شرح أسماء الله الحسنى 19

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله الجبار ودلالته

اسم الله الجبار له معان متعددة تشمل الجبر والقهر والعلو، ويجبر الضعيف ويرأف بعباده المؤمنين. ولا ينبغي للمخلوق الاتصاف بصفة القهر والكبرياء.

تحذير الإسلام من التكبر وآثاره

يتناول تحذير الإسلام من التكبر والجبروت، مستشهدا بأحاديث وآيات توعّد الله فيها المتكبرين بالعذاب. ومن مقتضى الإيمان باسم الله الجبار أن يتصف العبد بالتواضع والرحمة.

عاقبة الجبابرة والمتكبرين في التاريخ

يذكر أمثلة من التاريخ الإسلامي للجبابرة والمتكبرين وكيف أهلكهم الله، ويشير إلى ضعف الإنسان أمام قدرة الله تعالى. كما يبين ذم التكبر والجبروت عند الله وعند خلقه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فمن الأسماء الحسنى التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى: الجبار. فالجبار من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في موضع واحد في كتاب الله جل وعلا في سورة الحشر، قال جل وعلا: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون﴾. ومعنى الجبار ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى للجبار ثلاثة معاني، وزاد السعدي رحمه الله معنى رابعا. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: وكذلك الجبار من أوصافه ... والجبر في أوصافه نوعان جبر الضعيف وكل قلب قد غدا ... ذا كسرة فالجبر منه داني والثاني جبر القهر بالعز الذي ... لا ينبغي لسواه من إنساني وله مسمى ثالث وهو العلو ... فليس يدنو منه من إنساني من قولهم جبارة للنخلة العليا ... التي فاتت لكل بناني فذكر رحمه الله تعالى باسم الله الجبار هذه الثلاثة المعاني. فمن معاني اسم الله الجبار أنه الجبار بمعنى ذي الجبر، وبمعنى القهار، وبمعنى العلي. فهذه ثلاث معاني باسم الله الجبار. وذكر ابن سعد رحمه الله هذه المعاني الثلاثة وزاد قال: وقد يضاف التكبر، التكبر بمعنى أو المتكبر، المتكبر من معاني اسم الله الجبار المتكبر، أي المتكبر عن كل نغص وعن كل مماثلة بخلقه، وعن الكفو والسمي والنظير. فبهذا تبين أن اسم الله الجبار يتضمن هذه المعاني: الجبر، والقهر، والعلو، والتكبر. والجبر بمعنى أنه جل وعلا يجبر الضعيف، جبار يجبر الضعيف والكسير والفقير، ويجبر كذلك العسير فيسر عليه سبحانه وتعالى. وهناك جبر خاص جعله جل وعلا لأوليائه المؤمنين، بجبر قلوبهم بتثبيتها على الحق، وإلهامهم العلم الحق والعلم الصواب والهدى. قال: جبر الضعيف وكل قلب قد غدا ذا كسرة فالجبر منه داني، يعني أقرب جبر الله جل وعلا من عباده المؤمنين أقرب من غيرهم، فيجبر قلوبهم سبحانه وتعالى. فهذا من معاني اسم الله الجبار وهو الجبر، فمنه جبر عام ومنه جبر أخص. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ربه جل وعلا بطلب هذا الجبر الخاص، وأسعد أمته إلى أن يدعو ربهم سبحانه وتعالى بين السجدتين بقولهم: «اللهم اغفرني وارحمني واجبرني واهدني وارزقني»، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند الترمذي وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فالجبار بمعنى القهار هو الجبار بمعنى ذي الجبروت، الجبار ذي الجبروت القادر ذي الجبروت بمعنى القهار. وهكذا المتكبر، وهكذا المتعال سبحانه وتعالى. وهذا الوصف الوصف الأول الذي هو الجبر، فالله سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يتصف به. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الجبار أن يسعى العبد في تحصيل هذه الأوصاف التي يفرح الله سبحانه وتعالى من عباده أن يتصف بها، بل أمرهم بذلك. لأن معنى الجبر بمعنى الرأفة والرحمة، فالله سبحانه وتعالى يجبر عباده، يجبر عباده أن يرأف بهم ويرحمهم سبحانه وتعالى. فلذلك على العبد أن يكون رؤوفا رحيما بعباد الله سبحانه وتعالى، يجبر عباد الله جل وعلا، وعلى الإيمان أن يجبر بعضهم بعضا بأن يرأف بعضهم ببعض وأن يرحم بعضهم بعضا. فالله سبحانه وتعالى يحب ذلك من عباده، ولذلك أثنى على أنبيائه في كتابه الكريم لاتصافهم بهذا الوصف. قال جل وعلا في نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. وقال عليه الصلاة والسلام في بيان رحمته الخاصة عليه الصلاة والسلام بالمؤمنين: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾. فأثنى الله