كتاب التفسير من صحيح البخاري 99

كتاب التفسير من صحيح البخاري 99

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير مفردات سورة النمل: الخبء والصرح والعرش

يستعرض المقطع معاني ألفاظ قرآنية دقيقة في سورة النمل مستنداً إلى أقوال المفسرين كالبخاري وأبي عبيدة، مبيناً أن الخبء هو ما خفي والصرح القصر الممرد. ويوضح أن العرش المقصود هو سرير الملك العظيم الذي تملكه ملكة سبأ.

تفاسير آيات قصة سليمان وبلقيس: الرسالة والردف والقبس

يوضح المقطع معاني ألفاظ وردت في سياق قصة سليمان مع بلقيس كقوله أتوني مسلمين ومعنى الردف والنكير للعرش. ويبين أن العلم الذي أوتي داود وسليمان هو علم النبوة بالوحي مع الإشارة لمنهج البخاري.

ملك سليمان وسخر الجن والريح وقصة الخيل والصلاة

يتناول المقطع عظمة ملك سليمان عليه السلام وما سخر الله له من جن وإنس وريح، مستدلاً بدعائه الشهير. ويسرد قصة اشتغاله بالخيل عن صلاة العصر فذبحها فأبدله الله خيراً منها، واستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه.

ترجمة الراوية نانسي قنقر واستهلال الرواية

يخصص هذا المقطع للتعريف بالراوية نانسي قنقر من خلال ذكر اسمها المتكرر كعنوان للترجمة. يهدف المقطع إلى استهلال الحديث عن سيرتها أو روايتها للحديث النبوي الشريف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة النمل. قال: "الخبء: ما خبأت"، يعني: أن يخرج الخبء في السماوات والأرض. المراد: يخرج الخبء في السماوات والأرض. جاء عن ابن عباس: أنه يعلم كل خفية في السماوات والأرض، أن كل ما يخفى على الناس فهو سبحانه وتعالى يعلمه، سواء كان من الغيث أو من النبات، أو حتى من خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فهو الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، يعلم كل خفية في السماوات والأرض. فقال هنا: "الخبء ما خبأت". وهذا كما ذكرنا، المؤلف رحمه الله الإمام البخاري دائماً يذكر ما ذكره أبو عبيدة معمر بن مثنى في كتابه "مجاز القرآن". وقوله: "لا قبل لهم"، لا قبل: أي لا طاقة. "أنا لا قبل لهم"، أي: لا طاقة لهم. "أنا قال: ارجعوا إليهم، فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها"، أي: لا يستطيعون ردها لقوة هذه الجيوش، فلا طاقة لهم أن يقفوا أمام هذه الجيوش العظيمة التي كانت مع نبي الله سليمان عليه السلام. قال رحمه الله: "والصرح: كل ملاط اتخذ من القوارير". والصرح: القصر، وجمعه صروح. "الصرح: كل ملاط اتخذ من القوارير". وهنا قيل: "ملاط" بالميم، والمراد بالملاط هنا: قيل إنه المراد به الطين، معنى الممسوح، أو الطين الذي يمسك به البناء. وقيل: إنه ما كسيت به الأرض من حجارة أو رخام أو كلس. معنى يقال بالميم، ويقال بالملاط: ملاط وبلاط. ولهذا جاء في كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، كما ذكر الحافظ، أنها بالباء. قال أبو عبيدة: "الصرح: كل بلاط اتخذ من قوارير". الله أعلم هل الميم هنا صحيحة أم لا؟ قد يقال: ملاط، بلاط، وبلاط. والملاط كما قلنا: هو الأرض المكسية، سواء كانت برخام أو بغيره، ما نسميه بلاط الآن، المراد: تسوية الأرض حتى تصير كالحجرة. فقال: "قيل لها: ادخلي الصرح". فهنا الصرح والبلاط: هذا معنى مكان مسوّى بالقوارير، بدل مثلاً الطين، سوّي بالقوارير، وضعت الطين ثم وضعت فوقه القوارير حتى صارت مثل المرآة. "قيل لها: ادخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، قال: إنه صرح ممرد من قوارير". "لجة": أي مثل البحر. معنى "حسبته لجة": حسبته ماءً، فلما ظنت أنه ماء رفعت، كشفت عن ساقيها، رفعت رجليها حتى لا يقع بظنها ثوبها على الماء. "وكشفت عن ساقيها"، وكذا في الإسرائيليات. فهذا لا حاجة له، والإسرائيليات غالباً بعضها صحيح وبعضها لا يصح، لأنها غالباً بدون أسانيد. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". لكن بعض الأشياء التي لا تنفع في معنى في دين ولا دنيا لا داعي لها. قال هنا: "والصرح: القصر، وجمعه صروح". وقال ابن عباس: "ولها عرش"، أي: سرير. العرش هو سرير الملك. وجاء في رواية أنه قال: "لها عرش: سرير كريم، حسن الصنعة، وغلاء الثمن". عنه: "أن لها عرشاً عظيماً"، كما قال الهدهد: "ولها عرش عظيم". معنى وصفه بالعظمة: إما لكبره، وإما لجماله. فهذا السرير الذي تملكه هذه المرأة، ملكة اليمن، والذي جاء في الإسرائيليات أن اسمها بلقيس، فلها عرش عظيم. كانت في معنى سريرها الذي تجلس عليه، أو المراد: القصر كله. المراد بالعرش هنا: القصر الذي تسكنه. وجاء عن ابن عباس أنه قال: "كان من ذهب، وقوائمه من جوهر ولؤلؤ"، أي: هذا السرير. "قال: مسلمين طائعين، يأتوني مسلمين"، أي: طائعين. وهذا أيضاً جاء عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة. فربنا جل وعلا ذكر عن نبي الله سليمان لما جاءه الهدهد، وذكر له عن هذه المملكة، وأن عرشها عظيم، وأنهم يسجدون للشمس من دون الله. فسليمان عليه السلام أرسل إليها، وقال: أرسل إليها رسالة. فلما جاءتها الرسالة استشارت قومها في هذا الرسالة التي جاءت، وأنها: "بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم". وأمر في هذا أن يأتوه مسلمين. قال: "وأتوني مسلمين"، أي: طائعين منقادين. وهذا يدل على أن سليمان قد ثبت ملكه في تلك النواحي. وكان سليمان في الشام، كان في الشام، وقد ملك تلك البقاع. والظاهر أنه لم يمتد ملكه إلى اليمن وإلى الحجاز، لكن ملكه كان في الشام. لأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت للناس عامة". فقد كانت هناك أديان في وقت نبي الله داود وسليمان، فهم كانوا على دين التوراة، معهم كتابهم تابع لكتاب موسى عليه الصلاة والسلام، التوراة. فهم جاءوا بعده، رسل بعده. وقد كان أيضاً اليهود في ذلك، أو أقصد: اليهود أقسام. وكذلك هناك أديان أخرى، ومنهم أديان وثنية ليست من الأديان التي شرعها الله. فمن ذلك كان في اليمن: كانوا يعبدون الشمس، على دين الصابئة الذين كانوا ببابل بالعراق. فلما أرسل إليهم سليمان نبي الله عليه الصلاة والسلام، وأمرهم ودعاهم إلى الله، وأمر أنهم يأتونه طائعين منقادين، جاءته بعدما حول عرشها، جاءته طائعاً منقاداً، ثم أسلمت، أسلمت، أسلمت مع سليمان، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. فقال: "فأمر أن يأتوه مسلمين"، أي: طائعين ومنقادين. قال: "وقوله: رَدِف، أي: اقترب". "عسى أن يكون رَدِف لكم"، أي: اقترب لكم. "عسى أن يكون رَدِف لكم بعض الذي تستعجلون". والمراد: أي أنه اقترب لكم عذاب الله جل وعلا. وقال: "وإذا صَحَّ معنا هنا قال: رَدِف، أي: اقترب". قال: "وجامدة: أي قائمة". "جامدة: أي قائمة". وأيضاً هذا جاء عن ابن عباس كما ذكره الحافظ. وقوله: "أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ"، "أَوْزِعْنِي": أي: جعلني. "أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ"، أي: جعلني أشكر نعمتك علي. وقوله: "نَكَّرُوا لَهَا عَرْشَهَا"، أي: غيَّروه. قال: "غَيَّرُوا". "نَكَّرُوا لَهَا عَرْشَهَا"، أي: غيَّروا لها عرشها. وكما قلنا: أن الإمام البخاري لا يلتزم الترتيب، لا يلتزم الترتيب في الكلمات، وإنما يأتي بكلمة من هنا، كلمة من بداية السورة، كلمة من نهايتها، كلمة من وسطها. ولهذا هنا قال: "والقَبَس: أي ما اقتبست منه النار". ومعنا القَبَس في بداية السورة، فجعله هنا: "القَبَس: آتيكم بقَبَس". فالقَبَس هو ما أخذ من النار، شعلة من النار. قال: "وقوله: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ"، أي: قول داود وسليمان. "وَأُوتِينَا الْعِلْمَ"، معناه: أن الله عز وجل أتانا علماً مما علمنا الله عز وجل. والمراد: هو علم النبوة. المراد به: علم النبوة. أتاهم الله عز وجل من هذا العلم، علمهم بواسطة الوحي. وبعضهم ذكر أن هذا القول ليس قول سليمان، وإنما هو قول بلقيس، أو قول هذه الملكة، ملكة اليمن، التي تسمى بلقيس، أنها قالت: "وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ". لكن قول: "وَكُنَّا مُسْلِمِينَ" يدل على أن القائل هو سليمان عليه السلام، أن الذي قال هذه المقالة هو سليمان، كما قال ابن عباس. قالوا: قوله: "الصرح: قيل لها ادخلي الصرح، قال: بركة ماء، ضرب عليها، ضرب عليها سليمان قوارير، وألبسها إياه". "أنا بركة ماء، أنا بركة ماء، ألبسها قوارير". قد يكون وضع لها طيناً ثم وضع هذه القوارير، لأن غالباً القوارير لا تمسك في الماء. فقد يكون أنه وضع في الماء طيناً، أو أنه أملأ هذه القوارير ماءً حتى صارت طافية. لكن إذا كان الماء موجوداً ما ستستقر. وذكر هنا أشياء الحافظ عن ما حصل لهذه المالكة اليمن، بلقيس، ولما دخلت في هذا الصرح. وخلاصة هذا ما ذكره هنا إنما لأجل المعاني التي ذكرها، لما البخاري رحمه الله. وقصة نبي الله سليمان مع مالكة بلقيس فيها عبر وفوائد كثيرة: منها أن الله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا ويسخر لهم. وكذلك منها ما كان عليه نبي الله سليمان من الملك العظيم الذي جعله الله عز وجل، حتى قهر جميع أهل الأرض أو أكثرهم، وكان يعرف بذلك الجيش العظيم، ولقوله: "لَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا". وهذا لدعائه عليه السلام، لما قال: "رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ". فجعل له ربنا جل وعلا الريح، سخرنا له الريح تجري بأمره رُخَاء حيث أصاب، والشياطين: كل بناء وغواص، فوق الأرض ومن تحت الأرض، أي: من تحت الماء يغوصون ويأتون له باللؤلؤ والمرجان وغيرها. فسخر الله عز وجل له الشياطين. ولهذا لما جاء الشيطان إلى النبي عليه الصلاة والسلام لأجل أن يشغله في الصلاة، وجاء بشعلة من النار، حتى رجع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم تقدم وأخذه بحلقه أو بحنجرته، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لحتى وجدت برد لسانه". ثم قال عليه الصلاة والسلام: "ولولا دعوة أخي سليمان لجعلته مربوطاً يلعب به صبيان المدينة". "أنا لربطه في سارية من سواري المسجد يلعب به ولدان المدينة". وقال: "لولا دعوة أخي سليمان"، وهي قوله: "رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي". فسخر له الشياطين تخدمه، جعل له الشياطين تخدمه. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال هذا، قال: "لولا دعوة أخي سليمان". فجعل الله عز وجل له هذا الملك الذي لم يعطَ لأحد قبله ولا بعده، إلى الآن لم يعطَ أحد مثل نبي الله عز وجل سليمان، أنه سخر له الإنس والجن والطير والحيوانات كلها، سخرها له يخدمون عنده. وهذا ملك عظيم. وقال: "بعضه العلم"، وهذا بسبب أنه ترك أحب الأشياء إليه لأجل الله، وهو الخيل. كان يحب الخيل ويحب أيضاً سباقها وكذا. فلما ألهته عن صلاة العصر، فإنه ذبحها، فطفق مسحاً بالسوق والأعناق. فأبدله الله عز وجل خيراً منها. "أنا كان يحب ركوب الخيل وجريها، فسخر الله عز وجل له الريح تجري بأمره رُخَاء حيث أصاب، المكان الذي يريده تذهب به هذه الريح". فهذا ما يذكر، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر