الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 105، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يختص المقطع بتفسير آية ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ موضحاً أنها تتناول العدل في المحبة والجماع لا في النفقة والقسمة. ويستدل بقول ابن عباس وفعل النبي ﷺ في حبه لعائشة دون لوم لكون المحبة خارجة عن الاختيار.
يؤكد المقطع أن الميل القلبي غير مقدور للإنسان فلا يُكلف بالتسوية في الحب، لكن يُنهى عن أن يجر هذا الميل إلى الجور في القسمة والنفقة. ويذكر حديثاً ضعيفاً عن ميل القلب وحديثاً صحيحاً يحذر من الميل لإحداهما فيأتي يوم القيامة وشقه مائل.
يبيّن المقطع أن محبة القلب والشهوة ثمرة للمعاشرة الحسنة والمعاملة الطيبة وليستا ملكاً للإنسان. ويختتم بالتأكيد على أن هذا هو المقصود من الباب مع تفويض العلم والحكم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب العدل بين النساء، وقوله جل وعلا: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾». فلم يذكر المؤلف هنا حديثًا، لكن استدل بذكر الآية، وأراد هنا بالعدل بين النساء على ما هو في الآية: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. فهذه الآية يظن بعض الناس أنها نزلت في العدل في النفقة والقسمة، وليس كذلك؛ فإن هذه يستطيع الإنسان أن يعدل بين النساء فيها، لكن هذه الآية المراد بها الحب والجماع، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال -كما ذكر ابن أبي شيبة وغيره-: «المراد بهذه الآية الحب والجماع». ومعنى الآية: ولن تطيقوا أيها الرجال أن تساووا بين نسائكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، لأن ذلك مما لا تملكونه، ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك. فللهذا ربنا جل وعلا لا يؤاخذ العبد على محبة القلب؛ محبة القلب فإنها لا يؤاخذ الله عز وجل عليها، وليس أيضًا باتفاق أهل العلم أن العدل يكون في المحبة. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب عائشة أكثر من محبته لأزواجه الأخريات، وليس هذا مما يعاب عليه الإنسان؛ لأن هذا أي المحبة وغير ذلك مما لا يملك الإنسان، وإنما يأتي بالأعمال والتعامل وغير ذلك. فتجد أن الإنسان يحب آخر، أو يحب بعض أولاده أكثر من بعض، أو يحب ولدًا أو يحب بنتًا، فهذا مما لا يستطاع دفعه، لكن يؤتى بالوقت إما بسبب المعاملة؛ قد مثلًا يكون بعض الأولاد طائعًا لأبيه فيحبه، أو أن الله عز وجل ألقى عليه حبه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خديجة: «إن الله رزقني حبها، إن الله رزقني حبها». فلهذا لا يستطيع الإنسان أن يعدل في المحبة، وكذلك أيضًا كما قال ابن عباس في هذه الآية: «لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهن ولو حرصت»، لا تستطيع أن تعدل بين النساء بالشهوة فيما بينهن ولو حرصت. فلهذا قال ابن المنذر: «قول أهل العلم في هذه الآية أن التسوية بينهن في المحبة غير واجبة»، وقد أكبر النبي عليه الصلاة والسلام أن عائشة أحب إليه من غيرها من أزواجه. وقوله جل وعلا في الآية: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، أي بأهوائكم حتى يحملكم ذلك أن تجوروا في القسم على الذين لا تحبون. معناه: أنه لا يكون عدل في المحبة والشهوة أو الجماع، لكن لا يحملكم هذا على عدم العدل فيما يجب عليكم فيه العدل من القسمة والنفقة. ولهذا قال: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، يعني لا آيب ولا ذات بعل. أن بعض الناس إذا تزوج وأحب بعض أزواجه ترك الأخريات وكأنها ليست ذات زوج، فهذا الذي لا يجوز. ثم قال: ﴿وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، أي: إن تصلحوا فيما بينكم وبينهن بالاجتهاد منكم في العدل بينهن. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. وجاء حديث من حديث عائشة في هذه المسألة، أخرجه الإمام -أو أخرجه أهل السنن- عن عائشة: «أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»، يعني: لا تلمني في محبة القلب. لكن هذا الحديث فيه ضعف، وقد رجح كثير من الأئمة أنه مرسل، كما قال الترمذي: «والمرسل أصح». فأيضًا كذلك من ناحية أنه إذا مال الإنسان، ومعنى جعل أو جعل هذه المحبة تميل به عن العدل بينهن في النفقة وكذلك في القسمة في المبيت وغير ذلك، فإنه يدخل في الإثم. فقد جاء في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل». جاء يوم القيامة وشقه مائل. إذا مال إليها أي في النفقة والقسمة، لم يقسم لتلك الزوجة الأخرى مثلها، فمال إلى هذه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جاء يوم القيامة وشقه مائل». وهذا الحديث صحيح، ولهذا فالواجب على المسلم أنه إذا تزوج أكثر من امرأة أن يعدل بينهن، يعدل بينهن في النفقة أو في القسمة، وأما في المحبة والشهوة فإنه لا يستطيع أن يعدل بينهن، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. فهذا الشيء لا يملكه الإنسان: محبة القلب، وكذلك أيضًا الشهوة لا يملكها، وإنما تأتي مع المعاشرة وكذا، ومع أيضًا الاختلاق بالزوجة. فهذا المقصود من هذا الباب، والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر