الدرس في شرح كتاب التوحيد 286، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح النبي صلى الله عليه وسلم لأمراء الجيوش أهمية تقوى الله والاستعانة به في الجهاد. يشدد على ضرورة تقوى الله في قادة الجيوش والمسلمين معهم.
يتناول الرسول صلى الله عليه وسلم توجيهاته في الجهاد، مشددا على إعلاء كلمة الله وعدم الغلول أو الغدر. كما يحذر من تمثيل الجثث ويأمر بعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ.
يشرح المقطع سماحة الإسلام في قبول التائبين ويعفو عن أفعالهم السابقة. يشير إلى أن من يجيب دعوة الإسلام يقبل منه ويعفى عما سلف.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن بريدة رضي الله تعالى عنه، أورد المؤلف رحمه الله تعالى في ختام هذا الباب، والذي عنون له بقوله: باب ما جاء في ذمة الله وفي ذمة نبيه عليه الصلاة والسلام، ختم به حديث بريدة، وحديث بريدة رواه مسلم في صحيحه، والحديث كمن يتابع، هو من الأحاديث الطويلة، فحسبنا في هذا المقام أن نعلق منه على شيء منه. قال عن بريدة رضي الله تعالى عنه: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، كان رسول الله إذا أمر أميرا -أي نصب أميرا على سرية أو جيش- وبهذا نعلم أن من مهام أولاة الأمور عقد الألوية وإعداد الجيوش والسرايا والبعوث، وذلك لحماية الحدود وحماية الثغور والرد على الأعداء. وفي قوله: «إذا أمر أميرا على جيش أو سرية»، يفرقون بين الجيش والسرايا بأن السرايا أقل من حيث العدد، فقيل: السرية هي التي تضم ما يقدر بأربعمائة فارس ونحو ذلك، وأما الجيش ما هو أكثر وأعظم، هذا وجه. وجه آخر: منه من قال أن السرية هي التي لا يخرج فيها رسول الله -كهذا الحديث- إنما هو الذي يرسل، لا يكون معهم، يخرج معهم. وسمة السرية سرية لأنها في الغالب تسري ليلا، تسري ليلا تؤدي هذه المهام القتالية في جنح الظلام، فلا يشعر بها أحد. قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله في خاصته ومن معه من المسلمين»، خيرا هذه وصيته لأميره الذي يؤمره على الجيش والسرية، أن يأمره بتقوى الله جل وعلا، وتقوى الله: أن يجعل العبد بينه وبين الله وقاية بفعل الطاعات وترك المحرمات، وأعظم بها من وصية، فلا بد أن يكون الأمير الذي ينطلق بهذا الجيش أن يكون في غاية من تقوى الله عز وجل، عنده خوف من الله، يكف عن الذنوب والمعاصي، لا بالعكس أن تقاد هذه الجيوش ويجعل زمام أمرها بيد قائد تارك للصلاة، أو أنه منبعث على فعل الفواجر والعظائم والمبيقات. قال: «أوصاه بتقوى الله في خاصته ومن معه من المسلمين خيرا»، وقال: «أغزو بسم الله في سبيل الله»، أغزو، ثم يأمر هذا القائد بأنه ينهض بهذا الجيش، وأن يجعل الله عز وجل هو القصد والغاية في الظاهر والباطن، «أغزو بسم الله» أي مستعينين بالله سبحانه وتعالى، فما النصر إلا من عند الله، فإذا أرادت أمة من الأمم الإسلامية أن الله عز وجل يمكنها على أعدائها، فلتستعين بالله سبحانه وتعالى. قال: «أغزوا بسم الله في سبيل الله»، وهذه الغاية أن يكون غاية الجهاد لا يقوم على حظ من حظوظ النفس، على رياء أو سمعة أو استعانة على الكثرة، أو يكون هذا الجيش مبتلى بالشركيات، كمن يتعلق بالأنداد أو من يتعلق بالطلاسم والسحر والصرف، كما تحصل في بعض المناطق، فيكون أمرها وبالا على نفسها، فإن الجيش ينبغي أن يعظم الله جل وعلا استعانة وقصدا، يغزو ويريد بغزوه في سبيل الله، بأن تكون كلمة الله هي العليا. قال: «قاتلوا من كفر بالله»، وهذه من وصايا عليه الصلاة والسلام، «قاتلوا من كفر بالله»، وفي هذا الحديث من هذا المقطع بالذات إشارة إلى علة القتال، ما هي علته؟ الكفر، الكفر، فمتى ما وجد الكفر على وجه الأرض، فإن راية الجهاد تخفق وترفع عاليا وترفرف هنا وهنا، لن تضع الرايات أو توضع في الأرض ما دام الكفر اشتعل في الأرض، «قاتلوا من كفر بالله»، متى ما وجد الكفر وجد القتال والجهاد. وفي هذا رد إخواني في الله أولا على من زعم أن القتال إنما كان في سبيل الدفاع عن النفس، كما نسمعه من بعض المتأخرين، يرى أن الجهاد والقتال إنما شرع للدفاع فقط، وهما يسمى جهاد الدفع فقط، تقاتل من قاتلك، تقاتل من غزاك واعتدى عليك فقط، بعد ذلك ضع السلاح وضع القتال، ما هناك جهاد بعد هذا، ليس لك حق في أنك تذهب يمنة أو يسرى تقاتل الكفار، وهذا ليس بصحيح. قال: «أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا»، من وصاياه عليه الصلاة والسلام لأمراء