شرح كتاب التوحيد 283

شرح كتاب التوحيد 283

الدرس في شرح كتاب التوحيد 283، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

باب ما جاء في كثرة الحلف وتحريمها

يشرح هذا الفصل أهمية تعظيم الله وعدم الإكثار من الحلف، ويبين أن كثرة الحلف ليست من صفات أهل التوحيد. يحذر من كثرة الحلف ويعتبره صفة مذمومة.

تفسير الآية واحفظوا أيمانكم وتوجيهات حول الحلف

يفسر هذا الفصل الآية واحفظوا أيمانكم ويشرح المعاني المختلفة لها، مثل عدم الإكثار من الحلف والوفاء باليمين. يحذر من الحلف بالكذب ويعتبره من المصائب الجلية.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن هذا الفصل دعاء بأن ينفع الله قائل الكلام بما قاله، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، أولا هذا إعلان وتذكير بمحاضرة الليلة، والتي ستقام في هذا الجامع وفي هذه الدار، وذلك للشيخ الفاضل صالح الحدي حفظه الله تعالى ورعاه، والتي ستكون بين مغرب وعشاء، فالحاضر يبلغ الغائب. ومواصلة إخواني في الله فيما نحن فيه، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في كثرة الحلف»، باب المؤلف رحمه الله تعالى، هذا الباب وهي من الأبواب المهمة في هذه الرسالة اللطيفة الجليلة. فقال رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في كثرة الحلف»، أي هذا مدخل في مسائل وأحكام والوعيد، وما يجري مجرى في مسألة كثرة الحلف، الحلف بمعنى الأيمان، بمعنى القسم، بمعنى الأيمان والقسم. وأورد المؤلف رحمه الله تعالى أدل تحت هذا الباب، ومباحث ومسائل سنشير إليها، وأولى المسائل للباب إخواني في الله، أولا أن نشير إلى علاقة هذا الباب بالباب الذي قبله، لنعرف الترابط والتلازم بينها. الباب السابق كان حديثنا حول ما «باب ما جاء في المصورين»، وكانت الكلام حينها في مسألة أن من علل تحريم التصوير أن فيه مضاهة لخلق الله، وهذا كله ليس من التعظيم لجلال الله جل وعلا في أن تنازعه فيما هو من خصائصه سبحانه وتعالى. وهذا الباب كذلكم «باب ما جاء في كثرة الحلف»، سيظهر لنا أن هذا الباب من ابتلي به سيظهر منه عدم التعظيم لجناب الرب عز وجل، إذن سنرى أن هذا الباب مع الباب الذي قبله فيه الإشارة إلى أن من صفات أهل الإسلام أنهم ينبغي أن يعظموا الله، أن يعظموا الله سبحانه وتعالى. فقام المؤلف رحمه الله تعالى بتتابع هذه الأبواب، المسألة الثانية وهي طيب لماذا أدخل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد «باب ما جاء في كثرة الحلف»، قال العلماء أن المسلم الذي يتصف بكمال التوحيد ينبغي أنه ينزه الله جل وعلا من أن يذكره في كل آن وفي كل حين قسما به. فرق بين الذكر وبين القسم، في الذكر أكثر من ذكر الله جل فعلا، لكن في باب الأيمان لا لا يكثر من ذكر الله عز وجل في باب الأيمان، وإنما عليك أن تبتعد قدر الإمكان، ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾، تقسم على الله في كل شيء وعلى أي شيء، كما عمت به البلية في هذه الأزمان، تجد أن الناس لربما أقسموا على الله في اللعب، في الله فيما لا ينبغي أن يعظم فيه الرب سبحانه وتعالى. ولهذا كان من كمال التوحيد لله جل وعلا أن الإنسان يكف عن كثرة القسم، ولا يذكر الله مقسما به إلا في مسائل عظام، وفي أمور جسام، كما سيأتي معنا، فقول رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في كثرة الحلف»، والحلف ها هنا الذي يقصد به اليمين المنعقدة، اليمين المنعقدة هذا الذي ينبغي أنك لا تكثر من الحلف منها. بخلاف ماذا؟ بخلاف اليمين اللغو، اليمين اللغو هذه لا تدخل في حكم الباب على الصحيح، لا تدخل لأن اليمين اللغو هي لا يؤاخذ الله بها، فهي عفو لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، لغو اليمين كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: هو أن يقول الرجل: كلا والله، وبلا والله، كلا والله، بلا والله. وهذا يقع منا أحيانا، أنت تتحدث في كلام عابر فإذ بك تقول: لا والله، بلا والله، لا والله، لو تلاحظ وتعيد العبارة لا والله، عبارة لا والله فيها قسم، لكن هل أنت حقيقة أردت قسم؟ ما أردت القسم هنا، لكن هذا مما درج على اللسان، مما درج على اللسان، هذا في حكم الشرع عفو لا يؤاخذ عليه العبد، حكمه ليس فيه شيء. لكن مع ذلك قال العلماء: ينبغي على الإنسان أن ينزه لسانه، أو يبعد لسانه عن هذا النوع، وإن كان غير مؤاخذ به، لكن أبعده عن لسانك قدر الإمكان، فعندما تتحدث انظر في كل كلمة تنطق بها. إذن هذا الباب ما جاء في كثرة الحلف، أي في كثرة الأيمان المعقود بها، هذا لا ينبغي، وإن من الصفات التي يذم عليها صاحبه أن يكون كثير الحلف، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾، لا تطع كل حلاف، هنا حلاف جاءت ماذا؟ صيغة مبالغة لكثرة من يحلف بالله، هذا أخرى خرج في الآية على صفة الذنب، على صفة القدح، لا تطع كل حلاف مهين، فلا ينبغي للإنسان أن يتلبس بهذه الصفة. ثم أورد المؤلف رحمه الله تعالى الدليل الأول على هذا الباب، قال: «وقوله تعالى: واحفظوا أيمانكم»، هذه الآية يستدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب ما جاء في كثرة الحلف، أن الله عز وجل أمر، ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿واحفظوا﴾، هذا أمر، والأصل في الأوامر أنها تدل على الوجوب. فمن كمال التوحيد الواجب أنك يا عبد الله تحفظ يمينك، وهنا اختلف العلماء في فهم هذه الآية، ما معنى ﴿واحفظوا أيمانكم﴾؟ هذه الآية حملت عند المفسرين على أكثر من تفسير، التفسير الأول: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ بمعنى لا تحلفوا، وهذا الذي نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، لا تحلف، تحاول يا عبد الله على أنك إن تكلمت تتكلم بغير يمين، ولا تحلف، فكن يا عبد الله واثقا، تستخدم المؤكدات التي جاءت تأكيد بها في اللغة العربية، بدخول قد وأحرف التوكيد، إن هذا حاصل، قد حصل هذا، وأنا متأكد من هذا، وسل غيري، ابتعد قدر الإمكان عن القسم، وذلك إجلالا وإعظاما لله سبحانه وتعالى. قال العلماء: إلا إذا كان من حاجة، لا بد من حاجة، كأن تكون في مسائل مهمة، مسائل مهمة لربما كان بها فض النزاع، ولهذا يؤثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يقسم أحيانا، لكن في الأمور الجلية، والذي نفسي بيده، في الأمور الجلية، أو يكون عند القاضي، كون أن القاضي يلزمه تحلف، احلف الآن، وهذا قسم ضروري، فحينها الإنسان في هذا الباب لا بأس عند الضرورة، لكن الأصل ﴿واحفظ أيمانكم﴾ أنك لا تحلف بداءة، هذا الوجه الأول. الوجه الثاني قال العلماء: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي أنك تبر بقسمك، تبر بيمينك، فلا تحنث فيها، أي ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي لا تحنثوا أيمانكم، معنى أنك إذا قمت بالحلف على أمر ما، ما تجدك يا عبد الله بعد أيام تتراجع، وهذا كثير ما يحدث، كثير يسألك السائل: والله أنا يا أخي أنا حلفت على الأمر الفلاني، والآن كيف أفعل؟ أنا ما أدري كيف؟ وأنا تغير رأي، طيب ما الذي أقحمك أصلا في اليمين؟ ما الذي أدخلك في القسم؟ حتى الآن تتراجع وتتلكلك في الإبرار بقسمك. ولهذا الوجه الثاني في فهم الآية: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي أنكم لا تحنثوا من حلف على يمين، فليبر بيمينه، ويمشي عليها، لأنه حلف عليها بالله، فإجلالا لله يبر بقسمه، هذا الصورة الثانية. الصورة الثالثة تدخل معنا في تفسير الآية: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أن من كانت عليه كفارة يمين عليه الإسراع في أن يكفر عن يمينه، يكفر، وهذا الذي اختاره الإمام الطبري رحمه الله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي أنكم كفروا عن أيمانكم، كفروا عنها، وذلك في حق من حنث، بعض الناس لربما يقسم على أشياء، ثم إذ به يحنث، وبعد ذلك ما يبالي، كيف ما يبالي؟ لا عليه كفارة، ولا يتكلم، ما الذي عليه في ذمته؟ وكأنه ما فعل شيء أبدا، ما فعل شيء، والله وبالله كذا، ما تفعل، والله بالله ما أدخل، والله بالله ما أفعل، قسم مغلظ، يمين معقودة، ثم بعد ذلك يغير رأيه ويمشي، تقول له: يا عبد الله، كفارة، ما يبالي بكفارته، هذا دخل في الإثم، دخل في الإثم، الأدلة دال على وجوب الحنث، وبوجوب الكفارة عند الحنث. ويدخل العلماء هذه الآية: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي كفروا عن أيمانكم عند الحنث بها، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وبعض من العلماء من قال أن هذه المعاني الثلاثة تدخل مع بعض، وهي أن الإنسان يحاول في حواراته وخطاباته ومعاملاته مع الناس أن لا يحلف، فإن حلف فليبر بيمينه، يبر بها ويمشي، فإن وجد أن المصلحة في أن يغير عن يمينه، وأن يخرج عنها فليخرج عنها بكفارة يمينه، بهذا تجتمع الأقوال، هذه ثلاثة أقوال قيلت في هذه الآية: ﴿وحفظوا أيمانكم﴾ لا تحلفوا، وحفظوا أيمانكم لا تحنثوا، وحفظوا أيمانكم كفروا عن أيمانكم إذا حنثتم. وهناك وجه رابع أضافوا جماعة من العلماء: ﴿وحفظوا أيمانكم﴾ عن الكذب، فلا تحلف بالله كاذبا، وهذه من المصائب الجلية التي ابتلي بها بعض الناس ممن قل دينه وقل ورعه، لربما إذا ضيق عليه في بعض المسائل خرج منها بالقسم بالله: والله ما فعلت، وهو قد فعل، والله ما قلت، وهو قد قال، والله ما أخذت، وهو قد أخذ، وهكذا، قس، وهذه اليمين، وهذه اليمين الغموس التي تغمص صاحبها في نار جهنم، والعياذ بالله، أنه استهان بجلال الرب فأقسم به كاذبا، هذا مما يدخل في الآية: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي عن الكذب. وخامس كذلكم ما أشار إليه إمام السعدي رحمه الله: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي من كثرتها، وهذا المقصود به من هذا الباب، أي لا تكثر من الحلف بالله، وهذا كما قلنا تجده حتى عند بعض الناس ما يعمل معاملة، وليجلس مجلسا إلا وأكثر فيه من الله وبالله، اعطني هذا القلم يا أخي، بلّه عليك يا أخي، إيش هذا اللي صار؟ أخي بلّه عليك يا أخي، إجلس يا أخي، بلّه عليك يا أخي، ومت رأي أنا أعد معك، بلّه عليك، إيش بلّه عليك هذه؟ أصبحت هكذا؟ بل اذهب إلى دعك منها، ولا واذهب إلى من يلعب الكرة، من يلعب اللعب مع أصحابه: يا أخي اعطينا الكرة بالله عليك، كرة بالله عليك، هاش هذا؟ هل هذا تعظيم لجناب الرب عز وجل أن يقسم به في كل شيء وعلى كل شيء؟ لا، هذا من ضعف الدين، من قلة الورع، من عذب التعظيم لجناب الرب عز وجل. ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ احفظوا اليمين، فلا تجعلها تنزل في كل شيء، إن كان ولابد ففي الأمور العظام، الشاهد إخوانا في الله هذا الدليل الأول الذي استدل به المؤلف رحمه الله تعالى على باب ما جاء في كثرة الحلف، وسأتي معنى أدلة أخرى فيها من هذه المسائل والفوائد الذي ينبغي أن يتنبه عليها كل مسلم ومسلمة، هذا الذي يذكر في هذا المقام. وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.