الدرس في شرح كتاب التوحيد 285، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح قول الله تعالى حول الوفاء بالعهد والعقود والأيمان، ويبين أهمية ذلك في اللغة والشرع. يُؤكد على وجوب الوفاء وعدم نقض الأيمان.
يتحدث عن أخطاء الناس في التعامل مع العهود مع الله، مثل العودة إلى الذنوب بعد التعاهد على تركها، مما يؤدي إلى إثم مضاعف وكفارة يمين. كما ينتقد بعض الجماعات التي تأخذ العهود على أتباعها.
يُناقش خطورة المعاهدات والبيعات التي يتعهد فيها الأفراد لمنظمات معينة، ويُشدد على أنها بدع دخيلة على الدين. يُذكر مثال مطرف بن عبد الله الذي رفض المشاركة في كتابة عهد بين مجموعة من الناس.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، هذه الآية هي من أوائل استدلالات المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب، باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم. وأشرنا في درس أمس إلى مقدمة فيها التنبيه والتنويه على مسائل وأحكام الباب بشكل عام، وها هو المؤلف رحمه الله تعالى يبين لنا شيئا من أحكام ذمة الله وذمة نبيه، وذكرنا أن الذمة بمعنى العهد، فذكر لنا قول الله جل وعلا: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. في قول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا﴾، أوفوا أمر من أوفى يوفي، والإيفاء كما قال العلماء في اللغة هو إعطاء الشيء تماما، بأنك تعطي الشيء على وجه التمام، ومنه إيفاء المكيال وإيفاء الميزان، فكونك توفي الإنسان حقه بأن تعطيه حقه كاملا مكملا، فأمرنا ربنا عز وجل بأن نوفي بعهد الله، أي بأن نؤدي عهد الله كما هو كاملا تاما موفا لا نقصان فيه. وقال سبحانه وتعالى آمرا عباده بهذه الخصلة: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، قال الجماعة من أهل العلم: عهد الله أضاف العهد إليه إضافة التشريف، أي كفاك شرفا أن تعلم أن هذا العهد هو عهد الله الذي ينبغي لعبد الله أن يقوم به. وأوفوا بعهد الله، قد أشرنا ولا بأس من التأكيد على أن العهد ينقسم أو يأتي على معنيين اثنين، المعنى الأول يأتي العهد بمعنى العقد، بمعنى العقد التي تكون بين الناس، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، فالله سيسألنا عن هذه العقود المبرمة بين الخلق، هل وفينا بها أم أخللنا بحقها؟ وهكذا مثله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، أي أوفوا بالعهود، فإن من معاني العهد ما يكون من العقد بين الناس، وسمي العقد عهدا لأنه يعقد بين متعاقدين. والمعنى الثاني من معاني العهد أنه يأتي بمعنى اليمين، ويدل على ذلك نفس الآية، كما قال ربنا: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾، فجعل ربنا العهد الذي مضى أيمانا، فلهذا قال العلماء أن العهد يطلق كذلكم على الأيمان، على الإيمان وهو الحلف والقسم، فهذا الذي ينبغي أن نوفي به. ولهذا قال ربنا: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، النقض هو حل الشيء، أن تفك الشيء، أن تحل الشيء بعد ثبوته، بعد توكيدها أي بعد ثبوتها، فمن هذه الآية سنستفيد على أن المسلم وجب عليه أن يوفي بعهد الله، ويدخل في ذلك الوفاء بالعقود والوفاء بالأيمان. الوفاء بالعقود، فإذا كان هناك عقد بينك وبين طرف آخر، وجب على جميع الأطراف أن يلتزموا بهذا العقد المبرم، وخاصة أنهم جعلوا الله شاهدا وكفيلا ووكيلا على هذا العهد الذي أبرموه، ومن هنا من خرم العقد بين الناس فهو يعد من أهل الخيانة، وقد عظم ربنا جل وعلا من عقوبة صاحبه. ولهذا جاء في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «يرفع لكل غادر يوم القيامة لواء عند استه، ينادى عليه: هذه غدرة فلان ابن فلان»، هذا إذا نقط وخنت العهد والعقد التي بينك وبين غيرك. وهكذا وجوب الوفاء بالأيمان، إذا أقسمت وعاهدت الله على أمر ما، وجب عليك يا عبد الله أن توفي، وإلا كنت آثما، ووجب عليك كفارة يمين، وجوبا لعظيم ما أقسمت الله عز وجل عليه. وبهذا إخواني في الله سنستفيد جميعا أن الدخول في عهد الله عز وجل، سواء كان بمعنى العقد أو بمعنى العهد، فليس الأمر بالأمر السهل، وأنك يا عبد الله في عافية عن ذلكم، وأن من خاض في هذا الباب وجوى عليه الإكمال والتمام، وإلا كان خائنا في العقود، وإلا كان آثما في الأيمان، فوجبت عليه كفارة يمين. ومن هنا إخواني في الله أشرنا ولازلنا نشير إلى أخطاء بعض الناس في هذا المقام، فمن أخطاء الناس أن من الناس من يكون في عافية، مثلا فإذا أراد أنه يمسك نفسه عن محارم الله، ما وجد إلا أن يعاهد الله، فيقول: أعاهد الله على أني لا أفعل الشيء الفلاني، ثم يخالف، هنا يا عبد الله وقفه، وقف مع هذا الفعل، للأسف الذي نجده مع كثير من التائبين ممن أراد أن يقلع عن ذنب معين. كمن يريد أن يقلع عن القات أو عن الاستمناء أو عن فعل فاحشة، فلا زال يعاهد الله ومع ذلك يقع في المخالفة، هنا يا عبد الله وقعت في حرج، الذي يعاهد الله على أمر ما ثم يأتي بنقيضه، فقد وقع في مسائل ثلاث: المسألة الأولى أن الإثم في حقه مضاعف، الإثم الأول أنك وقعت في المعصية، الإثم الثاني أنك نقط عهد الله. والمسألة الثالثة أنك أنه عليك كفارة يمين، مثلا لو أن إنسانا وقع في ذنب، وهنا أزن بين شخصين اثنين: رجل وقع ويقع في ذنب، فأراد أن يكف عن هذا الذنب، قال: عاهد الله وأعاهد الله ألا أعود لهذا مرة ثانية، هذا إذا وقع في المخالفة، فإن الأمور تترتب عليه إثم المعصية وإثم نقض العهد وكفارة يمين، وجب على القول الصحيح عليه كفارة يمين لأن العهد أيمان. لكن الشخص الثاني الذي قال: ما سأرجع وسأل الله الإعانة وتاب وبكى وأناب وخشع وخضع، لكن ما أبرم عهدا، هذا إن وقع في المخالفة، فما يترتب عليه إلا إثم المعصية فقط، إثم المعصية فقط، ولهذا كان في عافية، ولهذا كان في عافية. فدل ذلك إخواني في الله على أن الإنسان يحاول قدر الإمكان أن لا يدخل في هذا المقام، ومن الأخطاء كذلكم الذي أحب أن أشير إليها في هذا المقام تتعلق بأخذ العهد، عهد الله عز وجل، ما نجده ونسمعه من بعض التنظيمات ومن بعض الجماعات والتيارات التي لربما يجد أن إنسانا أنه قد تورط في انتمائه لهذه الجماعة أو لتلك. فتجد أنه أحيانا يقرر تقرر عليه المعاهدة، إما في الحلقات السرية وإما في مجمع جماهيري، كما كان أحيانا إذا تجمع الناس حول هذه التنظيمات الحزبية، إذ بهم يعلنون قولوا: نعاهد الله، نعاهد الله على أننا على أننا، هذه معاهدة، وهذه خطأ وضلال من عدة جهات. الجهة الأولى يا عبد الله أن هذا من الحزبية، تقسيم الدين إلى ملل وفرق وجماعات، لأن بعضهم يصرح على أتباعه بأنهم يقولون: قل أعاهد الله على أن أكون مع هذا التنظيم أو مع هذا الحزب، ومن هذا الذي جعل نفسه أنه هو الحق الذي يتبع وما عدا يعاد ويخالف. وكذلك بعضهم يتحذلق من بعض الجماعات يقول: لا أحنا ما نأخذ المعاهدة على حزب ولا على تيار، وإنما نقول لأتباعنا قولوا: نعاهد الله على مناصرة الحق وعلى أهل الحق، أينما كانوا، نقول: ولو أهل الحق، من الذي تعنون بأهل الحق هنا؟ هذا كما يقال يجعلها في المتن وفي الحاشية، أهل الحق أنتم، أنتم يا من أخذتم العهد على فلان وفلان من شبابنا، تلكم الجماعة وذلكم التيار وذلكم التنظيم. وإنما هو من باب الضحك على الذقون، يأتي من يأتي بقلقل لأتباعه ولمن جمع من شباب الأمة، قولوا: نعاهد الله على مناصرة الحق وأهل الحق، والذي يعني بأهل الحق هم هم ليس غيرهم ولا سواهم، وهذا إخواني في الله تشتيت للأمة وتضييع لجماعة المسلمين. زد على ذلكم الخطأ العظيم الذي فيه هذه المعاهدة، تعاهد الله على ماذا؟ أعد وأنا أسأل كل من أخذ عهدا على نفسه من خلال هذه الجماعات، تعاهدت الله على ماذا؟ تأمل في معاهدتك، تعاهد الله عز وجل على مناصرة الدين دين كامل، تعاهد الله عليه، ومن هذا الذي يستطيع على ذلك؟ هذا إعجاز، هذا شيء ضربا من الخيال. ها نحن تناقش في أمر رجل يعاهد الله على ترك معصية واحدة، معصية فقط أن لا يرتكبها، ومع ذلك إذا ارتكبها بطبيعة البشرية وطبيعة الضعف البشري يرتكبها، يجب عليه في ذلك إثم وما يتبعه من كفار، فكيف أنت الذي تعاهد تعاهد الله على أخذ الدين كامل كامل من أوله إلى آخره؟ يعني أنت ما أنت معصوم من الزلل. أعد نظرا، أعد نظرا يا من عاهدت الله بمناصرة الدين، وكم من مواقف خذلت به الدين، هنا نقط العهد عليك، الكفار وعليك الإثم، يا من عاهدت الله على القيام بأمر الدين، تأمل كم من فرد فاتك، كم من نوافل ضيعها، كم من صلة أرحام، كم من مظالم ارتكبتها، هذا تذهب عليك سدى، لا والله آثام وكفارات، الله أعلم كيف تتحملها. وبعد هذا وبعد هذا وذاك يا من عاهدت الله من خلال هذا التنظيم أو ذاك، اعلم أن هذه بدع بدع دخيلة، ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هذا من الأفكار الحزبية والتيارات الضيقة التي أدخلت على الأمة ما ليس فيها في دينها. وأختم هذا المقام رعاكم الله بما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه سير أعلام النبلاء في ترجمة مطرف ابن عبد الله ابن الشخير، وأنه كان هو وجماعة يدخلون على زيد ابن ثابت رحمه الله، فبينما كان في اجتماعهم إذ قرروا فيما بينهم على مناصرة الحق ومناصرة الدين والقيام بشرع الله وبشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكتبوا كتابا. وفي هذه الرسالة كتبوا فيها أنهم جميعا يقرون بأن الله ربنا وأن محمدا النبينا وأن القرآن إمامنا، ومن كان معنا كنا وكنا، ومن خالفنا كنا يدا عليه وكنا وكنا، وذكروا أشياء، كتابا صنعوا لأنفسهم فيه عهد وميثاق فيما بينهم، فذكر الذهب رحمه الله تعالى أن هذه الرسالة وزعت على من كان في المجلس، وكان نحوا من ثلاثين من الخيرين، حتى بلغ الكتاب إلى مطرف بن عبد الله. فلما قرأه وكان شابا، فلما قرأه قيل له: أقررت بما فيه؟ قال: لا، استعظم الناس هذا الكلام، كيف كما يستعظم الحزبيون، كيف هذه أشبه وهذه عهد وهذا ميثاق نصر لله؟ قال: لا، فقال زيد بن ثابت رحمه الله: لا تستعجل على الغلام، لا تستعجل، ماذا تقول؟ يعني أيش رأيك؟ هل معك انتقاد؟ ماذا تقول؟ هنا الشاهد، قال: «إن الله أخذ علي عهدا»، هذا العهد أن الله عز وجل ما أوجدنا في هذه الدنيا إلا لعمارة بطاعته، هذا الذي أمرنا الله، هذا هو عهد الله لعباده ولخلقه، قال: «إن الله أخذ علي عهدا فلن آخذ بعد عهد الله»، سوى هذا العهد ما أخذ شيء بعد عهد الله، قال: فقنع، فاقتنع الجميع برأيه، فرجعوا من أولهم، وأبطلوا الكتاب، شعروا صحيح هذا خطأ، كيف نقيم عهد الله؟ يكفينا، يكفينا العهد الذي بيننا وبين الله، الله عز وجل أمرنا بالطاعة، أمرنا بالواجبات، أمرنا بالمعروف، وأمرنا بالنهي عن المنكر، وأمرنا بصلة الأرحام، وبذلك إقامة الدين وبنصرة الدين، هذا بيننا وبين الله مفروغ منه. فعلى ما نأتي بهذه البيعات أو هذه المعاهدات التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ فكان من رأيه رحمه الله قال: «إن الله أخذ علي عهدا فلن آخذ عهدا بعده»، حتى أن القوم اقتنعوا جميعا، ولهذا إخواني في الله فمن ابتلي وقد وجد من ابتلي بمثل هذه البيعات والعهدات التي أخذت عليه من فلان وفلان من تيارات ومن تنظيمات، عليه أن يبطلها. قد يأتي السؤال: وكيف المخرج؟ قال علماؤنا: من أخذ عليه بيع أو عهد ونحو ذلك، فعليه أن يخرج بكفارة يمين، كفر يا عبد الله، كفر وخرج وخرج عن هذه المآزق التي وقعت نفسك فيها، وأوقعك غيرك ممن قل علمه واضمحل ورعه، فكفر عن يمينك يا عبد الله، وارجع إلى ما كان عليه الناس وكانوا ولازالوا، يكفينا ما بيننا وبين ربنا من الأوامر والنواهي. هذا الذي أذكره في هذا المقام، وسيأتي معنا كذلكم بعض الأحاديث ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.