الجيش والقواد أن يتخلقوا بهذه الأخلاق، وهي من الأخلاق العالية ومن الآداب السامية التي ما يأتي أحد بعد ذلك ويعلم المسلمين شؤون القتال والآداب القتالية، بل نحن نعلم غيرنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «ولا تغلوا»، وهو الغلول، والغلول هو الأخذ من مال الغنيمة قبل أن تقسم، ما يجوز، بل ينبغي أن يكون القائد وهكذا الجندي في غاية من التورع عن الحرام، فلربما يرى الأموال أمامه، ومع ذلك يكبح جماح نفسه، إذا سولت له نفسه أن يأخذ شيئا من الأمتع، يقول: لا، حتى تقسم، وبعد ذلك كل يأخذ قسمته من الغنيمة، ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة. قال: «ولا تغدروا»، الغدر وهو نقض العهد، لا يجوز، لا يكون المسلم ناقضا للعهد ولو مع كافر، ولو مع كافر أبرمت اتفاقا وصلحا مع كافر، قم، فإذا أردت أن تنكث هذا العهد، أبلغهم، قل لهم: ليس بيني وبينكم عهد، تم الإلغاء، أشعرهم بهذا، أما غدر، هذا ليس من صفات المسلمين. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تمثلوا»، التمثيل ها هنا بمعنى التشويه، التشويه في الجثث، وهو أن يؤتى إلى قتيل ما إلى الجثث، ثم نقوم بتمثيلها وتقطيعها، مثل: جدع الأنوف، وقطع الآذان، وبقر البطون، يفعل هذا بعض الناس، إذا طلب الطرف الثاني أن نسلمهم الجثث، يأتي القائد يقول: لا، لا تطعموا الجثث هكذا، شويهوها، قطعوا، فيتلاعبون بالجثث، ثم ترسل، هل هذا يجوز؟ الجواب: لا يجوز، «ولا تمثلوا»، الجثة ترجع إلى شأنها، أو تترك، أو رأيتموها في أرض المعركة، تركوها، لا تعبثوا بها. قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تقتلوا وليدا»، الوليد الذي يتكلم، هناك الوليد ها هنا بمعنى الصغير، بمعنى الصغير، فقال: «ولا تقتلوا وليدا»، الصغير ليس من شأنه القتال، فكيف يستباح دمه؟ كيف يقتل؟ فلا يقتل الصغار، وألحق العلماء بالصغير كل من كان على شاكلته ممن لا يشارك ولا يقاتل، أدخل العلماء النساء، أدخل العلماء الشيوخ الكبار العجزة، أدخل العلماء أصحاب الصوامع الرهبان، وهكذا الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، هؤلاء الذين ليس من شأنهم قتال، فهؤلاء يتركون، يتركون، لا يقاتلون، ولا نقتلهم إلا إذا شاركوا، إلا إذا شاركوا في القتال، حين نقتلهم، مثل كما يقع الآن في المعسكرات أو في الجيوش، تجد الجيش تشارك فيه نساء جنديات، تقتل؛ لأنه محسوبة على العدو. قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال»، وهذا من وصية رسول الله للقائد والأمير، أنك إذا التقيت بعدوك الكافر، حينها تخيرهم بثلاث خصال أو خلال، وهذا شك من الراوي، وهي بمعنى واحد، بمعنى ثلاثة أمور تعرض عليهم، الأمور الثلاثة. قال عليه الصلاة والسلام: «فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم»، دع له الخير الثلاثة، قل: يا أيها الكافر، نحن الآن على احتدام بيني وبينك، انظر لهذه الأمور، فإن اخترت واحدة منها كففنا عنك وانتهينا، طبعا ستكون الأمور الثلاثة هي الإسلام أو الجزية أو الجهاد والقتال، هذه الثلاثة لا مناص منها، يخير الطرف الثاني بأن يقبل بأيها، فإن قبل بالأولى كان، بالثانية كان، بالثالث هو على ما أراد. قال عليه الصلاة والسلام: «ثم ادعهم إلى الإسلام»، هذه الخلة والخصلة الأولى، أننا ندعوهم إلى الإسلام، ارجعوا وكونوا معنا أمة واحدة، نعبد الله وحده، وهنا مسألة وهي في قوله: «ثم»، اختلف العلماء في كلمة «ثم» هذه من أين دخلت؟ ومن أين جاءت؟ وما محلها؟ وما موقفها؟ أكثر العلماء يرى أن «ثم» هذه زائدة، وإن كانت في جميع نسخ صحيح مسلم مثبتة، لكن هذه الرواية جاءت عند أبي داود بحذف «ثم»، عند أبي داود بحذف «ثم»، فيكون العبارة الصحيحة: ادعهم إلى الإسلام مباشرة، ما عندي «ثم»، ليس عندي «ثم». قال عليه الصلاة والسلام: «فإن أجابوك فاقبل منهم»، إذا هم وافقوا على الإسلام، عفى الله عما سلف، وانظر إلى سماحة الدين، إلى سماحة الدين، الإسلام يجب ما قبله، مهما فعلوا، سواء كان من التفريط في حق الله أو مهما فعلوا فيما فعلوا في أمة الإسلام، فالله يعفو عنهم، تركنا، سامحناكم، ارجع إلى الدين وانتهينا، أقبل منهم، ويقبل منهم الإسلام، ولا يؤاخذون بشيء بعد ذلك. نقف إلى هذا الحد كما قلنا، والحديث طويل، وتحته مسائل، وهناك كذلك كلام يطول فيما سيذكره نبينا من الوصايا، يرجى الحديث عنه بإذن الله إلى درس قادم. إلهنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.