شرح كتاب التوحيد 282

شرح كتاب التوحيد 282

الدرس في شرح كتاب التوحيد 282، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم الصور والقبور المشرفة وعلاقتها بالشرك

يشرح المقطع الأول حديثا نبويا يحرم الصور والقبور المشرفة ويبين أهمية حماية التوحيد وإزالة كل ما قد يؤدي إلى الشرك. ويؤكد على أن هذه الأمور تندرج تحت باب وسائل الشرك.

منهج السلف الصالح في محاربة الشرك ووسائله

يؤكد المقطع الثاني على أهمية محاربة الشرك ووسائله في منهج السلف الصالح، ويستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذات أنواط وتوصيته لعلي بن أبي طالب. ويبين أن تعليق الصور في البيوت وسيلة من وسائل الشرك.

تحريم تعليق الصور وتأثيرها على الناس

يناقش المقطع الثالث تحريم تعليق الصور وتعلق الناس بها، ويوضح أن هذا الفعل لا يجوز وأنه مدعاة إلى الوقوع في المحظورات. ويشير إلى أن الطمس أو إزالة الرأس من الصورة يعد وسيلة للتخلص من تحريم التصوير.

ختام باب المصورين وتحريم التصوير وإزالة الصور

يختم المقطع الرابع الباب بذكر مسائل مستفادة من الحديث النبوي حول تحريم التصوير، ويشير إلى أن إزالة الصورة بإزالة الرأس تجعلها غير محرمة. ويختتم بدعاء لله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولمسلم عن أبي الهياج قال: لي علي رضي الله تعالى عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو من آخر استدلالاته على هذا الباب، والذي عقده بعنوان: باب ما جاء في المصورين، أي باب ما جاء من التهديد والوعيد. وقد مرت معنا النصوص التي ذكرها لنا المؤلف رحمه الله تعالى في صحيح السنة، التي فيها بيان من عقوبة الله جل وعلا في حق المصورين، وأشرنا إلى قضايا ومسائل، ومن الذي يدخل في التصوير، ومن الذي يخرج منه، باستثناء الدليل، وبما استثناه الدليل. وفي هذا الحديث بيان العلة الثانية التي أدخل المؤلف رحمه الله تعالى باب التصوير في كتاب العقيدة والتوحيد، وقلنا: العلة الأولى هي المضاهاة لخلق الله، والعلة الثانية أنها وسيلة من وسائل الشرك، وذلك في هذا الحديث. كما تلاحظون أن النبي صلى الله عليه وسلم قارن بين فتنة الصور وفتنة القبور، فقال علي لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله؟ البعث هو الإرسال في أمر مهم، الإرسال في أمر مهم. قال: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله؟ ألا تدع صورة، وصورة نكرة، والنكرة هنا في سياق النفي فهي تفيد العموم، فهي عامة، ويدخل في ذلك كل ما كان يسمى صورة شرعا ولغة وعرفا. حكمها: قال ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا، المشرف أي المرتفع، وهو القبر المرتفع، ولا قبرا مشرفا إلا سويته، سويته بمعنى سويته بالأرض. ولهذا كان من أقوال العلماء، كما صرح بهذا الإمام الشافعي رحمه الله، على أن القبر لا يزال منه إلا ما كان مما خرج منه، الذي يخرج من حفرة القبر هذا يعود إليه، لا زيادة عليه، لا زيادة عليه، ولهذا سيكون القبر مرتفعا نوعا ما؛ لأن الجثة ستأخذ حيزا من القبر، فهذا لا بأس به، فيكون بهذا الارتفاع، هذا قد جاء به الرخصة. والمقصود بالنهي أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، أي مشرفا بالبناء، يكون