الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 104، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي البخاري أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة، ويوضح المؤلف كيفية القسمة بأن تجعل الموهوبة في مرتبة الواهبة في الدور فتُعطى حقها في نفس اليوم دون تقديم أو تأخير، مع بيان جواز ذلك شرعاً.
يتناول المقطع تفصيل قسمة النبي صلى الله عليه وسلم بين نسائه ليلة ليلة، ويبين أن العدل في النفقة ليس تساوياً مطلقاً بل مراعاة لحاجات كل زوجة وأولادها، بينما المال يُقسم بالتساوي، مع ذكر اختلاف العلماء في آية التخيير ورأي الشافعي في تحديد الليالي ورد فعل النبي عند طلب أم سلمة المبيت سبع ليالٍ.
يؤكد المتحدث أن العدل في القسمة والمبيت مختص بالأزواج الحرائر فقط ولا يتحقق في الإماء، مستنداً إلى قول كثير من العلماء ومنهم الإمام الشافعي، ويختتم بالتأكيد على هذا التفرقة الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك. قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا زهير، وهو ابن معاوية الكوفي، قال: عن هشام، وهو ابن عروة، كان حافظا من حفاظ الحديث ولم يختلط كما قال ابن القطان، بل كان على حفظه، وإنما لعله كان نسياً. قال: عن أبيه، وهو عروة بن الزبير الصابر المحتسب، عن عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها المبرأة من فوق سبع سماوات. كان يصفها مسروق الأجدع، كان إذا قال: حدثتني عائشة، يقول: حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المبرأة من فوق سبع سماوات. قال: عن عائشة أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة. فهذا الحديث: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. وهنا قول المؤلف رحمه الله البخاري: «وكيف يقسم ذلك»؛ معناه: أنه يقسم ذلك، أي كيفية هذا القسم أن يجعل الموهوبة بمنزلة الواهبة في رتبة القسمة، أن يعطيها كما يعطي الواهبة كأحد النساء. معناه: إذا كان مثلا يوم سودة اليوم السابع، فيجعلها أيضا في ذلك اليوم، أنا مثلا بعد عائشة أو بعد حفصة أو كذا، فهذا المراد بـ «وكيف يقسم ذلك»؛ على أنها تأخذ يومها لا تتأخر عنه ولا تتقدم، وأجراه النبي عليه الصلاة والسلام مجرى الحقوق الواجبة. طيب، قال هنا في الحديث: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، ففيه جواز ذلك، وبعضهم يقول: أن قوله جل وعلا ﴿ تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ ﴾ أنها نزلت، أو أن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ كان يدع المرأة من نسائه ما يبدله في غير الطلاق، وإذا شاء راجعها، هكذا قال قتادة. وقال غيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام آوى إليه عائشة وسودة وزينب وحفصة، وكان قسمه من نفسه ومال فيهن سواه، وكان ممن أرجأ سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء. وهذا بحسب ما يراه الزوج في نسائه، وإن كان هذا خاصا بالنبي عليه الصلاة والسلام حتى يتسنى التشريع، إلا أنه لا يجب مثلا في النفقة قد تختلف النساء، تختلف النساء في ذلك. معنى هنا: النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه يجعلهن في نفسه وماله يجعلهن سواه، وهناك ممن أرجأ يقسم لهن ما شاء، معنى ليس هناك شيء معين، لكن هؤلاء الأربع الأولى: عائشة وسودة وزينب وحفصة يجعل لهن سواه. وذكر الشافعي رحمه الله: إن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، وإن أراد أن يقسم ثلاثا يقسم ثلاثا. وذكر الشافعي أنه قال: «وأكره مجاوزة الثلاث، وأكره مجاوزة الثلاث»، معناه: لا يجعلها أربعا، إما ليلة بليلة يقسم ليلة لهذه وليلة لأخرى، أو يجعلها ليلتين. لكن يرد هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام لأم سلمة: «إن سبعت لك سبعت لنسائي»، أنا قالت لما قالت لنبي صلى الله عليه وسلم: أريدك أن تجلس عندي سبعا، فقال: «إن سبعت لك سبعت لنسائي». والأفضل أنه يجعل ليلة بليلة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، ولهذا ذكر ابن المنذر أنه قال: «ولا أرى مجاوزة يوم، إذ لا حجة مع من تعدى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غيرها»، فلهذا فالأفضل أن يجعل القسمة ليلة بليلة، ليلة عند هذه وليلة عند هذه. فإن تجاوز فلا بد أن يعدل، إن أراد أن يجعلها بليلتين بحسب ما عنده من الأعمال أو بحسب مصلحته، فلهذا يجعل مثلا ثلاث ليالي عند هذه وثلاث عند هذه. فهنا المراد به القسمة التي يقسم بها بين أزواجه فيعدل بينهن في القسمة، يعدل بينهن في القسمة أي في النفقة والبيات، كما قد ذكرنا قبل في النفقة والبيات. والمراد بالعدل في النفقة أن يعطي كل امرأة ما تكون فيها نفقتها، ليس أنه يعطيهن سواء، هذا إذا كان مثلا ليس عندهن أولاد، وإنما يعطي المرأة مع أولادها مثلا يعطيها أكثر من تلك التي ليس عندها أحد أو أولادها قليل، فيقسم بينهما بالعدل. وأما المرأة نفسها فيعطيها مثل ما يعطي تلك ولو لم تكن عندها أولاد، لكن أحيانا من ناحية الطعام فلا يكون سواء، إذا كان مثلا هذه ما تحب ذلك الطعام واعتادت على طعام معين وتلك اعتادت على طعام معين، فكل واحد يأتي لها بطعامه ولو كان ذاك أكثر ولو كان ذلك أكثر، فهذا بحسب النفقة، بحسب طعامهن. وأما إذا كان زيادة مال فالمال يكون بالتساوي بين النساء، لكن الأولاد يعطيهم على حسب نفقتهم، فهذا هو العدل الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. وهل هذا العدل يكون في الإماء؟ لا، ليس هناك عدل في الإماء، وإنما في الأزواج، وإنما في الأزواج، كما صرح بذلك كثير من العلم منهم الإمام الشافعي رحمه الله. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة