الدرس في شرح المنظومة البيقونية 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الحديث عن التدليس في رواية الحديث، حيث يُعرَّف تدليس الشيوخ ويُشرح أنه نوع من أنواع التدليس، ويتناول أسبابه وأمثلة عليه.
يتناول المقطع أنواع التدليس المختلفة مثل تدليس الشيوخ وتدليس البلدان وتدليس الصيغ، مع تقديم أمثلة وتوضيح لأسباب ممارسة الرواة لهذه الأنواع.
يشرح المقطع تفاصيل حول تدليس الصيغ وتدليس الشيوخ، حيث يوضح كيفية حدوث كل نوع وأمثلة عليه، ويبين أهمية فهم هذه الأنواع في علم الحديث.
يتناول موضوع الاسماء المجردة ويشرح مفهومها، ويشير إلى مؤلفات العلماء في هذا المجال، ويوضح أن هذا الموضوع قد يخرج عن سياق الحديث الحالي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وما أتى به مدلس النوعان، الأول الإسقاط للشيخ، وأن ينقل عن من فوقه بعن، وأن... والثاني لا يسقطه، لكن يصف أوصافه بما به لا ينعرف. خذنا تدليس التسوية، تدليس الإسناد، وأنواعه، ومنها تدليس التسوية. اليوم إن شاء الله نأخذ تدليس الشيوخ. فقال: والثاني لا يسقطه، لكن يصف أوصافه بما به لا ينعرف. فتدليس الشيوخ المراد به أن يكني الشيخ أو يسميه بما لا يعرف، يكنيه بما لم يشتهر به أو لم يعرف به، أو كذلك يسميه بما لا يعرف به أو لم يشتهر به. مثل ما فعل بعض المحدثين في اسمي محمد بن السايب الكلبي، فأحيانا يسميه حمادا، حماد بن السايب، وإنما اسمه محمد، ولكن يقال أنه لقب له حماد. وأحيانا يسميه أبي السايب، يقول عن أبي السايب، وهو ليس يكنى بأبي السايب، وإنما هو أبو هشام، يكنى بأبي هشام، فيكنيه بغير الكنية التي اشتهر بها. فهذا يسمى تدليس الشيوخ. وقد كان كثير من المدلسين يفعل هذا، بل أحيانا يحصل أن بعض المدلسين يأتي بخطأ، إما أنه يأتي بقبيلة غير صحيحة للراوي، أو أنه يريد أنه جد من أجداده يقال له أسد، يقال له هذا مثلا. مثل ما فعل بقية بن الوليد، كنى عبدالله بن عمر، العمري، كناه بأبي وهب الأسدي، كناه بأبي وهب الأسدي حتى لا يطّلع له. وعبدالله بن عمر، بالعبيد الله بن عمر، ثقة ثبت، لكن هو أراد أن لا يعرف الراوي الذي روى عنه. لو أنه صرح بأن هذا عبيد الله بن عمر، لاكتشفوا أن هذا الراوي مجهول، لأن عبيد الله بن عمر رجل مشهور بالعلم، وأيضا طلبته مشهورون. فقام كناه بأبي وهب الأسدي حتى لا يعرف. فقال: أبو وهب الأسدي. وعبيد الله بن عمر ليس أسديا، وإنما هو من بني عدي، هو يعتبر من أحفاد عمر بن الخطاب. وعمر بن الخطاب ليس أسديا، وإنما هو من بني عدي، فلهذا نسبه إلى الأسدي حتى لا يعرف. فلهذا كما قلنا: أنه أحيانا قد يكون في جده من أجداده أسد، فأدخل الأسد، والله أعلم. وقد يكون أنه ليس أسديا، معناه ليس أسديا، هو من بني عدي. طيب، أيضا بعضهم يفعل هذا الفعل ليس لأجل التمويه، وإنما لأجل التفنن، مثل ما يفعله الخطيب البغدادي، البيهقي، يفعله كثير من المتأخرين من أئمة العلم. ولكن هؤلاء لا يقصدون، ولا يشكون أنهم ما يريدون التدليس، وإنما يريدون فقط التفنن في الأخذ عن المشايخ. مثلا الآن الحاكم، مثلا البيهقي، دائما يقول: حدثني أبو عبد الله الحاكم، فخلاص عرف أنه أبو عبد الله الحاكم. لكن بعض الأئمة لم يشتهر مثلا بكنية، لكن يسميه، يقول مثلا: حدثني أحمد بن عبد الله، وهو يريد من أبو نعيم الأصبهاني، يقول: حدثني أحمد بن عبد الله، أو يقول: حدثني محمد بن عبد الله بن أحمد، ويريد مثلا ابن عبد الدنيا، أو كذا، أو أبو الشيخ. فهؤلاء فهذا من باب فقط التفنن، أو لأجل ذكر اسمه، يعني يذكر اسمه الحقيقي، وإن كان هو مشهور بكنيته، لكن هو ليس لقصد التدليس هنا، وإنما القصد أنه يذكر اسمه الحقيقي حتى يعرف اسمه لأنه شيخه. طيب، فلكن هناك من الرواة، خاصة في زمن الرواية، كانوا يفعلون ذلك تدليسا، يفعلون ذلك تدريسا. قال