كتاب النكاح من صحيح البخاري 103

كتاب النكاح من صحيح البخاري 103

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 103، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مشروعية القرعة بين الزوجات عند السفر

يبين المقطع أن النبي ﷺ كان يقرع بين نسائه عند إرادة السفر، فخرجت القرعة لعائشة وحفصة رضي الله عنهما، ويستعرض آراء الفقهاء في مشروعية الاستهام في القسمة وهل هو واجب أو مستحب، مع جواز تراضي الزوجات على التنازل عن السفر.

قسمة النبي ﷺ بين زوجاته وحادثة البعير

يوضح الفرق بين قسمة الليل الواجبة وقسمة النهار المستحبة، ويسرد قصة تبادل عائشة وحفصة للبعير ليلاً، وما نتج عن ذلك من غيرة عائشة ودعائها على نفسها حين علمت بمسير النبي ﷺ مع حفصة.

عفو النبي ﷺ عن غيرة أزواجه وكسر الصحفة

يسلط الضوء على موقف النبي ﷺ من غيرة أزواجه حيث كان يعفو ولا يعنّف، مستشهداً بكسر عائشة للصحفة ودعائها، ويستدل العلماء بآية الاستعجال في الشر وحديث «أخطأ من شدة الفرح» على عفو الله عن هذه الانفعالات لانتفاء القصد.

