الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع حديث «الجمعة على من أواه الليل إلى أهله» ويبين ضعف إسناده برواة متهمين وضعفاء، مما دفع الإمام أحمد للغضب وتكذيب الحديث. ويخلص إلى أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يحدد مسافة وجوب الجمعة، بينما قدر أحمد والشافعي مسافة سماع الأذان بفرسخ واحد.
يناقش المقطع تقدير مسافة وجوب الجمعة ويرجح أنها نصف يوم مسير، ثم يستعرض أقوال الأئمة في عدم الاحتجاج بحديث الضعيف في الأحكام الشرعية مع الترخيص في روايته في الرقائق والمواعظ. مستدلاً بأقوال سفيان الثوري وابن المبارك وابن معين وأحمد بن حنبل.
يناقش المقطع آراء العلماء في جواز العمل بالحديث الضعيف في أبواب الترغيب والترهيب بشرط عدم شدة ضعفه وخلوه من الكذب، مع ذكر خلاف الإمام مسلم في التشديد. وانتقاد بعض الأحاديث الموضوعة التي أُدرجت في كتب الفضائل، وترجيح المعاصرين للاكتفاء بالحديث الصحيح.
يتناول المقطع اختلاف منهج العلماء كابن عثيمين والألباني ومقبل في التعامل مع الأحاديث الضعيفة، حيث يشدد الألباني ومقبل على الأخذ بالصحيح فقط. بينما قد يتساهل ابن عثيمين أحياناً، ويشير الترمذي إلى أن الأئمة رووا عن الضعفاء مع بيان أحوالهم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله: قال أبو عيسى رحمه الله وتعالى: سمعت أحمد بن حسن وهو المملي هذا يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا من تجب عليه الجمعة، فذكر فيه عن بعض أهل العلم من التابعين وغيره، فقلت: فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث. فقال: عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ قلت: نعم. فاستغرب الإمام أحمد أنه عن النبي، قلت: نعم. حدثنا حجاج بن نصير، قال: أخبرنا المعارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الجمعة على من أواه الليل إلى أهله». قال: فغضب أحمد، وقال: استغفر ربك، استغفر ربك مرتين. قال أبو عيسى: إنما فعل أحمد هذا لأنه لم يصدق هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام لضعف إسناده، ولأنه لا يعرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والحجاج بن نصير يضعف في الحديث، وعبد الله بن سعيد المقبري وهو الذي يسمى المكبر، أخوه... لا أقصد عبد الله بن سعيد، لا، هذا عبد الله بن سعيد المقبري، هذا ضعفه يحيى بن سعيد القطان جداً في الحديث، كان يهم في الحديث، فالحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فكل من روى عنه حديث ممن يتهم أو يضعف لغفلته أو لكثرة خطأه، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه، فلا يحتج به. لهذا ذكر أن الذي يستشهد بحديثه هو الذي لا يكون شديد الضعف، ليس بالمتهم ولا شديد الغفلة. قالوا: هذه الحكاية عن أحمد بن الحسن عن أحمد بن حنبل قد ذكرها الترمذي أيضاً في كتاب الجمعة، وسبق ذكر هذا الحديث هناك وبيان ضعفه، وفيه ثلاثة من الضعفاء: حجاج بن نصير الفسطاطي، ومعارك بن عباد، وعبد الله بن سعيد المقبري وهو أبو عباد، وقد سبق ذكره، وذكر حجاج أيضاً ومعارك في الكتاب في غير موضع. قال: وكان الثوري يروي عن أبي عباد هذا، يقول: استبان لي كذبه في مجلس، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وقال