كتاب الحج 15

كتاب الحج 15

الدرس في كتاب الحج 15، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب الغسل للمحرم وخلاف ابن عباس والمسور بن مخرمة

يتناول هذا المحور حكم غسل المحرم لرأسه والخلاف الذي دار بين ابن عباس المجيز والمسور بن مخرمة المانع خشية سقوط الشعر، مما دفع ابن عباس لإرسال عبد الله بن حنين ليسأل أبا أيوب الأنصاري عن الحكم الشرعي. كما يستعرض المقطع سيرة أبي أيوب الأنصاري ومكانته العظيمة ومناقبه الجليلة في نصرة النبي ﷺ.

استفسار ابن عباس من أبي أيوب عن كيفيّة اغتسال المحرم

يروي المقطع محاولة يزيد بن معاوية طمس قبر أبي أيوب، ثم يسرد حديث عبد الله بن حنين الذي وجد أبا أيوب يغتسل مستوراً فأراه كيف كان النبي ﷺ يغسل رأسه بإقبال الماء وإدباره. استدل أبو أيوب بهذا الفعل على جواز اغتسال المحرم مع مراعاة آداب الستر والاستئذان.

حكم اغتسال المحرم ومناظرة ابن عباس والمسور بن مخرمة

يبيّن المحور جواز اغتسال المحرم للتنظف أو التبرد أو للجنابة، ويوضح أن تحريك اليدين على الرأس جائز ما لم يقصد إزالة الشعر. يختم بعرض مناظرة ابن عباس والمسور التي انتهت بإقرار المسور بصحة قول ابن عباس، مؤكداً على آداب الخلاف العلمي وطلب الحق لا الانتصار للذات.