توضيح عائشة رضي الله عنها لسبب غيرتها

تذكر عائشة رضي الله عنها أن كلامها ودعاءها لم يكن بقصد الموت الحقيقي، بل صدر عن غيرة شديدة ومحبة لرسول الله ﷺ، مختتمة الحديث بقولها والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرا»، «باب القرعة بين النساء وأنا يستهم بينهم إذا أراد سفرا»، أي: لعجل من يأخذها منهن. قال: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين الكوفي، حافظ من حفاظ الكوفة. قال: حدثنا عبد الواحد بن عون، وأيضا هو كوفي. قال: حدثني ابن أبي مليكة، وابن أبي مليكة اسمه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة المكي. قال: عن القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة، وعائشة عمته خالته، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث. فقالت حفصة: «لا تركبيني الليلة بعيري وأركب بعيري، فانظرين وأنظر». فقالت: بلى. فركبت، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة. فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر، وتقول: «يا رب، سلط علي عقربا أو حية تلتغن، ولا أستطيع أن أقول له شيئا». طيب، هذا الحديث في القرعة بين النساء، وهذه القرعة معناها تكون في المقاسمات وفي غيرها. وقد جاء في القرآن لما استهموا في البحر مع نبي الله يونس، فساهم فكان من المدهوضين. وقد قرر الفقهاء أن القرعة أمر شرعي يكون فيه الأمور التي لا تحديد لها ولا تعين، فتحدد بالقرعة والاستهام، وليس هو من المقامرات، وإن المقامرات إنما يكون بالمال غالبا. وفي هذا الحديث، وفي هذا الحديث الاستهام بين النساء أيضا مطلوب عند القسمة، وخاصة إذا أراد الزوج أن يسافر ويأخذ بعض أزواجه. وهنا لا يفضل امرأة على أخرى، إما أنه يكون بينهما تراض بين النساء، فبعض النساء لا تحب السفر، وبعض النساء عندهن الأمر عادي لا بأس أنها تخرج مع زوجها، فيصطلحن على أن هذه المرة هي التي تخرج، فهذا جائز. وهل هذا واجب؟ أي: القرعة إذا كانت كما قلنا كلهن يردن أن يخرجن أو كلهن يردن أن يجلسن، فهنا يقرع بينهن. فجعل مالك وغيره أن هذا واجب، وبعض يقول أنه الأولى فقط وأنه من باب الأفضلية، وإلا للزوج أن يجبر إحدى نسائه، لكن الأفضل مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام وهو العدل، أنهن إذا كن مثلا يردن الخروج كلهن فيقرع بينهن، وإن كن يردن الجلوس أيضا كلهن، بمعنى يحبذن الجلوس، فأيضا يقرع بينهن. أما إذا تراضوا كما قلنا فواحدة منهن تحب أن تخرج والبقية لا يحبون الخروج، فاصطلحوا على ذلك، فهذا أيضا جائز. وفي هذا الحديث أيضا أن القسم يكون بالليل والنهار، لأن عائشة هنا قالت: «وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلها» كما جاء في بعض الروايات. لكن قسم الليل واجب، وقسم النهار على حسب المصلحة، وإن كان الأفضل أن يقسم أيضا. ومسألة الاستهام كما قلنا فيها خلاف في الاقتراع، وخاصة في النساء، أكثر العلماء يقولون أنه من السنن لا من الفرائض، لكن كما قلنا أنه من العدل، من العدل بين النساء. وهنا قالت في هذا الحديث: قالت عائشة رضي الله عنها: «فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث». معنا قد يحتمل كما قال بعض الشراح أن هذا يكون في ليلة عائشة، لكن ظاهر الحديث خلافه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لو كان يمشي مع عائشة في ليلتها لكان في الليلة الثانية يمشي مع حفصة، ولم تحتج حفصة أنها تركب بعير عائشة. وإنما قد يكون أراد النبي عليه الصلاة والسلام من الحديث مع عائشة أن بينهما غالبا كلاما، وأن عائشة أكثر نساء النبي صلى الله عليه وسلم سؤالا، وكذلك تتكلم مع النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب أن يتكلم معها ويقضي معها، وهذا لا يدخل في القسمة، لأن مسألة الكلام الناس يختلفون فيه، فتجد بعض النساء عندهن مواضيع كثيرة، وبعض النساء ما تتكلم كثيرا، معنا تستحي أن تتكلم أو غيرها، فلهذا اختار النبي عليه الصلاة والسلام عائشة في ذلك في أنه يسير معها ويتحدث معها، لأنها كانت كثيرا ما تسأل، وكثيرا أيضا ما تستفسر من النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا كان يتحدث معها. فقالت حفصة لعائشة رضي الله عنها: «ألا تركبين بعيري وأركب بعيري، تنظرين وأنظر، ما الذي يقول له النبي صلى الله عليه وسلم معي، أو يقول ماذا، الذي يتكلم به النبي صلى الله عليه وسلم معك، وماذا الذي يتكلم به معي». فقالت: بلى. كانت عائشة رضي الله عنها وافقت حفصة على ذلك، فركبت. وهذا غالبا يحصل من الغيرة التي تحصل بين النساء، فحفصة رضي الله عنها قالت لعائشة هذا لأجل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم معها. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة. معنى: كان يكلم حفصة وهي تسمع، أو أنه كان يسير معها. فلما نزلوا جعلت رجلها بين الإغصر، والإغصر عشب يكون مما ينبت غالبا بنفسه، غالبا ينبت هذا العشب بنفسه، معنى: ليس بتدخل إنسان، وكان الناس يجعلونه، وفيه رائحة، يجعلونه بين القبور أو في القبور. فقال: فأدخلت رجليها في الإغصر، وقالت: «يا رب، سلط علي عقربا أو حية تلدغني». وهذا من كثرة حسرتها على أن فقدت النبي عليه الصلاة والسلام، فغارت، أنها دعت على نفسها. وهذا مما، كما قال الشافعي رحمه الله، مما يعفو الله عز وجل عنه في غالب الأحوال، لأن الإنسان لم يقصده، فدعاء الإنسان على نفسه خيانة عند ما يكون هناك إشكال أو عند الحرج، فغالبا من الأحوال التي يعفو الله عز وجل عنها. واستدل بعض العلماء بقوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، لكن الله عز وجل لأنه ما يحاسب العبد لأنه يخرج الكلام بدون شعور، يخرج الكلام منه بدون شعور. وأيضا استدل به بعض العلماء أن الغيرة في النساء مسموح لهن فيها، وغير منكرة من أخلاقهن، لأن هذا ما يصدر إلا لمحبتهن لأزواجهن. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يعنف أزواجه من الغيرة. ولهذا لما أنزل الله عز وجل: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، قالت عائشة رضي الله عنها: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»، يعني: يريد رضاك، الرب جل وعلا. وهذا جاءت به أيضا من قبيل الغيرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يرد ذلك عليها ولم يزجرها، وإنما عذرها. ولما كسرت الصحفة التي جاءت بها بعض نسائه، وكان يومها أو كانت ليلتها، فأخذت الصحفة وأوقعتها في العرض حتى كسرت، فلم يعنفها النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما قال: «غارت أمكم»، ثم قال: «طعام بطعام، وإناء بإناء»، فنعطيها الإناء وكذلك نضمن الطعام الذي سكبته في الأرض. فهذا كله يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعفو عن النساء في مسألة الغيرة، ولا يعنف عليهن في ذلك، لأن هذا قد تفعله المرأة من غير شعور، تفعل هذا من غير الشعور. لكن لو كان مثلا فيه ضرر على أحد أو على غيرها، فهنا تعنف لذلك. أما إن كان كلام، أو كذلك قد يخرج منها شيء مما يكون لا يجوز قوله، فتنبه على ذلك. وأما الغيرة أو ما تأتي به من الكلام، خاصة مثلا الدعاء على النفس مثل ما فعلت عائشة في هذا الحديث وغير ذلك، فغالبا كما قلنا مما يعفى عنه، لأنه يقال بغير شعور. الإنسان إذا قال شيئا بغير شعور، وبمجرد الغضب أو الغيرة، فإنه لا يؤخذ عليه، مثل ما قال ذاك كما في حديث التوبة: «أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح». فمثل هذا لا يؤخذ عليه الإنسان، لأن المرأة غالبا إذا جاءتها الغيرة خرجت عن صوابها ولم تشعر ما تقوله، ويحصل عندها مثل الغضب الشديد، فلهذا فتعذر من هذا. فلهذا عائشة رضي الله عنها قالت هذا الكلام، ليس أنها تريد أن تموت بذلك، وإنما من باب الغيرة، فلم تشعر بما تقوله، فقالته وهي ما تريد أن تقوله، وإنما فعلت ذلك غيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى المسلم طيب، هذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.