الدرس في شرح كتاب التوحيد 287، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث بريدة حول كيفية التعامل مع الكفار عند لقائهم ودعوتهم إلى الإسلام وطلب الجزية. يتناول الشرح تفاصيل العملية والمسائل المتعلقة بها.
يتناول آراء الفقهاء حول الجزية وذمة الله ورسوله في الحرب وكيفية التعامل مع الكفار عند محاصرة الحصون وتقديم العهود والضمانات.
نهى النبي عن إخفار ذمة الله ورسوله في المعاهدات مع الأعداء وأمر القادة أن ينزلوا الأعداء على حكمهم لتجنب الاتهام بالكذب أو الخداع.
تأكيد على أن الذمة تعني العهد والضمان وليس اليمين، ويختتم بالدعاء للاستفادة من الشرح والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذا الدرس في شرح حديث بريدة المرفوع عن رسول الأنام عليه الصلاة والسلام، والذي ختم به المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب: باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه عليه الصلاة والسلام. وكان ما مضى معنا في حديث بريدة فيما كان من وصيته عليه الصلاة والسلام لقواده وأمرائه إذا بعث البعوث والسرايا والجيوش، أن ذكرهم بتقوى الله والرفق والإحسان لمن هم تحت أيديهم من الجند، والرعاية، وأمرهم كذلك أن يغزوا باسم الله وفي سبيل الله، وأن يقاتلوا من كفر بالله، وأنهم لا يغلوا ولا يغدروا ولا يمثلوا ولا يقتلوا وليدا. قد مرت معنا المسائل المتعلقة بهذا الباب، ثم أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم القائد بأنه إذا لقي عدوه من المشركين، حينها يخيره بين خصال ثلاث، ينظر هذا المشرك أيهما يختار، يقبل منه الخيار. فكان الخيار الأول أن يعرض عليه الإسلام، أن يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم فإن من تمام إسلامه الهجرة، تمام إسلامه الهجرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتحول. قال: «ثم ادعوهم إلى التحول». وقلنا: الخلاف في هذه المسألة كما قال العلماء: إما أن التحول كان واجبا في بداية الإسلام ثم نسخ، أو أن التحول من باب الاستحباب، وهذا باق إلى يوم الساعة. الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين، من البلاد التي يكون فيها التوحيد، هذا الأولى والأجدر، وهي باقية إلى قيام الساعة. ولا زالت بلاد المسلمين ولله الحمد، مع وجود الشر الذي دب فيها، لكنها أفضل بكثير من مجتمعات الكافرين. ومن المخجل ومن المؤسف أن تجد بعضا من الناس من يفر بدينه -سبحان الله- يفر بدينه من بلاد الإسلام ويهاجر إلى بلاد الكفار، عكس هذا طمس في البصيرة، ثم وهو هناك يوبخ ويؤنب المعاصي والفسق الموجود في بلاد الإسلام، ويا سبحان الله، وما الذي تعيش أنت فيه؟ تعيش بين أماكن قد ضجت بالعهر والفساد من الدرجة الأولى. لكن الحاصل أن الله عز وجل على لسان نبيه جعل من تمام الإسلام الهجرة. ثم قال عليه الصلاة والسلام مبينا موضوع الهجرة: «قال فإن أبوا أن يتحولوا منها»، أي: إذا أبى هذا الكافر إلا أن يبقى في تلكم الديار مع إسلامه، قال: «فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أن يكونوا كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين». أي: إذا أراد هؤلاء الذين أسلموا ثم أرادوا أن يبقوا في بلادهم وديارهم مع وجود الكفر، إذا أبى إلا أن يبقى هنا لكم، فحين يخبر بأن حالك سيكون كحال أعراب المسلمين، والأعراب هم الذين يعيشون في البوادي، ليس لهم تعلق بالهجرة، وليس لهم تعلق بالغزو، ينشغل أحدهم بنفسه، فهؤلاء ليس لهم في الغنيمة، وليس لهم في الفيء شيء. وهكذا ستكون أنتم، ما يأتيكم شيء من الغنائم إن جاءت للمسلمين، ولا شيء من الفيء، اللهم إلا ما يكون من أمر الزكاة، إلا ما كان من أمر الزكاة، فإن