الدرس في الجواب الكافي 10، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح الحديث النبوي حول دعاء الهم والحزن ومعانيه وفضله، ويتناول صحة الحديث وعلله. يشير إلى أهمية هذا الدعاء في مواجهة الهموم والأحزان.
يشرح أهمية التوسل بأسماء الله الحسنى في الدعاء، ويبين فضل دعاء معين يزيل الهموم والأحزان ويحث على استخدامه في مواجهة مصائب الدنيا.
يروي قصة رجل أنصاري دعا الله وقتله ملك من السماء الرابعة، ويشرح أن استجابة الدعاء ترتبط بظروف خاصة مثل الاضطرار وصدق اللجأ إلى الله.
يؤكد أن الدعاء يحتاج إلى الوقت المناسب والضوابط الصحيحة ليكون نافعا، ويزيد من فرص الحصول على النفع المرجو بإذن الله.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المقيم رحمه الله تعالى في كتابه الداء والدواء: قال في مسنده أيضا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا». فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ قال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها». هذا الحديث ذكره رحمه الله لبيان أن من الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أدعية الهم والحزن والمصائب، هذا الدعاء العظيم الذي كان يدعو به عليه الصلاة والسلام، وأرشد إلى الدعاء به حال الحزن والهم والمصائب. والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله؛ لأنه جاء من طرق، وإلا فبعضها للعلماء ضعف؛ وذلك لأن في سنده أبا سلمة، ولا يدرى من هو أبو سلمة، هل هو الجهني أم غيره؟ فللاختلاف في أبي سلمة. وكذلك أيضا لاحتمال الإرسال؛ لأنه جاء من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عبد الله بن مسعود، وسماع عبد الرحمن من أبيه مختلف فيه، هل سمع منه أم لم يسمع؟ ذكر الحافظ رحمه الله في التقريب أنه سمع من أبيه شيئا يسيرا. أثبت الحافظ بن حجر في التقريب أن عبد الرحمن سمع من أبيه شيئا يسيرا. وأيضا في سنده فضيل بن مرزوق، وأيضا مختلف فيه، منهم من جرحه ومنهم من عدله. وقد تفرد في هذا السند، فلذلك حكم بعض العلماء على هذا الحديث بالضعف لهذه العلل: تفرد فضيل بن مرزوق، احتمال إرسال عبد الرحمن الراوي عن أبيه عبد الله بن مسعود؛ لأنه لم يثبت له إلا أحاديث يسيرة ثبت له السماع فيها من أبيه، وأيضا للاختلاف في أبي سلمة، هل هو الجهني أم غيره؟ لكن العلامة الألباني رحمه الله صحح الحديث؛ لأنه جاء من طرق. والشاهد أن الحديث واضح أن هذا الدعاء دعاء عظيم من أدعية الهم والحزن، أن يقول العبد: «اللهم إني عبدك ابن عبدك»؛ فالعبد عبد لله جل وعلا. «اللهم إني عبدك» فيه الاعتراف بالعبودية لله جل وعلا، وهذا فيه إظهار الحاجة وإظهار الذل والتضرع، وفيه كذلك إثبات التقصير من العبد تجاه ربه جل وعلا. «ابن عبدك» أي ابن عبدك أيضا الفقير، «ابن أمتك» أي ابن مملوكتك. قال: «ناصيتي بيدك» والمراد به أمره، «ماض في حكمك» «عدل في قضاؤك» كل هذه اعترافات من العبد لربه جل وعلا، وأنه لا حول له ولا قوة، ناصيته بيد الله جل وعلا، حكم الله جل وعلا هو الماضي فيه، وقضاءه جل وعلا هو العدل، سواء كان مما يحبه العبد أو مما لا يحبه؛ لأن أفعال الله جل وعلا خير، وقضاءه جل وعلا خير. فلما ذكر هذه الاعترافات التي فيها التضرع والاعتراف بأنه عبد فقير إلى ربه جل وعلا، توسل بعد ذلك بأسماء الله جل وعلا، قال: «أسألك اللهم بكل اسم هو لك»؛ ففي التوسل بأسماء الله جل وعلا كلها، ما علمها وما لم يعلمها؛ لأن أسماء الله جل وعلا لا تعد ولا تحصى، هناك أسماء أعلمنا الله جل وعلا إياها في كتابه، وأعلمنا إياها رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته، ولكن هناك أسماء لا يعلمها إلا الله استأثر بها في علم الغيب عنده. فالعبد حين يقول: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي» إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا. فاحرص يا عبد الله على هذا الدعاء العظيم إذا أصابك الهم، وإذا أصابك الحزن، إذا أصابتك الكآبة. ولا شك أن الإنسان في يومه وليلته يعاني من مصائب الدنيا ومن آلام الدنيا؛ لأن هذه الدنيا آلام وهموم وحزن، آلام من يوم أن تصبح وأنت تعاني آلام هذه الدنيا ومصائب هذه الدنيا وهموم هذه الدنيا وحزن هذه الدنيا. فأنت تحتاج إلى ما يكون سببا لذهاب هذه الآلام وذهاب هذه المصائب وهذه الأحزان. فالدواء لذهاب هذه الأشياء هذه الأدعية المباركة العظيمة تثلج الصدور وتبعد عنها الهموم والآلام والأحزان. فاحرص على تعاطي هذا الدواء يا عبد الله. كثير من الناس يعانون الآلام والهموم والأحزان والمصائب، لكن لا يتعاطون الدواء. يمرض ويتعب، تأتيه الحمى، ويأتيه الصداع، ويأتيه كذا، فيأخذ الإسبرين ويأخذ الدواء الفلاني والشراب الفلاني، لكن تأتيه هموم القلب وحزان القلب ومصائب القلب، هذه ما ينفع معها الإسبرين ولا الشراب الفلاني، هذه تحتاج إلى ذكر وأدعية. ومن هذه الأدعية هذا الدواء. كيف لا يجلو الهم من قلبك والحزن وأنت قد توسلت بكل أسماء الله جل وعلا، وسألت الله جل وعلا أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبك، وأن يجعل القرآن نور صدرك، وأن يجعل القرآن جلاء حزنك وذهاب همك؟ فبإذن الله يذهب عنك ذلك. وحين تأتي بذلك الدعاء لا تأتي به مجرد ألفاظ، بعض الناس يأتون بالأدعية لكنها ألفاظا جوفا. قال رحمه الله تعالى: وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح»؛ يعني أن الأنبياء استغاثوا بالتسبيح إذا وقعوا في الشدائد، سبحوا الله جل وعلا. ومن تأمل القرآن وجد ذلك، كما تقدم معنا يونس عليه السلام لما كان في بطن الحوت وقع في شدة استغاث بالتسبيح: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. وهكذا فالعبد إذا وقع في شدة عليه أن يستغيث بالله جل وعلا، وأن يسبح الله جل وعلا ويعظم الله جل وعلا فيحصل النفع العظيم بذلك. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». وهذا فيه الدعاء بالتسبيح. وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين، أي كتاب مجابي الدعوة لابن أبي الدنيا، قال: وفيه الدعاء عن الحسن البصري قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان تاجرا يتجر بمال له ولغيره، يضرب به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال: ضع ما معك، فإني قاتلك. قال: ما تريد من دمي؟ فشأنك والمال. قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك. قال: أما إذا أبيت، فذرني أصلي أربع ركعات. قال: صل ما بدا لك. فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر السجود أن قال: «يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالا لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني» ثلاث مرات. فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة، قد وضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه فقال: قم. فقال: من أنت؟ بأبي أنت وأمي، فقد أغاثني الله بك اليوم. فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت الله أن يوليني قتله. قال الحسن: فمن توضأ أو صلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له، مكروبا كان أو غير مكروب. قال رحمه الله تعالى: فصل: كثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة أو ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته، أو صادف الدعاء وقت إجابة ونحو ذلك، فأجيبت دعوته. فيظن الظان أن السر في لفظ ذلك الدعاء، فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي استعماله على وجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظن غيره أن استعمال هذا الدواء مجردا كاف في حصول المطلوب، كان مخطئا. وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس. ومن هذا أنه قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب له، فيظن الجاهل أن السر في القبر، ولم يعلم أن السر للاضطرار، الصدق، اللجأ إلى الله. فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله. ذكر رحمه الله تعالى هذا الفصل، والمراد به أن للدعاء ظروفا، فهناك ظروف خاصة لأجلها يستجاب الدعاء، وظروف لا يستجاب معها الدعاء، وظروف يستجاب معها الدعاء. ظروف خاصة تتوفر فيها أمور لأجلها يستجاب للداعي، يكون في شدة، يكون قد قام بقلبه الاضطرار والحاجة إلى الله عز وجل، وصدق اللجأ إلى الله جل وعلا، هذا ظرف خاص. فإذا توفرت هذه الأمور في هذا الظرف الخاص وانتفت الموانع، حصلت الفائدة والنفع له. والإنسان يحرص إذا وقع في ظرف من هذه الظروف الصعبة أن يحرص على توفير هذه الشروط وتحصيلها وإبعاد الموانع حتى يجاب من الله جل وعلا. وهذا كحال الذي يتعاطى الدواء بضوابطه وبأوصافه، يتعاطى الدواء المناسب في الوقت المناسب، الدواء بإذن الله جل وعلا ينفع صاحبه، لكن يحتاج إلى أن يتعاطيه العبد في وقت مناسب. وهكذا الدعاء، وهكذا الدعاء كالدواء، إذا دعا العبد بدعائه في الوقت المناسب وأتى بضوابطه التي هي مضان إجابة دعائه، فبإذن الله جل وعلا يحصل النفع. وانتهى الوقت، نكمل في درسنا اللاحق إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم، بارك على ابن محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.