كتاب التفسير من صحيح البخاري 98

كتاب التفسير من صحيح البخاري 98

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 98، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إنذار النبي عشيرته الأقربين عند نزول الآية

صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ونادى قريشاً وبني عبد مناف وعباساً وصفية وفاطمة قائلاً: اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، مبيناً أن النجاة تكون بالإيمان لا بالقرابة. وشرح الشيخ معنى "اشتروا أنفسكم" بأنه بيع النفس لله لتفادي النار مستدلاً بآيات قرآنية.

نفي علم النبي بالغيب واستقلال شفاعته وتكفير سب الصحابة

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ولا يملك الشفاعة المستقلة بل هي بإذن الله، ويستدل بآيات على غفران الله له ورضاه عن الصحابة معتبراً سبهم تكذيباً للقرآن وكفراً. كما يذكر نسب بني عبد مناف وتفاصيل عن هاشم وعبد المطلب.

تحذير النبي أقاربه من الاعتماد على النسب وبيان أحكام النفقة

عندما طالبه أقاربه من بني عبد المطلب وبني أمية بمثل ما أعطى بني هاشم، بين أن بني المطلب وبني هاشم شيء واحد، ثم نادى عمه العباس وعمة صفية وابنته فاطمة قائلاً: لا أغني عنكم من الله شيئاً. وناقش العلماء وجوب النفقة على الأقارب غير الوالدين والأبناء.