ابن المبارك كما في مقدمة صحيح مسلم: قال كنا نأتي بقية بن الوليد، بقية بن الوليد، قال: فكان يحدثنا عن أبي سعيد الوحاظي، وما كنا ندري من هذا أبو سعيد الوحاظي. قال: فإذا هو عبد القدوس، عبد القدوس هذا رجل كذاب. لما عرف الناس أنه كذاب، قام بقية بن الوليد وجاء له باسم، بكنية، وأيضا له جعل له قبيلة، قد تكون هذه القبيلة من أجداده، كذا. فقال: حدثني أبو سعيد الوحاظي، حتى ابن المبارك قال: كنا نروي عنه عن هذا الشيخ، ما ندري من هو. لو قال: عبد القدوس، ما رووا عنه، لأن عبد القدوس معروف أنه كذاب. فجاء له بهذه الكنية. وبقية بن الوليد يفعل هذه الأشياء، أنه عنده تدليس سديد. ولهذا قال علي بن مسهر، إمام أهل الشام، قال: وهو حمصي مثل البقية، قال: حديث بقية ليست نقية، فكن عنها عن تقية. هو حافظ، حافظ من حفاظ الحديث، وإذا روى عن أصحابه، بحير بن سعد، وضمر بن حبيب، وكذا، يسند الحديث صحيح. لكن كثير التدليس، كثير التدليس، تلاه الله بالتدليس، فكان يدلس كثيرا، حتى أنه وصل إلى هذا الأمر، أنه يدلس عن الكذابين، وهذا شر التدليس، وهذا غش. لكن تجد أن العلماء لم يطرحوا حديثا إلا فيما دلس فيه، معناه فيما دلس عنه، أما ما حدث فيه بالتصريح، وخاصة حديث أهل بلده، تجد أنه يقبلونه. طيب، الآن هذا هو تدليس الشيوخ، تدليس الشيوخ، معناه يأتي بكنية غير التي عرف بها. هناك أيضا تدليس آخر يشبه تدليس الشيوخ، وهو تدليس البلدان، تدليس البلدان. وهذا يفعله بعض الناس لأجل مثلا لأجل أن يعرف أنه رحل إلى مشايخ كثيرون في تلك البلاد. فبعضهم مثلا يكون في العراق، بعضهم يكون في العراق، ويقول: حدثني فلان فيما وراء النهر. فيما وراء النهر، الأصل أن العرب كانوا يطلقون ما وراء النهر على سيبيريا وما بعدها، سيبيريا والاتحاد السوفيتي والروسيا الآن. معنا يقولون هذا ما وراء النهر، لكن هذا ما يريد ذاك المكان، يريد نهر دجلة في العراق، يقول: حدثني من وراء النهر، معناه في دجلة نفسه وراء دجلة، أو وراء الفرات، فيحسب الحاسب أن الرجل قد سافر إلى تلك الأماكن البعيدة. وقد يكون لأجل التفاخر، وقد يكون لأجل أنه يريد أن يشتهر أنه رجل صاحب رحلة، صاحب حديث، وأنه كان يرحل إلى مثل هذه الأماكن. أيضا كذلك بعضهم يقول: حدثني فلان بصنعاء، وإذا أطلقت صنعاء، فالمراد بها صنعاء اليمن، لكن هناك في الشام صنعاء في الشام، لكن ليست مشهورة. فيقول مثلا: حدثني فلان بصنعاء، وهو يريد صنعاء الشام. أيضا أحيانا مثلا بعض شوارع، مثلا الآن تجد مثلا في كل منطقة يسمى مثلا شارع بغداد، مثلا في صنعاء شارع كبير يسمى شارع بغداد، في عدن كذلك، في المكلا، الشحر، هنا عندنا شارع بغداد. فمثلا يأتي إلى شيخ في شارع بغداد، ويقول: حدثني فلان في بغداد، الناس ببغداد يحسبون أنه في العراق، لكن هو أراد هنا في اليمن في شارع بغداد، أو كذا. فهذا يعتبر من التدليس. وكان بعض أهل الحديث يفعله، أن التدليس يسمونه تدليس الولدان. وهناك أيضا تدليس يسمى تدليس الصيغ، لكن هذا يفعله أكثر شيء أهل الشام، أصحاب الشام يفعلون هذا، تدليس الصيغ. وهذا التدليس يحتاج إلى فهم أكثر. أحيانا الحديث يقول عند الرجل على نوعين، معناه مثلا حديث مرسل، وحديث موصول. معناه نأتي له بالمثال، مثلا كان يروي عن أنس، ثابت البناني، ويروي عن أنس أيضا أبان بن أبي عياش، هذا ثابت ثقة، وأبان ضعيف. فأحيانا معمر، أو سفيان بن عيينة، يكون عنده الحديث من الطريقين، من طريق ثابت، ومن طريق أبان، لكن ثابت أحيان يرسل الحديث، وأبان يجعله عن النبي صلى الله عليه وسلم، معناه عن أنس عن النبي. وثابت يقول عنده الحديث، لكن ما يقول عن أنس، معناه مباشرة يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي مرسل. فيأتي سفيان بن عيينة، أو معمر، فيقول مثلا: حدثنا أبان وثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أبان وثابت، أو يقول: ثابت وأبان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. الآن من الذي ذكر أنس هو أبان، فيوهم الإنسان، ويوهم الشخص الذي يسمعه، كأن ثابت وأبان رووا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إنما الذي روى عنه من أبان فقط، والذي روى عن أنس، أما ثابت فأرسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان سفيان بن عيينة إذا قرنهما معا، وصله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا سئل عن حديث ثابت، أرسله، أنه إذا قيل له: حدثك ثابت بكذا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: لا، ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأحيانا إذا حدث به عن ثابت دون أبان، يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، يرسل. فهذا سماه العلماء تدليس الصيغ، تدليس الصياغ. وهذا أيضا قد كان يفعله كثير من العلماء، بل إن من ما أخذ على حماد بن سلمة، أنه كان يجمع المشايخ، يجمع قتادة، وثابت، وعلي بن زيد، ومحمد بن زياد، ويجعلهم كلهم في حديث واحد. مثلا يقول: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إذا نظر الإنسان في رواية هؤلاء، تجد فيها اختلاف اختلاف في الإسناد، واختلاف أحيانا في المتن. فعنا مثلا حماد بن سلمة روى مثلا عن قتادة، تجد أن قتادة لم يروها عن أنس، وإنما رواه مثلا عن آخر عن أنس، أو عن غيره. مثلا بعض الأحاديث تجد أن قتادة لم يروها عن أنس، وإنما رواها عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة. فلهذا فيحصل أنه يجمع المشايخ، وهم ليس روايتهم واحدة، فيجعلها واحدة. وهذا اجتهاد منه، لكن هذا يعتبر تدليس خطأ. ولهذا أنكروا على حماد بن سلمة هذا الأمر، حتى قال الخليلي في الإرشاد: ذكرت بعض مشايخي من أهل الحديث، فقلت: لما أخذوا على حماد بن سلمة؟ قال: إنه كان يجمع المشايخ، ولا يفرق في الرواية، يعني يجمعهم ولا يفرق روايتهم. قال: فقلت: فهذا عبدالله بن وهب يجمع المشايخ، فلماذا لم يأخذوا عنه؟ قال: عبدالله بن وهب حافظ، يعرف روايات مشايخه. أنه عبدالله بن وهب كان يقول: حدثني مالك، والليث، ويذكر مثلا ابن لهيعة، يذكر ثلاثة أو أربعة، كلهم ويجعلهم في إسناد واحد. لكن كان عبدالله بن وهب حافظا، يعرف أنهم اتفقوا في هذه الرواية، ويعرف أنهم رووا مثلا عن فلان عن شيخ واحد. لكن حماد بن سلمة يحصل له وهم في مثل هذا، إذا جمع بين مشايخ، حصل له وهم. والزهري رحمه الله، أنه في حديث الإفك جمع مجموعة، جمع روايتهم كلها في حديث. أيضا كذلك في حديث بدل الخلق، جمع بين ستة من الرواة، جمع حديثهم، ولم ينكروا عليه. لماذا؟ لأنه كان رجلا حافظا، يعرف ما رواية هذا، ورواية هذا، لكن يدخل المتن كله في معا، يجعله كمتن واحد. وهذا ما في شيء، تجاوز العلماء في مثل هذا، لأن المؤدى واحد. طيب، خلاصة الأمر يقال: إن تدليس الشيوخ، وهذا يدخل أيضا فيه، أنه أن يصف الراوي شيخه بما لم يشتهر به، أو بما لا يعرف، إما يكنيه بكنية لا يعرف بها، أو أنه يكنيه بكنية لم يشتهر بها، أو أنه يسميه وهو مكنى. ولهذا العلماء ألفوا كتابا، ألفوا في جزء من أو نوع من أنواع علم الحديث، سموه الكنى. ألف الإمام مسلم رحمه الله كتابا سماه الكنى. ألف الدولابي كتابا سماه الكنى. وكذلك النسائي، الكنى، أن يذكرون من اشتهر بكنيته، يذكرون من اشتهر بكنيته، ثم يأتون باسمه. من هذا الذي كنيته هذا؟ أيضا كذلك العكس، الاسماء المجردة. ألف ابن عبدالبر، وجماعة في الاسماء المجردة. أيش يقصدون الاسماء المجردة؟ الاسماء، يأتي بالاسم، ويأتي بكنيته، حتى يعرف أن كنيته فلان. طيب، هذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الباب، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.