سبحانه وتعالى على نبيه، وهكذا وصف أتباع نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله جل وعلا: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾. فأثنى الله سبحانه وتعالى على عباده الذين يجبرون خلق الله سبحانه وتعالى بالرأفة بهم وبالرحمة بهم. والنصوص كثيرة في فضل التراحم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، يرحموا في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يرحم لا يرحم». وهكذا. وأما الجبار بمعنى ذي الجبروت والقهر والكبرياء والعلو، فهذا الله سبحانه وتعالى لا يحب من عباده أن يتصفوا بذلك، بل توعدهم ونهاهم على ذلك. فالله جل وعلا توعد من نازعه توعد الله سبحانه وتعالى من نازعه في الاتصاف بهذه الصفات: القهر والكبرياء والتعالي. لماذا؟ لأن المخلوق لا يليق به أن يتصف بهذه الصفات، صفات الجبروت من القهر والتعالي والكبر. ولذلك ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقول: العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما فقد عذبته». فبين عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي أن الله جل وعلا يتوعد من ينازعه في الكبرياء وفي العز. وهكذا في القهر، لأن هذا لا يصلح إلا لله سبحانه وتعالى. ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يثني على ربه جل وعلا بهذه الأوصاف العظيمة. فجاء في المسند وفي السنن من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال: صليت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ذات ليلة، فقرأ بالبقرة، ما مر بآية رحمة إلا وقف وسأل، وما مر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، قال: ثم ركع، ثم ركع بقدر قيامه، قال: فقال عليه الصلاة والسلام: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». فالجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة من أوصاف الله سبحانه وتعالى التي لا يليق بعباد الله جل وعلا أن يتصفوا بها، بل قد توعدهم الله سبحانه وتعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا: ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾. وقال جل وعلا: ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه العذاب من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ﴾. فتوعد الله سبحانه وتعالى من كان جبارا ومن كان متكبرا. وكذلك أيضا أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيان وعيد المتكبرين المتجبرين. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر كما جاء في حديثة أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عند الإمام مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «احتجت الجنة والنار، احتجت الجنة والنار، فقالت النار: أنا في الجبارون والمتكبرون، أنا في الجبارون والمتكبرون، فقالت الجنة: وأنا في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله جل وعلا بينهما، فقال: إنك الجنة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وقال للنار: إنك النار عذابي، أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة ولكل منكما ملؤها». يعني لكل من الجنة والنار ملؤها من الناس، من يدخلهم الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أوصاف أهل النار، كما في حديث حارثة بن وهب، وهو حديث متفق عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «أهل النار كل جَوَاظ عتل مستكبر، كل جَوَاظ عتل مستكبر». وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال العبد يذهب بنفسه، لا يزال العبد يذهب بنفسه حتى يكتب مع الجبارين، حتى يكتب مع الجبارين، فيصيبه ما أصابهم». والحديث عند الترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى عليه. وهكذا أيضا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «يخرج يوم القيامة عنق من النار، يخرج يوم القيامة عنق من النار، له عينان يبصر بهما، وله أذنان يسمع بهما، وله لسان ينطق به، ثم يقول: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من ادعى مع الله إلها آخر، وبالمصورين». وهذا حديث وعيد في حق من اتصف بالجبروت وبالتكبر، والعياذ بالله. ولأحاديث كثيرة عن نبي عليه الصلاة والسلام في بيان ذم وعيد الجبارين المتكبرين. فلا يجوز للعبد أن يكون