فضل نسب النبي وعدم نفع النسب دون عمل صالح

يؤكد المقطع أن نسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو النسب الوحيد الذي لا ينقطع بينما أنساب غيرهم مقطوعة. ويبين أن النسب لا ينفع صاحبه إلا إذا كان على خير مستدلاً بحديث: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال البخاري رحمه الله تعالى في باب «أنذر عشيرتك الأقربين»: قال: حدثنا أبو اليمان، والحكم بن نافع الحمصي، قال: أخبرنا شعيب، وهو شعيب بن حمزة، أيضًا الحمصي، حمصي على شامي من حمص، قال: عن الزهري. وهذا كتاب كتبه شعيب بأحاديث الزهري، وقد حضر شعيب إملاء الزهري لما أملى عليهم الحديث في المسجد الأموي، وتناقل هذا الكتاب العلماء من طريق بشر بن شعيب. شعيب بن أبي حمزة، حمزة له ولد محدث، وقد حدث ابنه بشر، وكان كتب أبيه معه، فكان الناس أخذوه منه. قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهما من علماء المدينة، وكلاهما من أبناء الصحابة. سعيد بن المسيب أبوه صحابي، وكذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أبوه من المبشرين بالجنة. وأبوه سلمة، أمه كلبية من كلب بني كلب، بخلاف حميد وإبراهيم، فأمهم أخت عثمان بن عفان. قال: أن أبا هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، قال: «يا معشر قريش»، أو كلمة نحوها: «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا». قال: تابعه أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب. أصبغ بن الفرج وهو مصري، ويونس بن يزيد الأيلي، هو ابن وهب عبد الله بن وهب، ويونس بن يزيد الأيلي. فهذا الحديث قد تقدم معنا في الدرس الذي مضى، وهنا تقدم معنا حديث ابن عباس، وهذا حديث أبي هريرة. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام أول ما جهر بدعوته قد كانت سرًا، فإن الله عز وجل أنزل عليه هذه الآية ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، فصعد في الصفا، يوم جاء في حديث ابن عباس، فعم وخص. ففي حديث ابن عباس قال: «يا بني فهر، يا بني عدي»، ورد أقرب منه، وأراد أنه عمّ بقريش كلها. فهر بن مالك على قول أكثر أهل النسب أن قريش هو فهر بن مالك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا بني فهر»، أي ابن مالك، وهو أقصد وهو قريش، ومعنى فهر بن مالك وقريش. وقال أيضًا: «يا بني عدي»، وبني عدي هو فخذ من أفخاذ قريش، وهم قبيلة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والمراد أنه عمّ وخص، عمّ قريشًا كلهم، ثم خص بعض القبائل بالذكر. وفي حديث أبي هريرة أنه أولًا قال: «يا بني عبد مناف»، أو قال: «يا معشر قريش»، أو لعله قال: «يا بني فهر بن مالك»، لأنه هنا جاء بالشك. قال: «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا». فـ الله شيئًا». فـ «اشتروا أنفسكم» أي: أن الإنسان ينبغي أن يحافظ على نفسه. «اشتروا أنفسكم» مثل: «قوا أنفسكم» فاشتروها، أي: من النار، حتى لا تقع في النار، تحتاج إلى شراء، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾ الآية. فالشراء هنا المراد به البيع، بيع النفس لله عز وجل حتى يسلم من عذاب الله، حتى تكون وقاية له من عذاب الله. «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا»، أي: ما دمتم كفارًا. فهذا الحديث دليل، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾، معنى: أنا ما أنفع نفسي ولا أضر، إلا الله سبحانه وتعالى. ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾. لكن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، ولا أيضًا يغني عن أحد. لكن هو صلى الله عليه وسلم قد أعلمه ربه جل وعلا بحاله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾، فقد غفر الله عز وجل له. ولهذا الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام قالها في بداية الدعوة، سواء كان في المدينة أو في مكة، أنه لا يعلم، كما جاء في حديث أم العلاء: «والله لا أعلم، والله لا أعلم، والله لا أعلم، وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم». قال العلماء: هذا قبل أن يخبره الله بما أعده الله له في الجنة، وكذلك بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وكذلك أيضًا يخرج منهم من بشره الله، بشره النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة. من شهد الله عز وجل، أو شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، فهو لا شك أنه في الجنة. ولهذا أيضًا الصحابة جميعًا شهد، فقد شهد الله عز وجل لهم أنه راض عنهم، رضي الله عنهم ورضوا عنه. فلهذه فهي حجة قوية لا يستطيع دفعها الروافض غيرهم، بل تدل على كفرهم وعنادهم. فهم يكفرون أبا بكر وعمر وأكثر الصحابة إلا سبعة عشر، ومنهم من يقول سبعة، ومنهم من يقول ثلاثة، على خلاف بين فرقهم. فهؤلاء يعتبرون مكذبين للقرآن، مكذبين ومكذبين لأحاديث نبي الله صلى الله عليه وسلم التي قد اشتهرت وتواترت أن أبا بكر وعمر في الجنة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام مات وهو راضٍ عنهم، وأن الله عز وجل قد ذكر السابقين وأنهم قد رضي عن طريقتهم وغيرهم، لا دليل التي تبين أن هؤلاء الصحابة من أهل الجنة. فمن ادعى أنهم ليسوا كذلك فهو مكذب للقرآن، ومعلوم أن تكذيب القرآن يعتبر كفرًا بالله جل وعلا. وقد ذكر الإمام شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في «الصارم المسلول» أن من كفر أو سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لعنهم، لمعنى سبهم ليس سبًا معنويًا في شيء يقدح في أنفسهم، مثلا خيانة، جبن، كذا، لا، سب لأجل