كان مستحقا لها فإنه يعطى منها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإنهم أبوا فاسألهم الجزية». إذن انتهينا من الأمر الأول: الإسلام وما يتعلق بكماله وتمامه: الهجرة. فإذا أعرض الكافر عن هذه الفقرة جملة وتفصيلا، ما أراد الإسلام ولن يدخل تحت هذا الدين، وإنما أصر على الكفر، يقول: «ديني وهو دين آبائي وأجدادي، ما أنا بتارك له». حينها ننتقل معه إلى الخصلة الثانية. قال عليه الصلاة والسلام: «فإنهم أبوا فاسألهم الجزية». والجزية هو مال يدفعه الكافر للمسلم مقابل أن يعيش تحت حماية المسلمين، تحت حمايتهم وتحت رايتهم، نبقى على كفره، كان يهوديا كان نصرانيا كان على أي ملة، كما سيأتي، يبقى هذا الكافر على كفره، لكن يضع جزية، يضع الجزية عن يد وهو صاغر، وهو ذليل، يعطيها لأهل الإسلام. هذه هي الحل الثاني، إن أحب أن يبقى على دينه. والجزية -إخواني في الله- تحتها مسائل كثيرة، وقد ألفت مؤلفات حول ما يتعلق بمن تؤخذ منهم الجزية، لكن حسبي في هذا المقام أن أشير إلى مسألة يذكرها الشرع في هذا الوقت، وفي هذا المقام، من تؤخذ منهم الجزية؟ لأننا إذا نظرنا إلى واقع الكفار فإنهم صور وألوان وأصناف شتى، ومذاهب متعددة، فاختلفت أنظار العلماء في من هو الذي يعطى له فرصة في دفع الجزية. فمن أهل العلم من ذهب إلى أن هذه الجزية تؤخذ من كل كافر، من كل كافر، عربي أو عجمي، كتابي أو لم يكن كتابيا، كأن يكون من عباد الأوثان والأصنام؛ لأن الكفار منهم من هو أهل كتاب من اليهود والنصارى، ومنهم من هو مشرك وثني يعبد الصنم والوثن والشجر والحجر. فالمذهب الأول من يعم قال: كل كافر يعطى له فرصة وهي الخصلة الثانية أن يدفع الجزية وتقبل منه الجزية. والمذهب الثاني مذهب من قال: إن هذه الجزية إنما تؤخذ من جميع المشركين ما عدا مشركي العرب، نأخذها من الترك، من البربر، من أي الجاليات، أما مشرك عربي لا، ما لك جزية، ما لك إلا أن تأتي بالإسلام أو نقاتلك، ما نجعل لك فرصة تعيش وأنت بكفرك وعروبيتك تبقى كافر. فمذهب الثاني يرى أن الجزية إنما تؤخذ من الأعاجم، من ليس بعربي، سواء من أي دين كانوا، من أي ملة كانت. والمذهب الثاني هو المذهب الشهير، وهو قول جماعة من العلماء، وهو الذي عليه إمام الشافعي رحمه الله، والإمام أحمد: أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب فقط، من كان من أهل الكتاب، كتابي يهودي أو نصراني، تؤخذ منه الجزية، أما من كان من عباد الأصنام، من كان من عباد الأوثان، فهذا لا تؤخذ منهم الجزية، هؤلاء ما لهم إلا السيف، ما لهم إلا السيف، ولا تبقى لهم حياة على هذا الدين الفاسد الكاسد. وهذا الذي عليه الإمام الشافعي والإمام أحمد، وتم خلاف بينهم في مسألة دقيقة، وهي مسألة المجوس: هل المجوس يدخلون في أهل الكتاب أم لا يدخلون؟ وقع الخلاف في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، وجاءت بعض الآثار يحسنها جماعة من أهل العلم على أن النبي أخذ من المجوس الجزية، ولهذا يقاس المجوس مع أهل الكتاب، يلحقون مع أهل الكتاب. فهذا -أخواني في الله- في مسألة: «فإنهم أبوا فاسألهم الجزية». ثم قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «فإنهم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم»، أي: إن تركوا الخصلة الثانية، مع أنها فرصة سانحة لهم بأن يبقوا على الحياة وعلى دينهم مقابل مال، أبوا، قالوا: «لا والله لا نأخذ دينكم ولن نتنازل عن ديننا، ولا ندفع لكم مال». حينها الانتقال إلى الخصلة الثالثة، وهي الأخيرة، وهي قضية الجهاد. قال: «فإن أبوا فاستعن بالله». والقتال يكون بأخذ العون من الله عز وجل، لا بنظر إلى كثرتنا، ولا إلى عددنا، ولا إلى عدتنا، ولا إلى قلتنا، حتى القلة ما هي مانعة من الغلبة. ومن نظر إلى فتوحات أهل الإسلام، كان يقاتلون الدول والحصون والأمصار، وهم أضعاف مضاعفة، إذ بنصر الله يتنزل على المسلمين مع قلتهم، وذلك لأنه من استعان بالله أعانه الله، «احفظ الله يحفظك»، وما النصر إلا من عند الله. قال عليه الصلاة والسلام: «فإنهم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم». «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه»، أي: وإذا حاصرت حصنا من الحصون، وأذعنت البلدان التي تعتمد على التحصن في القلاع، ولا تكون حروبا في البرية، في القلاع، حاصرت حصنا أو قلعة، ثم ضاق بهم الأمر، فأرادوا أن ينزلوا على ذمة الله وذمة نبيه. هنا الشاهد من هذا الباب كله، هذه الفقرة، قال: «فإن أرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك». قال العلماء هنا: النهي، «فلا تجعل لهم ذمة الله» نهي كراهة، كراهة التنزيه، لا تجعل هذا بمعنى لا تفتح على نفسك هذا الباب، لماذا؟ بل اجعل لهم أمرا آخر، أنزلهم في ذمتك. إذا قالوا: «نحن سننزل على ذمتك، على ذمة الله ورسوله»، فحينها إذا سمعت هذه العبارة من الكافر المتحصن، أراد أن ينزل في ضمانتك، قل له: «لا، أنا ما أستطيع أن أنزلك في ذمة الله وفي ذمة نبيه»، ليس للتحريم، لا، كراهة، لماذا؟ كراهة أن يقع نقد من قبل من قبلك أنت أيها القائد، ومن قبل جيشك؛ الجيوش كثيرا ما تكون فيها أعداد غفيرة من الجند، لكن هل هم على سواء في العلم والمعرفة والتقى والصلاح والفلاح؟ الجواب: لا، يتفاوتون تفاوتا عظيما. فلربما كان في الجيش من هم من العجم، من هم من البدو، من هم من الجهلة، فلربما إذا تمت الهدنة وتم الصلح ونزول وفك الحصن على أن هؤلاء الكفار ينزلون على ذمة الله وعلى ذمة رسوله، فإذا ابتلينا ببعض الحوادث من الجند من المسلمين من قتل ومن سفك، فحينما سيتحدث الناس: «من ذمة معكم هذه؟ هذه ذمة الله ورسوله»، هذه فحين سيتقع الملامة على الله وعلى رسوله، وهم بريئون من هذه الأفعال. ولهذا ما هو الحل؟ الحل: أنزلهم على ذمتك أنت، أنا على ذمتي، على ضمانتي، كما تفعل. ولهذا قال علماء هنا: الذمة ليست يمينا، الذمة ها هنا عقد، ليست يمينا؛ لأن لو كانت يمينا ما جاز أن تنسبها إليك؛ لأن من حلف بغير الله فقد أشرك، وإذا كانت الذمة يمينا إذا ما جازت، لكن هنا لا، الذمة ليست يمينا، وإنما عقد وضمان. فتقول لهم: «يا أهل الحصن اخرجوا وانزلوا وافتحوا الأبواب، لكن على ضمانتي، على ضمانتي، بحيث لو قدر لو قدر أن شيئا وقع، فمن يتحمل؟ أنا القائد؛ لأنهم نزلوا على ضمانتي، فإذا وقع خفر ووقع كذلك نقض، فأنا أتحمل». ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك»، قال: «فإنكم»، وهذا الشاهد، «إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه»، هذا الشاهد. فالكراهة كما قال العلماء: كراهة التنزيه، حتى لا تقع الملامة من حيث لا تشعر، وإنما ينزل الناس على ذمة القائد العسكري وصاحب الجيش وصاحب اللواء. قل: «أنزلوا وانزلوا على ذمة». وفي قول نبينا: «أهون»، دل على أن بعض الشر أهون من بعض، وأن الإثم يتفاوت، وأن المخالفات تتفاوت فيما بينها، هناك الأعظم وهناك الأدنى، وفيها، الأعظم والأدنى. وفيها أن المفسدة الكبرى تدفع بالمفسدة الدنيا؛ لأن يكون هناك إخفار ونقض منكم أهون من أن يكون الإخفار باسم الله وباسم رسوله عليه الصلاة والسلام. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا». هذه آخر فقرة في هذا الحديث، فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد القائد، وهذه من الوصايا العظيمة التي ينبغي أن يتعلمها القواد، ومن كان من أرباب الجيوش، ليس فقط التربية هنا تربية عسكرية بحتة محضة، بل لا بد أن القادة يتعلم التربية الدينية الشرعية، وفيها ما ينبغي عليه معرفته من أحكام الشرع الذي به يفهم القائد ما يجوز وما لا يجوز. وهذه مسألة مما نبه عليه نبينا القواد في قضية الحصار أيضا. «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله»، فتجد أثناء الحصار طال الحصار: أيام، أسابيع، أحيانا أشهر، الحصار يطول أحيانا أشهر، يتعب الجميع، لكن أهل الحصن يتعبون إذا ما استعدوا بالمواد والغذاء، تجدهم يرفعون الرايات البيضاء: «ماذا تريدون؟» قالوا: «سننزل، لكن ننزل على حكم الله». ننزل على حكم الله، هم يسمعون عن الدين وعن سماحة الدين، ستجدون عفوا وتجدون مسامحة. قال: «خلاص، إذا كان هذا الدين هكذا، إذن سننزل على حكم الله». فيشدد على القائد المسلم أن النزول على حكم الله: ماذا قال نبينا؟ «فلا تنزلهم على حكم الله، لا، لا تنزلهم على حكم الله، وإنما أنزلهم على حكمك أنت». قل: «لا حكم الله، لا، لكن انزلوا على حكمي أنا». سأحكم فيكم بما يرضي الله عز وجل. لماذا؟ هاهنا نبينا طلب من القائد أن لا ينزلهم على حكم الله، قال عليه الصلاة والسلام: «فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا»؛ لأن هنا ستكون المسألة اجتهادية، هذه المسألة الاجتهادية سيكون فيها التفاوض بين المسلمين وبين أهل الحصن، في أموال، في عقارات، في دماء، في أشياء، الآن سيتكلم القائد باسم العلم والدين. فإنك -أنت- تتكلم الآن في هذه القضايا، هل كلامك سيكون هو حكم الله حقا وصدقا مطابقا من وإلى؟ أم أنه أمر اجتهادي؟ الأمر اجتهادي، هذا إذن فيه احتمالية الإصابة أن توفق، واحتمالية الخطأ أن لا تصيب حكم الله. وقد جاء في الحديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر»، إذن الحاكم الذي يحكم معرض بين الصواب والخطأ. فأنت إذا أنزلت هؤلاء على حكم الله، ثم أبديت حكمك، ثم اتضح فيما بعد أن هذا ليس هو حكم الله، أنت في نفسك مجتهد، لكن عند غيرك من الكفار: ماذا يعدونك؟ يعدونك كاذبا، مفتريا، خدعتنا، كيف تقول: «حكم الله»، ثم هذا يصبح حكم الله؟ ما الذي فعلت؟ ولهذا أمر نبينا هذا القائد أن يستبعد حكم الله في مثل هذه المسائل الاجتهادية، وأنزلهم على حكمك أنت، أنزلهم، قل: «لا، ما أنزل على حكم الله، لكن سأحكم فيكم بما أعلم وبما أرى». أنا من حكم الله، بين على أن هذا من اجتهاداتك الذي أنت ستتق الله جل وعلا فيهم. هذا الذي فهمه العلماء من هذه المسألة على هذا المنحى، على قول من يقول من الشراح: أن هذا الحديث عام، أن كل قائد يسلك هذا المسلك في الأمور الاجتهادية مع الأعداء، يستبعد حكم الله ويأتي بحكم نفسه الذي يتقي الله فيه، حتى لا يقع في الخطأ. ومن أهل العلم من ذهب أن هذا الحكم خاص، وذلك أيام التشريع فقط، كما مال إلى هذا سماحة الشيخ ابن باز، وقال بهذا ابن عثيمين: أن هذا خاص في أيام التشريع فقط. في أيام التشريع الوحي ينزل، وأنت تفتح حصنا وأرادوك بحكم الله، لا تنزلهم على حكم الله، لماذا؟ لأن التشريع لا يزال ينزل، فكيف تعطي حكم الله؟ ولربما يأتي النسخ فيما بعد. فقالوا: في أيام التشريع ما يجد للقائد أن ينزل قوما مع حكم الله، لكن لما انتهى التشريع وانقطع الوحي، كهذه الأزمان، لك أن تنزلهم على حكم الله، أو كما قالوا العثيمين: من باب التحرز، قالوا: «أنزلكم على ما أفهم من حكم الله». هذا -أخواني في الله- خلاصة ما يذكر في هذا المقام، والشاهد من حديث بريدة بأكمله: ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم من تعظيم ذمة الله وذمة نبيه عليه الصلاة والسلام. وقد مرت المسائل الكثيرة المتعلقة بمعنى ذمة، ومسائل أحكامها، وأنها بمعنى العهد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.