جبارا، بل من مقتضى إيمان العبد باسم الله الجبار أن يكون رؤوفا رحيما بعباد الله جل وعلا، كذلك جبيرا لهم، يجبر خواطرهم ويجبر كسرهم ويجبر مريضهم ويجبر كذلك فقيرهم، إلى آخر ذلك مما أمر الشرع بالتعاون فيه والتراحم فيه. ولذلك الله سبحانه وتعالى كذلك نزه عباده المؤمنين، ونزه الأنبياء وأتباع الأنبياء الصادقين في إيمانهم من الاتصاف بهذه الأخلاق الدميمة والأوصاف، أوصاف المتجبرين وأوصاف المتكبرين. قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان نبيه يحيى عليه الصلاة والسلام: ﴿وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا﴾. وقال في عيسى عليه الصلاة والسلام على لسان عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: ﴿وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا﴾. وحكى عن عباد الرحمن الصادقين في إيمانهم، قال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، أي يمشون مشي المتواضعين، لا يتجبرون على خلق الله، ولا يتكبرون، لا في مشيهم ولا في كلامهم ولا في أمورهم كلها، بل هم على تواضع عظيم لعباد الله سبحانه وتعالى. ولذلك أثنى الله سبحانه وتعالى على عباده. ومن مقتضى الإيمان باسم الله سبحانه وتعالى الجبار أن يعتبر العبد بما ذكره الله سبحانه وتعالى به في كتابه الكريم، وعلى لسان أنبيائه ورسله، مما أوقع الله جل وعلا بالجبارين وبالمتكبرين. فهؤلاء الجبابرة الذين تجبروا وتكبروا، كم حكى الله جل وعلا عنهم في كتابه الكريم، وبين عاقبتهم ومآل أمرهم. وهكذا كم قص نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن هؤلاء المتكبرين المتجبرين الذين تجبروا، ماذا كانت نهاية فرعون هذا الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وهذا الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾؟ ماذا كانت نهاية هذا الطاغية وهذا الجبار؟ أهلكه الله سبحانه وتعالى بالغرق وأغرقه. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. فجعلها الله سبحانه وتعالى آية، وجعلها الله سبحانه وتعالى عبرة وعظة للمتعظين وللمعتبرين. وهذا قارون كذلك الذي طغى وتجبر وتكبر، وأنكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه، ماذا كانت نهايته وماذا كان مآله؟ أهلكه الله سبحانه وتعالى وخسف به، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. خسف الله سبحانه وتعالى به، فكان مآله الخسف، العياذ بالله، ليكون عبرة لمن بعده. وهكذا أيضا الله سبحانه وتعالى حكى عن الذي حاج إبراهيم في ربه، قيل هو نمرود بن كنعان الذي حاج إبراهيم في ربه، وأنكر ربوبية الله جل وعلا، بل ادعى في كلامه أنه الذي يخلق مع الله سبحانه وتعالى. أهلكه الله سبحانه وتعالى، وذكر في بعض التفاسير أن موته كان عظيما، يعني كانت موتته فيها العذاب العظيم من الله سبحانه وتعالى، يعذبه عذابا قبل أن يموت. وهكذا أيضا ماذا كانت نهاية أبي جهل، ونهاية شيبة وعتبة ابني ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف؟ كانت نهايتهم أن أهلكهم الله جل وعلا صرعى نتنى في قليب بدر، دعا عليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام حين آذوه أعظم الإيذاء، بل قد جعلوا على ظهره ثلاث جُزُر بني فلان، واعتدوا عليه وأرادوا أن يقتلوه عليه الصلاة والسلام، فدعا عليهم كما في حديث ابن سعود في الصحيح، فكانت نهاية هؤلاء الظالمين الجبابرة أن أهلكهم الله جل وعلا يوم بدر، فكانوا صرعى وكانوا نتنى، وهذه هي عاقبتهم وما آل إليه أمرهم. وهكذا أيضا ربنا سبحانه وتعالى قص علينا أنه سيخرج في آخر الزمان يأجوج ومأجوج، وهؤلاء من الجبابرة الذين يفسدون في الأرض فسادا عظيما، بل يدعون أنهم يقهرون أهل الأرض وأهل السماء، يشربون كل شيء، يأكلون الأخضر واليابس، حتى زعموا أنهم قد قضوا على أهل الأرض وبقي أهل السماء، فيضربون بسهامهم إلى السماء، فتخرج مخضبة بالدماء، ابتلاء واستدراجا، فيقولون: انتصرنا على أهل الأرض وقهرنا أهل السماء. فبينما هم كذلك يرسل ربنا سبحانه وتعالى كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام دودا، دودا عليهم كنغف الجراد أو بهذا المعنى، فتهلكهم هلاكا عظيما، حتى تنتن الأرض بنتنهم وبزهمهم. فهذه عاقبة هؤلاء الجبارين الظلمة. وهكذا أيضا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام خروج الدجال، خروج الدجال، وهو من أعظم الجبابرة، من أعظم الجبابرة الدجال الذي يخرج آخر الزمان، ويدعي الربوبية وأنه رب العالمين، ويفسد فسادا عظيما، الأعور الكذاب، ويهلكه الله سبحانه وتعالى شر هلكة، ويقتل شر قتلة، يقتل على يدي المسيح، على يد المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، يذوب كما جاء بعض الحديث يذوب كذوبان الملح، فيقتله بعد ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام، لا يتركه يموت ذوبانا، لا يقتله يموت ذوبانا، بل يقتله بسيفه عليه الصلاة والسلام، معلنا بذلك نهاية تاريخ الجبابرة، معلنا بذلك نهاية تاريخ الجبابرة الذين يتجبرون في أرض الله سبحانه وتعالى ويتكبرون. وهكذا يأجوج ومأجوج يأتون بعد المسيح، خروج يأجوج ومأجوج يكون بعد المسيح، وهم كذلك من الجبابرة الذين يتجبرون، والذين يفسدون في أرض الله سبحانه وتعالى. فلذلك لنا عبرة ولنا عبرة فيما ذكر ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، ونبينا عليه الصلاة والسلام لنا العبرة شرعا، ولنا العبرة قدرا، بما حصل في واقع الناس وفي واقعنا، لنا العبرة قديما وحديثا ومستقبلا. فسنة الله جل وعلا في عباده المتجبرين المتكبرين، هذه السنة التي لا تخلف، كما توعد الله سبحانه وتعالى هؤلاء. ففي ذلك عبرة وعبرة إن كنا من المتعظين، وإن كنا من المعتبرين. لا يليق بك يا عبد الله أن تكون جبارا، ولا أن تكون متكبرا. فالإنسان ضعيف، والمخلوق ضعيف. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فالمخلوق مهما بلغ من قوة، ومهما بلغت أمواله، ومهما بلغت ممالكه وممتلكاته، فهو ضعيف، عاجز عن رد شيء قليل أخذه أحقر مخلوقات الله جل وعلا، وهو الذباب، إذا أخذ من طيبه، إذا أخذ كذلك من طعامه، إذا أخذ من شرابه، فهو عاجز أن يرد هذا. فكيف يتجبر على الله سبحانه وتعالى؟ وكيف يتكبر على عباد الله سبحانه وتعالى؟ ولذلك ذكروا قصة عظيمة فيها عبرة، قالوا: إن ملكا من الملوك، قد جاء الذباب على أنفه، فكلما ذبه آب، يعني رجع، وكلما ذبه آب، أي رجع، حتى قال هذا الملك: ما فائدة هذا الذباب؟ إيش فائدة هذا الذباب؟ يعني تضجر من هذا الذباب. فأعطاه هذا الذي جالس عنده عبرة، قال: ليرغم أنوف الجبابرة، ليرغم أنوف الجبابرة، هذا الذباب خلق ليرغم أنوف هؤلاء الذين يتجبرون على خلق الله، ولذين يتكبرون على عباد الله. ذكر له شيئا من الحكمة التي خلق الله سبحانه وتعالى الذباب لأجلها. ومن هذه الحكمة أن هذا الذباب يعني يكون على أنوف هؤلاء الملوك وهؤلاء الجبابرة، ليرغم أنوفهم، كما قال، وصدق. نعم، في ذلك. لأن هؤلاء الملوك وهؤلاء الجبابرة مهما بلغت أموالهم، ومهما بلغت متلكاتهم، فإنهم على ضعف عظيم. فلا يليق بهم أن يتجبروا، ولا يتكبروا على خلق الله سبحانه وتعالى. ولذلك إذا نظر الإنسان في واقعه، وفيما سبق، وفيما سيأتي، يعلم سنة الله، سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، في هؤلاء الجبارين المتكبرين. فالجبروت والقهر والكبرياء إنما هي للجبار سبحانه وتعالى، للكبير المتعال، للقهر. وأما أنت ضعيف، فيكفيك أن تتصف بما أدنى الله جل وعلا أن تتصف به من البر والتراحم والتعاطف، وتبتعد عن كل هذه الأوصاف التي لا تليق بك. فكم عذب الله سبحانه وتعالى من الناس يتجبرون في أرض الله سبحانه وتعالى إلى قيام الساعة، وهم العياذ بالله في عذاب مستمر لا ينقطع. ذلك يسخر ويقول مستهزئا للنبي صلى الله عليه وسلم: من ربك؟ وهو من دهب، وهو من حديد، وهو من نحاس، تجبرا وتكبرا، فيرسل الله سبحانه وتعالى الصاعقة فتحرقه. وهكذا آخر يتجبر ويتكبر، فتلفظه الأرض، ولا تقبل حتى الأرض لا تقبل هؤلاء الجبابرة، لا ترضى بأن تحمل على ظهرها هؤلاء الجبابرة والمتكبرين الذين يتكبرون. فعلم أن الجبابرة وأن المتكبرين مذمومون، مذمومون عند سائر خلق الله سبحانه وتعالى، حتى هذه الأرض لا تفرح بهم، بأن يكونوا على ظهرها، ولا تتشرف بأن تحتضنهم في أوساطها، وذلك لقبح صنيعهم ولشناعة ما يفعلونه، وكذلك يتجبرون فيه. نسأل الله سبحانه وتعالى باسمه الجبار أن يجبر قلوبنا، وأن يجبر كسرنا، وأن يجبر مريضنا وفقيرنا. ونسأله سبحانه وتعالى باسمه الجبار ذي الجبروت القهار أن يقينا شرور الجبارين وشرور المتكبرين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا، إنه خير حافظ. صلى الله عليه وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.