يحيى بن معين: لا يكتب حديثه، وقال البخاري: تركوه. وإخلاص الكلام أن هذا الحديث لا يصح، ولم يصح شيء في هذا الباب إلا ما جاء كما ذكر عن التابعين وغيرهم، أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصح فيه شيء. وقول الإمام أحمد: أنه ما كان بمسافة فرسخ... أنا ما كان بمسافة فرسخ، فإنه يجب عليه الجمعة، أو هذا قول الشافعي. أقصد: وقول أحمد أنه من سمع النداء يجب عليه، وقدره بعض العلم وهذا أيضاً تقدير الشافعي، أنه قدر سماع الأذان بفرسخ، بمعنى مقدار الأصوات، فإنه يسمع من فرسخ. الفرسخ بمعنى الظاهر خمسة كيلو، لأن الفرسخ الواحد ثلاثة أميال، تقريباً خمسة كيلو. خمسة كيلو سيسمع الإنسان مثلاً في أذان الفجر، وكذا أذان الفجر ممكن، لكن الظهر، كما هو الضخم، لكن الآن صعب. الآن حكم الإزعاج الذي يكون في الشوارع، وغالباً ما سيسمع الآن. لو طلع حكم المباني هذه، وكذا لو طلع مثلاً فوق السطح، ما بيسمع، ولا من كان قرب المسجد. الحكم الآن على المسافات، أنا مسافات، أنا من الذي يجب عليه هذا، أقل تقدير، أقل، أقل، هذا بعضهم قال بهذا الحديث: «الجمعة لمن أواه الليل إلى أهله»، لكن هذا ما هو صحيح. هذه مسافة ستكون بعيدة، يعني إذا جاء من بعد الجمعة يأوي إلى الليل يكون عند أهله، أنا مسافة نصف يوم، أنا أكثر من خمسة كيلو، أنا أكثر من... مشياً مشياً الآن إلى المستشفى كم؟ ثلاثة كيلو؟ بعد عدم كيلو مثلاً، الآن لو واحد مشى إلى المستشفى ممكن يصل نصف ساعة أو ساعة، لا، أربع بالكثير ما بيزيد على الساعة، يعني ممكن تكون ساعة ونصف، خمسة كيلو، لكن هذا نصف يوم كامل. طيب، قال: قال: أما ما ذكره الترمذي أن الحديث ذا انفرد به من هو متهم بالكذب، أو من هو ضعيف في الحديث لغفلته وكثرة خطئه، ولم يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه، فإنه لا يحتج به. فمراده أنه لا يحتج به في الأحكام الشرعية والأمور العلمية العملية، وإن كان قد يروى حديث بعض هؤلاء في الرقائق والترغيب والترهيب، فقد رخص كثير من الأئمة في رواية الأحاديث الرقاق ونحوها عن الضعفاء، منهم ابن مهدي وأحمد بن حنبل. أقول للمرود أن الإنسان الذي هو لين في الحفظ وكذا لا يقبل منه ما كان في الحلال والحرام، وإنما قد يقبل منه ما كان دون ذلك، معناه في الترغيب وغيره. قال: رواد بن الجراح، سمعت سفيان الثوري يقول: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ. أنا في حديث الحلال والحرام يحتاج إلى تشديد لأن الأمر دين، أما الترغيب فهو قد جاء مثله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، قال: أخبرنا عبد الله بن سليمان، قال: قيل لابن المبارك: ووعظ الرجل حديثاً، فقيل: هذا رجل ضعيف، فقال: يحتمل أن يروى عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء. قلت لعبد الله: مثل أي شيء كان؟ قال: في أدب، في موعظة، في زهد. وقال ابن معين في موسى بن عبيدة، أو ابن عبيدة الربذي، له المشهور عبيدة، موسى بن عبيدة الربذي: يكتب من حديثه الرقائق. وسيأتي أيضاً أن الإمام أحمد لما سئل عن موسى بن عبيدة قال: لا بأس به في الترغيب والترهيب، أما إذا جاء الحلال الحرام فأرد، أو نريد رجالاً هكذا، أنا شداد، قال: أنه رفع إبهام. طيب، قال ابن معين: لا تسمعوا منه ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره. وقال أحمد في المسند: يحتج عنه بالمغازي وشبهها. وقال ابن معين في زياد البكاء: لا بأس به في المغازي، أما في غيرها فلا، وإنما يروى في الترهيب والترغيب والزهد، ولا يضبط حديثه للغفلة، الذين لا يتهمون بالكذب، فأما أهل التهمة فيطرحوا حديثهم،كذا قال ابن أبي حاتم وغيره. أنا الآن يقول: أن في الترغيب والترهيب ممكن يتساهل الإنسان، إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا، وإذا جاء الحلال الحرام شددنا، كما قال عبد الرحمن بن مهدي وأحمد. وهنا الترمذي يريد أن يبين أن من كان متهماً بالكذب، وكذلك لم يكن شديد الغفلة، فلا بأس أن يؤخذ حديثه في الترغيب والترهيب لأن ضعفه يسير، ومشى على ذلك جماعة من أهل العلم. ومن هذا أيضاً الباب: أخذ بعض العلماء أنه يصح العمل بالحديث الضعيف بشروط، أن يكون في الترغيب والترهيب، وأن يكون ضعفه غير شديد، وأن لا يعتقد بالعمل به أنه ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وغيرها من هذه الشروط. لكن تجد كل من يقول مثل هذا، أو أكثر من يقول هذا، لا يلتزم بالشروط،حياناً يكون حديث ضعيف جداً، بل بعضه مكذوب موضوع، فيجعلونه في الفضائل، مثل ما ذكر النووي مثلاً في الأذكار: حديث «من أحيا ليلة العيدين نار الله وجهه...» وكذا «أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب»، وهذا الحديث ضعيف جداً، بل فيه عمرو بن خالد الواسطي أو عمرو بن هارون، وكلاهما كذاب، فكيف يعمل بمثل هذه الأحاديث؟ قال: ظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام، وهذا يدل أيضاً على أن في المسألة خلاف، فمسلم شدد في هذا الباب، والذين حملوا كلام مسلم، حملوا كلام العلماء المتقدمين على من كان مقبولاً، ما تكون عنده غفلة أو لين حديث وكذا، فحملوه مثل على رواية عطاء بن مسلم الخرساني، فعطاء ثقة إلا أن حصل له اختلاط، فذكروا أيضاً عوف الأعرابي، وقارنوا بين رواية الثقاة الكبار وبين رواية هؤلاء، فأرادوا يقولوا: مثل هؤلاء لا بأس أن يمشَى حديثهم، وهؤلاء غالب أحاديثهم في الصحيحين، في البخاري ومسلم، ولم يضعفوا، وإنما حصل منهم بعض... مثل عطاء هذا حصل فيه اختلاف، وعوف الأعرابي كان ثقة لكنه فيه شيء فقط من الوهم عنده، أوهام يسيرة لا تنزله إلى عدم الحفظ. اختار جماعة من المعاصرين ما ذكره مسلم، وكذلك أيضاً من العلماء ابن العربي، أيضاً يقول: أن في العمل بالحديث الصحيح غني عن الضعيف، والعمل بالحديث الصحيح غني عن الضعيف. والظاهر أنه أيضاً ألف بعض أهل الحديث، ظهر كأنه الكتاني، ألف كتاب في هذه المسألة أو جزء ألفه في هذه المسألة. وأكثر المعاصرين من علمائنا الآن كالشيخ الألباني، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين... لا، الشيخ ابن عثيمين ممكن لأنه ذكر في شرح المصطلح هذا على أنه مقرب، لكن في السيرة العملية التي له غالباً ما يأخذ بلا حاجة ضعيف، والشيخ الألباني صرح في أكثر من كتاب يدين منه في أنه لا يأخذ إلا الصحيح، وكذلك كان شيخنا مقبل، رحمهم الله أجمعين. قال الترمذي: وقد روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء، وبينوا أحوالهم للناس. طيب، من شاء الله، لعلنا هذا نتركه في درس ترجمة النسائي.