تنقصهم، قال: فهذا كافر بإجماع المسلمين، كافر بإجماع المسلمين. فقال هنا: «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد المناف». وأيضًا في هذا استدل به أئمة من العلم، كالشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، على أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له معنى أنه يقول لحد: «سأشفع لك» أو كذا. أنا الشفاعة ليست بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هي بيد الله: ﴿ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾. وأما ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام أنه يشفع، مثلا لمن أتى بالدعاء بعد الأذان وغيرها بالأحاديث، فهذا من باب ما شرعه الله عز وجل له، فأخبر بما شرعه الله عز وجل له، وإلا فالشفاعة ليست بيد أحد إلا بيد الله سبحانه وتعالى. فقال: «لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد المناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا». بني عبد مناف هم أربعة: بني عبد مناف أربعة: هاشم، ونوفل، وعبد شمس، وأيضًا أمية، أقصد أمية بن عبد شمس. نوفل، وهاشم، والمطلب، وعبد شمس، هؤلاء أربعة من أبناء عبد مناف. وهاشم هو سيد بني عبد مناف. وهاشم تزوج عند الأنصار في بني النجار، تزوج امرأة نجارية، وولدت له عبد المطلب، شيبة الحمد. ثم جاء به عمه المطلب إلى مكة، فلما رآه الناس قالوا: «عبد المطلب»، أنا ظنوه عبد المطلب، وإنما هو ابن أخيه هاشم، جاء به من المدينة إلى مكة. وكان شيبة الحمد من أذكى الناس، وكذلك أشرفهم، وكان هو سيد قريش بعد ذلك، صارت السيادة إليه. فهؤلاء أربع: بنو هاشم، وبنو المطلب. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إليه ورقة بن نوفل وجبير بن مطعم، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: «يا رسول الله»، كما جاء في صحيح مسلم: «إنك تعطي بني عبد المطلب، ونحن وهم شيء واحد، أنهم أبناء عمك، ونحن أبناء عمك». أن إذا كان تعطي بني عبد المطلب، فلماذا لا تعطينا؟ لأنه عثمان من عبد شمس، أنا من بني أمية من عبد شمس، وجبير بن مطعم من بني نوفل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما بني المطلب وبني هاشم شيء واحد، إنما بني المطلب وبني هاشم شيء واحد، لم يفارقونا في إسلام، وفي جاهلية، ولا إسلام، لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام». أنا حتى أن بني المطلب دخلوا الشعب مع رسول الله، لما دخلوا بني هاشم دخلوا معهم، بني المطلب دخلوا معهم الشعب، مع أنهم كفار، بعضهم كفار لم يسلموا. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم مكرمًا لهم، جعل لهم من الخمس. فقال: «يا بني عبد المناف، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب»، هنا خص بعمه العباس: «لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقال العلماء: إنه ذكر صفية لأنها كانت مسلمة، وقيل لأنها كانت تحبه أكثر. وإلا فكانت عماته موجودات، عاتكة أيضًا كانت عماته، عاتكة كانت موجودة في ذلك الزمان، وهي التي رأت الرؤيا، والنبي عليه الصلاة والسلام قد هاجر إلى المدينة. فالظاهر ذكرها، خصها بالذكر، إما لأجل إسلامها، لأنها أسلمت قديمًا مع ابنها الزبير بن العوام، حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن صفية. فقال بعض العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم خص صفية لعجل أنها أسلمت، وقيل أنها كانت تحبه أكثر. فقال: «يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا». استدل به بهذا الحديث من يقول: إن نفقة غير الأبناء من الأقارب ليست واجبة. وقد ذكر بعض العلماء كشيخ الإسلام وغيره أن هذا ليس فيه دليل صريح على هذا، لأن المراد أنه كانت فاطمة رضي الله عنها في حوزته وتحته، أنه وهو المسؤول عنها، بخلاف العباس عمه، بخلاف صفية عمته، فهي عندها من يكفلها، فلهذا فليس فيه دليل، بل دليل على أن الأقارب إذا لم يكن لهم من يكفلهم فيجب على من عنده مال أن يكفلهم، كما جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «ابدأ بمن تعول، أمك وأباك، ثم أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك». فذكر الأقارب هنا دليل على أن المرء إذا كان كان له قريب ليس عنده شيء فإنه ينبغي عليه أن يصرف أو أن ينفق عليه، إيجاب النفقة به. قال شيخ الإسلام: وهي رواية عن أحمد، وقول الجمهور على أنه لا يجب، إنما الوجوب على الوالدين، وعلى الزوجة والأبناء. قال: «ويا صفية، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا». وفيه أيضًا كذلك أن النسب لا ينفع للإنسان إذا لم يكن معه إسلام، لا ينفع أحد النسب. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من بعض أهله ممن هو على شرك: «إن بني فلان وفلان»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليسوا بأوليائي». «إن بني فلان وفلان ليسوا لي بأولياء»، وإنما لم يذكرهم الراوي، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكرهم، وهم من، كما جاء في بعض الروايات، من أهله، فقال: «إن بني فلان وفلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله وصالح المؤمنين». ففيه براءة النبي عليه الصلاة والسلام ممن ليس على طريقته وعلى دينه عليه الصلاة والسلام. وأما من كان على دينه وعلى طريقته فإنه من النسب الشريف الذي لا ينقطع حتى يوم القيامة: «كل نسب مقطوع إلا نسبي، نسب النبي عليه الصلاة والسلام». وأما غيرهم فأنسابهم مقطوعة. لكن النسب لا ينفع، ينفع الشخص إلا إذا كان على خير. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.