الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 38، ألقاها
يشرح هذا الفصل معنى القدرة الإلهية وعلاقة الله بخلقه، ويبين أن الله متصف بصفاته أزلًا وأبدًا. كما ينتقد آراء الجهمية والمعتزلة الذين يعتقدون أن الله اكتسب صفاته بعد خلق الكون.
يتناول هذا الفصل تفسير الآية الكريمة ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، حيث يشرح اختلاف المعتزلة وأهل السنة في فهمها، ويوضح أن أهل السنة يرون أن الله قادر على كل شيء ممكن الوجود.
يناقش هذا الفصل مفهوم الإيمان بربوبية الله تعالى وتنزيهه عن الشبيه والتمثيل، ويبين أن نفي الصفات عن الله يعتبر كفرًا، بينما إثبات الصفات له دون تشبيه بخلقه هو التوحيد الصحيح.
يشرح هذا الفصل المثل الأعلى لله تعالى وأهمية العلم والمعرفة القائمة بقلوب العابدين والذاكرين، ويتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: قوله ذلك بعد قوله ما تقدم له معنى الربوبية ولا مربوب، معنى الخالق ولا مخلوق. وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا استحق هذا الاسم قبل أحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، وذلك كالتعليل لما تقدم. ذلك بأنه على كل شيء قدير، وأنه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير، أي كل ما سواه افتقر إلى الله جل وعلا افتقارًا ذاتيًا، والله جل وعلا على كل شيء قدير، والله جل وعلا غني غنى ذاتيًا. قال: وكل أمر عليه يسير، بمعنى أن الله جل وعلا إذا شاء شيئًا كان، لا مانع لحكمه ولا لآمره سبحانه وتعالى. قال: لا يحتاج إلى شيء، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال الشارح رحمه الله: ذلك إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه، كما تقدم أن الله جل وعلا متصف بصفاته أزلًا وأبدًا، سواء كانت صفات ذاتية أو كانت صفات فعلية؛ لأن الصفة تابعة للموصوف، أزلية بأزليته وأبدية بأبديته، ودائمًا بدوامه. قال رحمه الله: إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه، بمعنى أنه لا يقال كما تقول الجهمية والمعتزلة ومن شاكلهم: بأن الله جل وعلا صار متسمًا بأسماء بعد أن لم يكن، ومتصفًا بصفات بعد أن لم يكن، بمعنى أنه إنما اكتسب تلك الأسماء واكتسب الوصف بتلك الصفات بعد أن خلق وأوجد ما يناسب تلك الصفات وتلك الأسماء، وهذا قول باطل، بين أن الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أزلي سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: والكلام على كل، أي في قوله: «ذلك بأنه على كل شيء قدير»، قال: والكلام على كل، أي على لفظة «كل»، وشمولها، وشمول كل ما في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن، يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى. ومعنى ذلك أن لفظة «كل» تأتي أو عمومها يكون بحسب سياقها وتركيبها. قوله رحمه الله: وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فقالوا: إنه قادر على كل شيء، إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم، وتنازعوا: هل يقدر على مثلها أم لا؟ ولو كان المعنى على ما قالوا، فكان هذا بمنزلة أن يقال: هو عالم بكل ما يعلمه، وخالق لكل ما يخلقه، ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها. أما أهل السنة فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا. وأما المحال لذاته، مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا في حال واحدة، فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء. قال رحمه الله تعالى: وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، بناء على معتقدهم الفاسد في باب القضاء والقدر، وفي باب أفعال العباد. لقد اعتقدوا أن الله جل وعلا ليس له قدرة على أفعال العباد، وذلك أن الله جل وعلا لو كان له قدرة على أفعال العباد، فأعان الكافر على كفره والظالم على ظلمه والعاصي على معصيته، ثم عذبه بسبب تلك المعاصي، قالوا: يلزم أن يكون الله جل وعلا ظالمًا. قال رحمه الله تعالى: وأما أهل السنة فعندهم أن الله على كل شيء قدير، أي أن الآية على بابها وعلى عمومها وإطلاقها. قال رحمه الله: وكل ممكن فهو مندرج في هذا. وتأمل إلى قوله: «ممكن»؛ لأن الممكن ما يمكن وجوده وعدمه، فإذا قدرة الله جل وعلا إنما هي متعلقة بالممكنات، متعلقة بالممكنات، وليست متعلقة لا بالواجبات ولا بالمستحيلات. قال رحمه الله: وأما المحال لذاته، المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا في حال واحدة، فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء. قال: ومن هذا الباب خلق مثل نفسه، وإعدام نفسه، وأمثال ذلك من المحال. قوله رحمه الله تعالى: وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة؛ فإنه لا يؤمن بأن رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير. قال رحمه الله تعالى: وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن، هل هو شيء؟ المعدوم الممكن، أي الشيء الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قبل وجوده، هل هو شيء أم لا؟ التحقيق أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، ويكتبه قبل أن يكون. قوله رحمه الله: وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على المشبهة، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة. وهو سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه. قال رحمه الله: ولا تنفي عن الله ما وصف به نفسه، وما وصفه به أعرف الخلق بربه، وما يجب له، وما يمتنع عليه. فإنك إن نفيت شيئًا من ذلك كنت كافرًا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وإذا وصفته بما وصف به نفسه، فلا تشبيه بخلقه؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. قال فضل: وهذا الأثر رويناه بأصح إسناد إلى نعيم بن حماد. قال: ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه. وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه له المثل الأعلى، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: فجعل سبحانه مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال لأعدائه المشركين، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمال كله لله وحده. فمن سلب صفة الكمال عن الله تعالى فقد جعل له مثل السوء، ونفى عنه ما وصف به نفسه من المثل الأعلى. قال رحمه الله: ونفي عنه ما وصف به نفسه من المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية. وفي هذا إشارة إلى أن المعاني السلبية المحضة ليست فيها كمال. قال: ولما كانت صفات الرب سبحانه وتعالى أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى. وهذه قاعدة في القواعد المثلى: أن الموصوف كلما كثرت صفاته وتنوعت، كلما دل على كماله. قال رحمه الله تعالى: والكلام في المثل الأعلى، فقال: المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ووجودها العلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب تعالى بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.