الدرس في الجواب الكافي 57، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض المقطع حديث ابن عمر المحذر من تقديم المكاسب الدنيوية على حقوق الأخوة الإسلامية والبيع بالعينة وترك الجهاد، مبيناً أن ذلك يجلب البلاء والضعف على الأمة ولا يرفع إلا بالرجوع الصادق إلى الدين. ويؤكد ثبوت هذا المعنى بحديث آخر صحيح داعياً إلى مراجعة النفس والعودة إلى منهج السلف في تعظيم الأخوة وتقديم الطاعة.
يوضح المقطع أن الأحاديث الواردة في الباب صحيحة أو حسنة مع استعراض تعريف الحسن البصري للإيمان بأنه ما وقر في القلب وصدقه العمل. ثم يبين أن الفتن والفساد الحاصلة في الأمة إنما هي عقوبة إلهية نتيجة تقصير الناس وتفريطهم في واجبات الله وأن الالتزام بالفرائض يمنع ظهور الفساد.
يوضح المقطع أن تسلط الحكام الظالمين على الناس نتيجة لما كسبت أيديهم مستشهداً بقصة أنبياء بني إسرائيل وقول عمر بن الخطاب كما تكونون يولى عليكم. ويبين أن صلاح الرعية ينعكس على صلاح الراعي كما ظهر في مقارنة رعية عمر بن الخطاب برعية علي بن أبي طالب داعياً إلى إصلاح النفس قبل طلب إصلاح الولاة.
يتحدث المقطع عن انتشار الفساد بين الرعية من ترك الصلوات وأكل الحرام والسرقة والغش والخيانة مبيناً أن حال الأمة سيكون على قدر واقعها الفاسد. ويشير إلى موقف أهل السنة والجماعة من ذلك الواقع المتردي.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى في كتابه "الداء والدواء": وذكر ابن أبي الدنيا عن حديث ابن عمر قال: «لقد رأيتنا وما أحدنا بحق ديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أخذتم بالدينار والدرهم، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، وأخذتم أذناب البقر، أنزل الله بكم من السماء بلاء، فلا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم». ذكر رحمه الله تعالى هذا الأثر عن عبد الله بن عمر، وفيه بيان أن حق الأخوة هو الذي يحرص عليه، ليس الدينار والدرهم، وإنما يحرص العبد على حقوق إخوانه المسلمين. هكذا كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأما اليوم، فنعوذ بالله العافية والسلامة، صار الناس يحرصون على الدينار والدرهم، ويقدمونه على الأخوة، ومستعد أن يضحي بالأخوة من أجل تحصيل الدينار والدرهم، ولو خسر أقرب أخ وأقرب رفيق وأقرب صديق، مقابل أنه سيحصل على دراهم أو ريالات أو حفن من الدنانير. هذا الذي صار يحرص عليه أكثر الناس إلا من رحم الله، فهذا هو واقع الناس اليوم: كيف يحصل على الدينار والدرهم والريال والمال، وغير ذلك، ولا يحرص على بقاء الأخوة. نعوذ بالله العافية والسلامة. ثم ذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا: «إذا أخذتم بالدينار والدرهم، وتبايعتم بالعينة» - وهو أحد أنواع البيع، تقدم معنا - «وتركتم الجهاد في سبيل الله، وأخذتم أذناب البقر»؛ يعني: حرصوا على الدنيا، على الزرع، وعلى الحرف، وركنوا إلى الدنيا. أنزل الله جل وعلا عليهم من السماء بلاء. وهذا البلاء واقع وواضح اليوم، البلاء الذي حل بالأمة ظاهر وواضح: الأمة في ضعف، والأمة في تخلف، وفي تقهقر، وفي وضع لا يُحسد عليه، لا يحسدهم الكفار عليه، الكفار لا يحسدون أمة الإسلام على ما هم عليه أبداً. لماذا؟ لأن حال الأمة ظاهر لكل أحد: حال هزيل، وحال ضعيف. وهذا بسبب الركون إلى الدنيا، وبسبب عدم القيام بشرع الله عز وجل، وعدم الاعتزاز بهذا الدين. صار هم أكثر المسلمين الدنيا: البيع والشراء، والحرث والزراعة، والتجارة، والصناعة. إذا كانت عندهم صناعات خفيفة ركنوا إليها، وضيعوا الواجبات والفرائض، فحل هذا البلاء، ولا يرفع إلا بالرجوع، الرجوع إلى الدين الحق، حتى يراجعوا دينهم. لرجعت الأمة إلى دينها، واعتزت بدينها، وفخرت بذلك، وقامت بما وجب الله جل وعلا عليها، رفع هذا البلاء. الحديث هذا في سنده ليس ابن أبي سليم، وهو ضعيف، إلا أنه صحيح بما قبله. فهذا الحديث صحيح بما قبله؛ لأن معناه قد ذكر في الحديث السابق الذي مر معنا، هو حديث عبد الله بن عمر: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بكم بلاء لا يرفع عنكم حتى تراجعوا دينكم». نفس الألفاظ المذكورة فيه. هذا الحديث الذي في سنده ليس ابن أبي سليم، هي الألفاظ في سند ذلك الحديث الذي هو إسناده حسن، صححه العلامة الألباني رحمه الله وغيره من أهل العلم. فمن أهل العلم من صححه، ومنهم من حسّنه. والشاهد الذي أراده ابن قيم من ذكر هذا الحديث واضح وظاهر: بيان سبب ما آلت إليه الأمة من ضعف وتقهقر وتأخر وغير ذلك من البلاء. كل ذلك بسبب الركون إلى الدنيا، وتضييع حقوق الله جل وعلا. قال رحمه الله: وقال الحسن، الحسن البصري رحمه الله، من أئمة التابعين، حتى قال بعض العلماء: كلامه يشبه كلام الأنبياء. كلام الحسن البصري يشبه كلام الأنبياء: كلمات قليلة فيها نصائح عظيمة. قال في الإيمان: «ما وقر في القلب وصدقه العمل». الإيمان: ما وقر في القلب وصدقه العمل. أربع كلمات، أربع كلمات عرف بها الإيمان. وأهل البدع لهم تعريفات مطولة وباطلة. كلام قليل فيه خير وبركة: «ما وقر في القلب وصدقه العمل». هذا هو الإيمان. وهذه العبارات معروفة مشهورة، تدل على رسوخه، وعن البركة في كلامه التي جعلها الله عز وجل في كلامه، حتى قال فيه بعض العلماء: كلامه يشبه كلام الأنبياء، بما في كلامه من الوعظ، ومن النصح، ومن يسير الكلام، ففيه البركة: ألفاظ يسيرة لكن احتوت على معاني غزيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال رحمه الله تعالى: إن الفتنة، والله، ما هي إلا عقوبة من الله عز وجل على الناس. هذه الفتن الحاصلة إنما هي عقوبة من الله عز وجل. الفتن: كل الفتن، فتن الدنيا وفتن الدين، إنما سببها - كما ذكر رحمه الله تعالى - ما عليه الناس من تقصير وتفريط. فكانت هذه الفتن عقوبة من الله جل وعلا. أو لما أصابتكم مصيبة قلتم: أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم. وكما قال جل وعلا: ﴿فبما كسبت أيديكم يعفو عن كثير﴾. فبما كسبت أيدي الناس عاقبهم الله جل وعلا بما عاقبهم به من هذا البلاء، من الضنك في العيش، من الفتن الحادثة الحاصلة. ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ﴿ظهر الفساد في البر وال البحر بما كسبت أيدي الناس﴾. لماذا؟ بأجل العقوبة. هذا الفساد ظهر، كان نتيجة ذلك العقوبة. فحصول الفساد، وحصول الفتن، بلاء من الله عز وجل، وهو عقوبة ليذيقهم بعض الذي عملوا. فظهور الفساد عقوبة من الله جل وعلا؛ لأن الفساد لا يظهر إلا بسبب التقصير والتفريط. ينتشر الفساد، تنتشر المنكرات، بسبب التقصير والتفريط والتضييع. إذا ضيع الناس ما أوجب الله جل وعلا عليهم، وفرطوا وقصروا، ظهر الفساد. لو أن الناس جميعاً حافظوا على صلواتهم، وحافظوا على فرائض الله عز وجل، قاموا بالواجبات، حققوا الخوف من الله جل وعلا في بيعهم وشرائهم، في معاملاتهم... وإن الفساد يظهر من أين؟ ينشأ الفساد، ومن أين يظهر الفساد إذا كان الناس يؤدون حقوق الله جل وعلا؟ هكذا حصل التقصير والتفريط، والطبيعي ظهر الفساد، ونشأ الفساد عقوبة من الله سبحانه وتعالى. وهكذا الفتن وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بخت نصر، فقال: «بما كسبت أيدينا سلط علينا»، أو قال: «بما كسبت أيدينا سلط علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا». يعني: كأنه يخاطب الله عز وجل، هذا النبي، أو هؤلاء البعض من أنبياء بني إسرائيل، حين رأوا ما يفعل بهم هذا الملك الظالم، كيف سامهم هذا العذاب. فعلم بعض أنبياء بني إسرائيل أن هذا الذي يفعل بهم هذا الملك، بسبب ما كسبت أيديهم. سلط الله جل وعلا عليهم من لا يعرف ربه جل وعلا، ولا يرحم الناس. فإذا سلط الله جل وعلا على طائفة من الناس ملكاً ظالماً، أو حاكماً ظالماً، فإنما هو بسبب ما كسبت أيديهم. هذا الأثر من آثار بني إسرائيل، معناه صحيح، وإن كان من أخبار بني إسرائيل يُخبر بها ويحدث عنها، ولا تصدق ولا تكذب، ويعتبر بما جاء فيها. وهذا فيه عبرة، وهو حق: أن من تسلط على من تسلط من الناس، إنما بسبب ما كسبت أيدي الناس. كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: «كما تكونون يولى عليكم». مثل ما تكونون يولى عليكم. من يصلح للناس؟ عمر بن الخطاب، الله، ما يصلح لهؤلاء الناس؟ أين عمر من هؤلاء الناس؟ من يصلح لهم؟ علي بن أبي طالب، ما يصلح لهم علي بن أبي طالب، ولا غيره من الخلفاء، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا... ولا... ولا... كيف؟ كما تكونون يولى عليكم. لما جاء علي بن أبي طالب... لما جاء خارجي من الخوارج، رجل من الخوارج، لعلي بن أبي طالب، وكأنه يعرض بما هو حاصل في زمن علي بن أبي طالب من فتن وغير ذلك، فذكر له ما كان في عهد عمر من عدم هذه الفتن، وحصول شيء من الاستقرار الذي هو غير موجود الآن. فقال له علي بن أبي طالب: عمر بن الخطاب، الفاروق رضي الله تعالى عنه، كانت رعيته من أمثالي. كانت رعيته من أمثالي. علي بن أبي طالب من رعية عمر بن الخطاب. انظر إلى الرعية لتعلم من الراعي. انظر إلى الرعية لتعرف من الراعي. بعد ذلك كانت رعية عمر من أمثالي، وأما رعيتي فمن أمثالك. رعيتي من أمثالك. ومعناه: كما تكونون يولى عليكم. الآن ننظر إلى الرعية بهذا الميزان. ننظر إلى الرعية، ننصف ونصدق مع الله. ننظر إلى الرعية: هذه الرعية التي يرعاها هؤلاء الذين هم ولوا الأمور، من هي الرعية؟ ما ذا كيدهم؟ نعوذ بالله العافية والسلامة، وأنا واحد منهم، ونريد من مثل عمر؟ مثل علي؟ إذا كان أمثال ذلك في عهد علي من رعية علي، كان ما حصل. وليس معناه ذلك أن هذا الكلام نجري به نولّي أمور المسلمين عن المسلمين، لا. اتقوا الله، ولا تظلموا المسلمين. لكن نقول: هذا أنه قد قاله السلف. فالأمور مرتبطة، الأمور مرتبطة، مرتبط بعضها ببعض. صلاح الرعية له أثر على صلاح الراعي، وفساد الرعية له أثر على فساد الراعي. إذا كان أكثر الرعية على فساد، أكثر الرعية على فساد، على ترك للصلوات، على أكل للحرام، على سرقة، على غش، على خيانة، إلى آخر ذلك، ومعناه ماذا؟ معناه: الأمر سيكون على قدر الواقع. وهكذا. فلذلك أهل السنة والجماعة ي