عليه بناء، يكون عليه القباب، يكون عليه الأضرحة، يكون عليه البيوت، يكون عليه ما عليه من البنيان كالرخام والجص وغير ذلك، كل ذلك منهي عنه، أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بإزالته. وهذا الحديث إخواني في الله فيه من الفوائد شيء كثير، منها أولا ما كان من السعي في إزالة وسائل الشرك، فها هو نبينا صلى الله عليه وسلم يأمر بطمس الصور، وهكذا بإزالة القبور المشرفة، وذلك بتسويتها؛ لأن هذه من ذرائع الشرك. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، حماه، لا فقط في نهيه عن الشرك، بل وكذلك في نهي عما كان وسيلة من وسائل الشرك، وهذا منه صلى الله عليه وسلم تربية في معرفة مقام التوحيد، وأن الإنسان لا يتوانى. وهكذا كان نبينا ما كان يتوانى عليه الصلاة والسلام في الضرب بيد من حديد لكل ما هو صورة من صور الشرك أو وسيلة من وسائله، فكان يبعث نعم، بعث البعوث لتكسير الأصنام والأوثان، وهذا كثير، كما أرسل خالد بن الوليد لأن يكسر العزى. وهذا فقط لا بل أنظر لهذا البعث حين بعث علي، بعثوا لماذا بعثوا؟ لكي يكسر ما كان وسيلة، وهي يكسر البناء والفخار والأشياء المرتفعة على القبور؛ لأنها وسيلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يهتم بهذا عظيما في كل حياته، وفي كل جوانب دعوته، حتى في أمس الأوقات، وفي أحرج الأزمان، كان يهتم بأمر القضاء على صور الشرك ووسائل ووسائله، حتى في الحروب، حتى في القتال. لربما خرج في غزوة، خرج في معركة، فلربما استوقف جيشا بأكمله عليه الصلاة والسلام لكي يقضي على وسيلة من وسائل الشرك، كما صار في حديث ذات أنواط، في حديث ذات أنواط، وهم متجهون إلى قتال الكفار، استوقفهم عندما أراد من أراد منهم أن يكون لهم ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فغضب عليه الصلاة والسلام، وأنكر عليهم هذه المقالة. لهذا ما ينبغي التواني ولا التهاون في باب القضاء على الشرك وعلى وسائله في أي زمان ولا في أي مكان. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل والفوائد، فيها ما كان من التوصية بهذا المعتقد، الوصية ليس الأمر فقط يقتصر على فعل نبينا عليه الصلاة والسلام، بل ها هو نبينا يوصي علي، وهل علي اكتفى بهذا؟ لا، بل ها هو علي يوصي أبا الهياج، وأبو الهياج الأسد تابعي، تابعي. ألا ترى أن عليا يقول له: يا أبا الهياج، ألا أبعثك؟ أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، فانظر يا عبد الله إلى توالي السلف رضي الله تعالى عنهم من لدن الصحابة إلى التابعين وهلما جرا على هذه المسألة العظيمة، وهي القضاء على وسائل الشرك. ولازال تلكم الفئة الصالحة من أهل السنة ومن السلف الصالح يتتابعون ويتوارثون هذه الوصايا جيلا بعد جيل، حتى في هذا الجيل، فها هم أهل السنة والجماعة هم على ما كان عليه الأوائل في محاربة الشرك ومحاربة وسائله، وكل ما كان ذريعة من ذرائعه. ولهذا من أراد أن يظهر حقيقة انتسابه لمنهج السلف الصالح ولمنهج أهل السنة والجماعة، فليبرهن هذا على واقعه، وكيف هو يمشي ويمضي معهم. أما أن يأتي لنا الخلوف ممن لربما يتشدق بفمه أنه على منهاج السلف الصالح، ثم بعد ذلك تجده في مثل هذه المسائل كالقضاء على الشرك ووسائله لا يرفع لها رأسا ولا يلقي لها بالا، إذا ما الذي معك؟ ما معك إلا الدعاوى. فها هو الشرك الصراح لربما تقام الزيارات الشركية الكفرية، والتي تشاد وتشد لها الرحال، وتشاد له القبور والقباب، ومع ذلك تجد أن هذا الذي يدعي أنه مع السلف الصالح ما حرك رأسا ولا ألقى كلمة، ولا أشار بالإشارة على هذا الفعل المشين. أي معك يا عبد الله من هذه الطريقة الصحيحة؟ أعد نظرا. ولهذا كان من ما يستفاد من هذا الحديث أن أهل السنة يتوارثون هذه الوصايا، وهي أركان الدعوة، وهي من أعظمها محاربة الشرك، وكل ما كان ذريعة من ذرائعه. وفي هذا الحديث كذلك من البيان ما أشرنا إليه سلفا أن الصور وسيلة من وسائل الشرك، قد ذكرنا في دروس مضت في أوائل المبحث العلاقة والرابط الوثيق بين الصور وبين الشرك. ألا ترون إلى قوم نوح عندما أراد أن يستزلهم الشيطان إلى عبادة أولئك الصالحين، ما الذي فعل معهم؟ أولا أمرهم أن ينصبوا التماثيل ويضعوا لهم الصور، ثم عُبدت. وهكذا اليهود والنصارى، ما من نصارى كما جاء في حديث أم سلمة: أنك مقال نبي، أن أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح جعلوا له صورة، جعلوا له الصور، ثم عبدوها. ولما تجد كنيسة من الكنائس، ولا دير من أديرتهم إلا وفيها من التصاوير ما الله به عليم. وهكذا كفار قريش، هم على هذا المنحى، عندما دخل نبينا كما في البخاري دخل على الكعبة فوجد فيها صورا لإبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فأمر نبينا بإزالتها. وهكذا قس على ذلك، ولا زال من يتعلق قلبه بغير الله يبحث عن الصور. ولهذا كان من مقاصد الشريعة في تحريم الصور أنها وسيلة من وسائل الشرك؛ لما فيها من التعلق. وهنا تأتي الفائدة الأخرى، وهي قريبة من هذه الفائدة، وهي التحريم لما يكون من التعلق بالصور، التعلق بالصور، ويهمنا هنا في الجانب العقدي. ويدخل في هذا الباب ما يكون من تعليق الصور في البيوت، تجد أن بعضا من الناس مما يتساهل في أمر الصور يجعل صورة لجده أو صورة لآبائه وأجداده، معلقها هنا ومعلقها هنا. وهذا لا يجوز، أولا لعموم تحريم التصوير، وأيضا لجرمها، فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة، وقد صرح العلماء على أن الصور إذا كان أمرها للذكرى لا يجوز، لا يجوز. فكيف مع هذا وذاك ما يكون من التعلق بها؟ حتى أن بعضا من الناس لربما إذا ألمت به معضلة أو زاد عليه الكرب والهم والغم لربما أتى إلى الصورة وقابلها وتكلم معها، يتكلم مع أبيه مع صورة أبيه، يتكلم مع صورة أجداده. ورحت يا أبتا ذهبت وين خليتنا ضايعين ويتكلم، ما هذا التعلق؟ هذا غباء، هذا صفسطة، بل ربما يصل به الأمر إلى التعلق يستشيره في كل أمره، هذا لا يجوز. وأعظم ما يكون فيه التعلق ما يكون من تعليق صور العظماء كالزعماء والرؤساء والعلماء والصالحين، هذا أعظم، تجد أن بعض الناس يعلق أمثال هؤلاء تعظيما، تدخل إلى بعض الدوائر تجد صور معظم معلقة هنا وهنا، هذا لا يجوز. هذه صورة فيها شيء من التعظيم؛ لأن بها تتعلق القلوب، تتعلق القلوب، أو هكذا صور لبعض العلماء تعلق هنا وهنا، هذا لا يجوز، بل إن هذا العالم ما يرتضي هذا منك أن تعلق صورته، ولماذا تعلقها؟ ذكرى أم لشيء آخر؟ وحتى وجدنا أن من بعض الناس من لربما تعلق قلبه ببعض الصالحين حتى أنه يريد أن يستذكره كل حين، لدرجة أنه ما يخرج إلى الخارج إلا وصورة هذا الولي وهذا الحبيب في جيبه، ما يخرج إلا في جيبه، وما ينام ويضع رأسه على مخدته إلا وهذه الصورة تحت وسادته، وإلا جعل صورة كبيرة في بيته، ما هذا التعلق؟ هذا ما الذي تريده؟ هذا اعتقاد. حتى أن بعضهم يعتقد أن البركة تحل بوجود الصورة في بيته، وأن الخير والنماء يزداد، انظر يا عبد الله كيف أن الصورة كانت مدعاة إلى أن يدخل الناس فيما لا تحمد عقبا. فالحاصل أن هذا مما تفضل له العلماء، وذلك لصراحة الأدلة في محاربة هذه المسألة وهذه الظاهرة، والحكمة ما أراده الله عز وجل. وهكذا في هذا الحديث إخواني في الله فيه من الفوائد، فيه كذلك كلمة طمس: أن لا تدع صورة إلا طمستها، وهذا فيه رد على من زعم إلى أن التحريم في باب التصوير ما كان على صورة تماثيل، والذي يعبر عنه عند الفقهاء ما له ظل. ما له ظل، يقول هنا النهي كل ما كان تمثالا نعم، وأما ما لم يكن تمثالا، ما ليس له ظل فلا شيء فيه، لا، هذا غلط، وهذا على خلاف ما ذهب إليه جماهير العلماء. فقوله عليه الصلاة والسلام: لي أن لا تدع صورة إلا طمستها، الطمس دل على أنه شيء غطى، فدخل أدخل العلماء في تحريم التصوير كل ما كان مرسوما باليد، سواء كان رسما أو كان دهنا أو كان نسيجا إلى غير ذلك. وهذا الذي كما قلنا عليه أكثر العلماء، وأيضا فيه فائدة على أن الخروج من تحريم التصوير هو بالطمس، أن لا تدع صورة إلا طمستها، بطمسها تذهب علة التحريم، ويتوب الله على من تاب. وهذا الطمس إخواني في الله، فإما أن يكون كليا، كليا، أو يكون الطمس بإبعاد الرأس، هذا أقل ما يقال، إبعاد الرأس، وقد جاء من حديث ابن عباس والحسين وجماعة من أهل العلم قال عليه الصلاة والسلام: الصورة الرأس، فإذا ذهب الرأس فلا صورة، إذا ذهب الرأس فلا صورة؛ لأن الإنسان لن تكم الحياته إلا برأسه، فعند موجود الرأس لن تكون هناك حياة، إذن انتفت العلة، انتفت العلة. وهذا الحديث كما قلنا صريح في الباب، وبعض العلماء يرى أنه موقوف على ابن عباس، ولكن يغني عنه أيضا ما جاء عند أبي داود ومحمد من أن النبي صلى الله عليه وسلم يوما ما كان ينتظر جبريل عليه السلام فتأخر جبريل، حتى أن النبي أصابه الهم لما؟ تأخر جبريل عليه السلام. ثم في بعض روايات رأى نبينا أن جبريل في الخارج في خارج البيت وما دخل، فلما دنى منه نبينا وسأله عن سر تأخره وعدم دخوله، أخبر هنا جبريل على أن في بيتك كلب، في بيتك كلب، وكان هناك جرو تحت السرير، وأيضا عندك تمثال عند بابك على صورة رجل، النبي قد كان جاء له بتمثال جعله عند بابه. فقال له جبريل: فمر هذا الشاهد فمر برأس التمثال أن يزال حتى يصبح كالشجرة، وأنتم تعلمون الشجرة، الشجرة عبارة عن جذع وعبارة عن أغصان متفرعة، فأمر جبريل نبينا أن يزيل الرأس حتى يكون كالشجرة. قال: ومر بالكلب أن يخرج، ففعل ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فهذا مما يكون به إزالة، لماذا؟ لحرمة التصوير بإزالة الرأس. فهذه إخواني في الله ما أذكر من مسائل هذا الحديث، وبه ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، والذي عقده بقوله: باب ما جاء في المصورين. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.