خاتمة باب الاعتراف بالفضل والانتقال لفسخ الحج

يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية الاعتراف بالفضل والإنصاف بين الصحابة، حيث كان هدفهم الوصول إلى الحق لا الجدال والمماراة. يشير المقطع في ختامه إلى الانتقال في الدرس القادم إلى باب جديد يتعلق بفسخ الحج إلى العمرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد: مر معنا ضمن أبواب كتاب الحج من عمدة الأحكام الكلام حول ما يتعلق بباب الهدي، باب في بيان أحاديث وأحكام تتعلق بالهدي، الهدي الذي يهدى ويتقرب به إلى الله عز وجل في البيت الحرام، هدياً بالغ الكعبة. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعده باباً جديداً من أبواب كتاب الحج، فقال رحمه الله تعالى: «باب الغسل للمحرم»، يعني: هل يجوز لمن كان محرماً بحج أو عمرة أن يغتسل، أم أن المحرم يمنع من ذلك؟ وسبب هذا يا إخوان أن المحرم لما كان ممنوعاً من بعض أصناف الترفه أو الترفيه كاستخدام الطيب، وهكذا حلق الشعور، وهكذا أيضاً لبسه اللباس المعتاد إلى غير ذلك، لربما يتبادر إلى الأذهان أن المحرم إذا غسل بدنه فإنه بذلك يرفه ويريح عن نفسه. فهل هذا الترفه بالتنظيف من ضمن الأشياء التي يمنع منها المحرم؟ لأجل هذا عقد المؤلف رحمه الله تعالى له باباً مستقلاً لكي يزيل به الوهم الذي قد يتبادر إلى الشخص، وهكذا أيضاً يدفع به الشك الذي قد يكون عند المسلم. فأورد رحمه الله تعالى حديثاً واحداً، قال رحمه الله تعالى: قال عن عبد الله ابن حنين أو حنين: أن عبد الله ابن عباس والمسور ابن مخرمة اختلفا بالأبواء، والأبواء موضع يقع بين مكة والمدينة، يعني تقريباً في منتصف الطريق بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب. والأبواء ماتت فيها أم النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان في بعض أسفاره لما كان قريباً من الأبواء قال عليه الصلاة والسلام: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». وجاء في رواية سفيان ابن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال: «بالعرج»، بالعرج، يعني ابن عباس والمسور ابن مخرمة اختلفا في هذه المنطقة في العرج، والعرج كما ذكر بعض أهل العلم هي قرية جامعة قريبة من المدينة، إذن العرج تقرب من الأبواء، وبهذا يجمع بين هذه الروايات. قال: «اختلفا بالأبواء»، ولعلهما - وهو الغالب - أنهما كانا في حالة الإحرام، كانا محرمين. قال: فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه. ابن عباس يقول: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. ابن عباس بقي على الأصل، على استصحاب البراءة الأصلية، وهو أنه يباح للمحرم أن يفعل أي شيء مباح إلا ما خصه الدليل ومنع منه المحرم. والمسور ابن مخرمة رضي الله تعالى عنه ذهب إلى أنه لا يجوز للمحرم أن يغسل رأسه، وسبب ذلك خشية سقوط شيء من الشعر بسبب الغسل، وهكذا أيضاً لأن في الغسل ترفيهاً، والأصل في المسلم أنه ممنوع من الترفيه. قال: أي عبد الله ابن حنين: «فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه». وأبو أيوب الأنصاري صحابي جليل من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ما اسمه؟ ما اسمه؟ أبي أيوب الأنصاري، أبو... أبو أيوب الأنصاري، نعم، أحسنت: خالد ابن زيد الأنصاري الخزرجي النجاري، أي من الخزرج من بني النجار، وابن النجار من الخزرج هم أخوال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كيف أخواله؟ جده هاشم تزوج امرأة منهم فأنجبت له، أنجبت له عبد المطلب، أنجبت له عبد المطلب، فكانوا أخوال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأبو أيوب الأنصاري هو أحد السابقين إلى الإسلام، شهد بيعة العقبة، أي التي بايع فيها الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم، بيعة الأولى والبيعة الثانية، وعلى إثرها تم الاتفاق على أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم ويهاجر المسلمون إلى المدينة، وأن يقوم الأنصار بحمايتهم، ويمنعون هم مما يمنعون منه نساءهم وأنفسهم، أي يحمونهم. وهكذا أيضاً أبو أيوب الأنصاري لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبركت ناقته في الموضع الذي بني فيه المسجد، ماذا فعل أبو أيوب الأنصاري؟ أخذ رحل النبي صلى الله عليه وسلم، يعني متاعه، ودخل به إلى بيته، وكان كل الناس كلما مر على قوم أحب أن ينزل عندهم النبي صلى الله عليه وسلم. فلما فعل أبو أيوب ذلك الفعل، أخذ متاع النبي صلى الله عليه وسلم وأدخله إلى بيته، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ يا أبا الفضل... ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: «المرء مع رحله»، يعني المنزل عند أبي أيوب. وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يحب أن ينزل عند أخواله. بقي عليه الصلاة والسلام عند أبي أيوب مدة شهر، شهراً في بيت أبي أيوب حتى بني المسجد وبني بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فانتقل عليه الصلاة والسلام. وأبو أيوب الأنصاري آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين مصعب ابن عمير رضي الله تعالى عنهما، أبو أيوب أنصاري ومصعب ابن عمير مهاجر من قريش من بني عبد الدار، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم. وشهد أبو أيوب المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، شهد بدراً فما بعدها من الغزوات. وهكذا كان مع علي ابن أبي طالب في معركة الجمل، وهكذا في صفين، وهكذا في معركة النهروان. ومعركة النهروان هذه كانت بين علي ابن أبي طالب ومن معه من الصحابة وبين الخوارج، وكان أبو أيوب في مقدمة أصحاب علي في تلك المعركة. وهكذا أيضاً غزى أبو أيوب الروم، وتوفي رضي الله تعالى عنه عند عاصمة الرومان، وهي القسطنطينية، ودفن تحت أسوارها. ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه تاريخ الإسلام أن يزيد ابن معاوية ابن أبي سفيان، وكان الخليفة يومها، أمر بالخيل أن تمر على قبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، لماذا؟ لكي لا يبقى لقبره أثر، لألا يقوم الرومان أو غيرهم بنبشه. وذكر الذهبي رحمه الله تعالى أن الرومان فيما بعد عرفوا مكان قبره، فكانوا إذا أمحلوا، يعني إذا جاءهم القحط، كشفوا عن قبره فمطروا. وقبره تجاه سور القسطنطينية،كذا ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه تاريخ الإسلام. قال عبد الله ابن حنين أو حنين: «فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: فوجدته يغتسل، قال: فوجدته يغتسل». وهذا كما ذكر بعض أهل العلم، كما ذكر بعض أهل العلم، أنه من تيسير الله عز وجل وتبيينه الأحكام لخلقه. الآن عبد الله ابن حنين هذا أرسله ابن عباس، لماذا؟ لماذا أرسله يا أبا الفاروق؟ لكي يسأل أبا أيوب عن ماذا؟ وهي اغتسال المحرم، اغتسال المحرم. لاحظوا: عبد الله ابن حنين أتى إلى أبي أيوب الأنصاري وهو محرم، وماذا يفعل؟ ويغتسل. أبو أيوب يغتسل. إذن هذا الذي جاء عبد الله ابن حنين لكي يسأل عنه. زاد ابن جريج رحمه الله تعالى في روايته أن ابن عباس قال لعبد الله ابن حنين: «قل له: يقرأ عليك السلام ابن أخيك عبد الله ابن عباس، ويسألك عن ماذا؟ عن اغتسال المحرم، يعني: هل يجوز للمحرم أن يغتسل ويغسل رأسه؟» فماذا؟ جاء عبد الله ابن حنين فوجد أبا أيوب يغتسل، قال: «فوجدته يغتسل بين القرنين». بين القرنين، المقصود بالقرنين عبارة عن عودين، يعني في بئر موجودة ينصب عودان، ثم يؤتى بعود يكون بينهما وتربط فيه البكرة، أي التي... يكون هناك حبل مربوط في دلو وينزح الماء من هذه البئر. أبو أيوب كان بين هذين العودين، قال: «وهو يستر بثوب». وهذا فيه يا إخوان أهمية المحافظة على ستر العورة، يغتسل فكان يستر بثوب فلا يرى منه شيء. وهذا أدب من آداب الإسلام: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد». استدل به العلماء على وجوب ستر العورة في الصلاة، وهكذا في غير الصلاة. «غطي فخذك فإن الفخذ عورة». هذا يا إخوان حكم عام بجميع المسلمين، وطالب العلم على وجه الخصوص أحرى أن يتستر، لا يمشي في السكن مثلاً بسروال قصير، أو ينام في سروال قصير قد يتقلب فينكشف عن شيء من عورته، ينكشف عن شيء من عورته. قال: «فسلمت عليه، فقال: من هذا؟» لماذا يسأل؟ لأنه لا يرى المسلم، لأنه لا يرى المسلم. استدل به العلماء على جواز ومشروعية السلام على من يتطهر، يتوضأ أو يغتسل، أنه يجوز أن يسلم عليه. قال: «فقلت: أنا عبد الله ابن حنين». وهذا فيه يا إخوان أدب من آداب الاستئذان، إذا استأذنت على شخص، على بيت، فقيل: من؟ لا تقل: أنا. طيب، من أنت؟ لا زال الأمر فيه نكارة. قل: أنا فلان ابن فلان. ولهذا قال هنا: «أنا عبد الله ابن حنين، أرسلني إليك عبد الله ابن عباس يسألك: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟». لاحظوا إلى فطنة عبد الله ابن حنين: ابن عباس أرسله بماذا؟ السؤال عن ماذا؟ المحرم يغتسل أو لا يغتسل. فوجد أبا أيوب محرماً ويغتسل، محرماً ويغتسل، فغير السؤال إلى ماذا؟ إلى: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل؟ ولهذا ذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى قال: الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي أنه يجوز للمحرم أن يغتسل، أخذه عن أبي أيوب نفسه أو عن غيره. ولهذا قال عبد الله ابن حنين لأبي أيوب، يعني غير السؤال إلى: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل؟ هذا تصرف من عبد الله ابن حنين يدل على ذكائه وعلى فطنته. قال: «فوضع أبو أيوب يده على الثوب، أي الذي كان يستره، على الثوب الذي كان يستره، قال: فطأطأ حتى بدا لي رأسه». ما معنى فطأطأ؟ يعني خفض الثوب، الثوب كان يستر أبا أيوب كاملاً أو يستر أبا أيوب كاملاً، فماذا فعل أبو أيوب؟ خفض من الثوب لكي يبدو رأسه ووجهه. ثم ماذا قال عبد الله ابن حنين؟ قال: «حتى بدا لي رأسه، قال: ثم قال لإنسان يصب عليه الماء: أصبب، قال: فصب على رأسه أي الماء». وهذا يا إخوان فيه جواز الاستعانة، أو ماذا؟ جواز الاستعانة على الطهارة، على الطهارة، يعني ممكن يستعين الشخص بغيره يأتي له بالماء، أو يقول: يا فلان لو سمحت صب علي الماء. ولهذا كان ابن عباس وابن مسعود والمغيرة ابن شعبة وأبو فراس ربيع ابن كعب الأسلمي وغيرهم كانوا يساعدون النبي صلى الله عليه وسلم في عملية الطهارة، إذا خرج لقضاء الحاجة أو إذا أراد أن يتوضأ، إذا أراد أن يتوضأ، كما مر معنا في جملة من هذه الأحاديث السابقة. قال: «فصب على رأسه أي الماء، قال: ثم حرك رأسه بيديه فأقبل به ماء وأدبر، قال: فأقبل به ماء وأدبر». وقوله: «فأقبل به ماء» يعني أخذ بعد أن صب الماء على رأسه جعل يقبل بيديه، أي من مقدمة الرأس إلى قفاه، «وقال: وأدبر» يعني أتى بهما من القفا إلى الأمام، هكذا يعمل إلى الأمام. «وقال: وقال: هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل». هكذا، ألها هنا للتنبيه، قال: «هكذا»، والكاف هنا اسم بمعنى مثل، وتقدير ذلك: مثل هذا الفعل يفعل، أي النبي صلى الله عليه وسلم، والمشار إليها هنا هو الإقبال والإدبار، الإقبال والإدبار باليدين على الرأس عند غسله، عند غسله. إذن من المصيب الآن؟ من المصيب الآن؟ ابن عباس أم المسور ابن مخرمة؟ يا أبا ناظم، من المصيب؟ ليش؟ ليش مصيب؟ ماذا قال ابن عباس؟ ماذا قال ابن عباس؟ أبو عبد الله معنا، طيب. ماذا قال ابن عباس يا أبا تميم؟ ابن عباس إيش قال؟ وماذا قال المسور؟ وماذا كان جواب أبي أي... ابن عباس قال: يغسل أو لا يغسل؟ يغسل. والمسور قال: يغسل أو لا يغسل؟ ابن عباس قال: يغسل، والمسور... يا أبا تميم عندك... والمسور: لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا. أبو عبد الرحمن معنا... أبو أيوب الأنصاري صوب كلام ابن عباس أو كلام المسور؟ ابن عباس، أحسن. كونه يغتسل وهو محرم، ثم وصف كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل، يعني يقبل بيديه ويدبر، يقبل بيديه ويدبر. وهذا فيه جواز اغتسال المحرم سواء للتنظف أو التبرد أو الترفيه، أو كان للجنابة، أو كان للجنابة. أما إذا كان للجنابة أو الحيض فكونه يغتسل هذا مجمع عليه، هذا مجمع عليه. طيب، إذا كان للتبرد؟ شعر بحر، قال: سأغتسل، أحس بتعب، قال: سأغتسل من أجل أن يحصل له النشاط. شعر بوسخ، أراد أن يغتسل من أجل النظافة. الجمهور من أهل العلم على جوازه وعلى مشروعيته من غير كراهة، وهذا الذي يدل عليه هذا الحديث. أيضاً فيه جواز تحريك اليد على الرأس، على الرأس، وذلك إذا لم يقصد بهذا إزالة الشعر. إذا لم يقصد بهذا إزالة الشعر، فإذا حرك يديه على رأسه فسقط شيء من الشعر فهذا لا شيء عليه، لا شيء عليه. أيضاً فيه دلك الشعر عند الاغتسال، ومر معنا في باب الغسل من الجنابة وصفة اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ماذا؟ أنه كان يصب الماء على رأسه ويحركه بيده حتى إذا رأى أنه قد أروى بشرته، يعني أوصل الماء إلى أصول الشعر، إلى أصول الشعر. ولاحظوا يا إخوان، لاحظوا تعامل الصحابة فيما بينهم: ابن عباس صحابي، والمسور ابن مخرمة أيضاً صحابي. وذكروا في ما يتعلق بترجمة المسور ابن مخرمة أنه كان يعني ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، بعد الهجرة بسنتين، وقدم به إلى المدينة عام الفتح وهو ابن ست سنوات، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين، سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، سمع من النبي صلى الله عليه وسلم. هنا الإنسان إذا كان عنده علم و... وشك في الأمر، فلا بأس يا إخوان أن يرجع إلى من هو أعلم منه من أجل أن يتثبت ويتأكد من المعلومة التي عنده، من المعلومة التي عنده. طيب، جاء عبد الله ابن حنين إلى ابن عباس وإلى المسور وأخبرهما بجواب أبي أيوب الأنصاري. قال: آه، ماذا قال؟ وفي رواية: «فقال المسور»، وهذه الرواية الثانية عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال: «وفي رواية فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبداً، لا أماريك». ماذا معنى «لا أماريك»؟ ما هي الممارة؟ المجادلة والمخاصمة، فأصلها من ماذا؟ من الممارة التي هي بمعنى الاستخراج، يعني كل خصم، كل طرف حاول أن يخرج ما عند الآخر، حاول أن يخرج ما عند الآخر. المسور يقول لابن عباس: «لا أماريك أبداً». وأبداً هذه ظرف لما يستقبل من الزمان أو لما مضى من الزمان. «لا أماريك أبداً»، يا أبا هريرة... «لا أماريك أبداً، أبداً». قال العلماء: ظرف، ظرف زمان أو مكان، زمان، هل هي ظرف لما يستقبل من الزمان أو لما مضى من الزمان؟ لما يستقبل من الزمان. وجاءت في بعض النسخ زيادة وهي: «لا أماريك أبداً، لا أماريك أبداً»، بعدها... هذه الزيادة ليست عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ليست عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال: «القرنان: العمودان اللذان تشد فيهما ماء... الخشبة التي تعلق عليها البكرة». ما هي البكرة؟ ما هي البكرة يا أبا محمد؟ ما هي البكرة؟ لاحظ: بئر، وهناك خشبتان، ثم خشبة ثالثة تكون عليهما، وفي هذه الخشبة الثالثة تعلق البكرة. ما هي البكرة؟ يعني لو رأيتها ستعرفها بدون شك. هي حديد أم خشب؟ نعم، كونه تدلى من الحصن ببكرة. طيب، وهنا قال: «التي تعلق عليها البكرة». البكرة: حديد أم خشب؟ تصنع من الحديد أم من الخشب؟ من كليهما، وما هو الأقوى؟ الحديد، ولهذا الأصل أنها تصنع من الحديد. قال: «الأبواء: بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد». الأبواء: همزة بعد حرف المد، قال: «موضع معين بين مكة والمدينة، بين مكة والمدينة». وهنا فائدة يا إخوان، ألا وهي جواز التناظر في مسائل العلم. لا بأس يا إخوان أن يتناقش طالب العلم مع زميله، لكن ينبغي البعد عن المراء والجدال المذموم. ما هو المراء والجدال المذموم؟ الذي يريد كل منهما أن ينتصر على صاحبه ولا يريد الوصول إلى الحق وإلى الحقيقة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم، أي ضامن، ببيت في ربض الجنة، أي في أطرافها، لمن ترك المراء ولو كان محقاً». لكن إذا كان هم طالب العلم الوصول إلى الحقيقة، سينصف صاحبه ويقبل الحق الذي يأتي به صاحبه. فالتناظر في مسائل العلم والاختلاف فيها جائز يا إخوان، جائز، ولكن ماذا؟ إذا ظهر لي الشخص الحق أخذ به، أخذ به، كما فعل المسور ابن مخرمة رضي الله تعالى عنه. وفيه الاعتراف للفاضل بفضله، كما اعترف المسور لابن عباس فقال: «لا أماريك بعدها أبداً». وهكذا فيه إنصاف الصحابة بعضهم بعضاً، لأن غايتهم الوصول للحق وليس مجرد المراء والجدال. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، ويأتي معنا في الدرس القادم باب آخر جديد يتعلق بفسخ الحج إلى العمرة. أفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.