسلمين أفضل له، يبقى عند المسلمين أفضل له. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر أهل الإسلام أن يهاجروا إلى الحبشة، مع أنهم كفار، أمر أن يهاجروا إلى الحبشة مع أنهم كفار، لكنهم ما كانوا يؤذون أهل الإسلام. فقال: «إن هناك حاكمًا عدلًا، أو قال: عدل، لا يظلم عنده أحد، فاذهبوا إليه». فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يهاجروا إلى الحبشة، مع أنها بلاد كفر، لكنها لا تؤذون أهل الإسلام. فكيف يمنع الرجل أن يذهب ويهاجر إلى بلاد المسلمين؟ فهذا من الانتكاسات، فهذا من الانتكاسات التي عند هؤلاء، وتغلغلت فيهم قضية التكفير، حتى رأوا أن بلاد الكفر أفضل من بلاد الإسلام، بأحوالهم، وإن كانوا لم يصرحوا بذلك، لكن بهذه المقالات يظنون أن بلاد الكفر أفضل من بلاد الإسلام. فلذلك أيها الإخوة، فهذه المسألة، مسألة الهجرة، مسألة عظيمة، ويجب على كل من أوذي في دينه في بلاده أن يهاجر، أن يهاجر إلى تلك البلاد. حتى إذا كانت ليست كفرًا، بل مثلًا الظلم شائع فيها، والمعاصي شائع جدًا، البدع أيضًا لهم صولة وجولة، يؤذون أهل السنة أو يؤذون أهل الطاعة، فهذا أيضًا يهاجر. وإن كانت ليست كهجرة الكفار، لكن هذه هجرة أيضًا من باب الكمال، ومن باب الحفاظ على دينه. ولهذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، حديث أبي هريرة: «لا يكونن خير مال المرء المسلم شِعْ - أو قال: غنم - يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر»، يعني يذهب بعيدًا من الناس، «قال: يفر بدينه من الفتن، يفر بدينه من الفتن». مع أن هؤلاء مع أنهم من المسلمين، لكن بسبب كثرة الفتن، حتى أن الإنسان لا يأمن على نفسه الفتنة، فإنه يفر بدينه من تلك الفتن. فكيف عندما يعيش الإنسان عند كفار لا يعرفون إسلامًا، ولا يعرفون حشمة، ولا يعرفون للأعراض مقامًا، ولا أيضًا كذلك احترامًا؟ فكيف يجلس عند هؤلاء؟ فلذلك خلاصة ما يذكر في هذه الفائدة: أن الهجرة تجب على الرجال إذا لم يتمكنوا من إظهار دينهم، وأما النساء فلا تجب عليهن. فلذلك أخرجهم الله عز وجل من هذا الصلح، الله عز وجل أنزل هذه الآية لأجل أن يعلموا أنهم ليسوا في ذلك الصلح، لأن المرأة لا تقوم بنفسها. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]، فامتحنوهن: أمر نبيه أن يمتحنوهن في الإيمان. وسيأتي إن شاء الله تعالى فوائد أيضًا في هذه، أو هذا المقطع، إن شاء الله نجعله في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.