شرح كتاب التوحيد 165

شرح كتاب التوحيد 165

الدرس في شرح كتاب التوحيد 165، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من الخصال الجاهلية

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخصال الجاهلية مثل الفخر بالأحساب والاستسقاء بالنجوم. هذه الخصال مذمومة في الإسلام الذي يبالي بالدين والتقوى.

خصال أهل الجاهلية المذمومة ونهي الإسلام عنها

نهى الإسلام عن خصال أهل الجاهلية مثل الطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة عند الموت. هذه الأفعال من كبائر الذنوب.

عقوبة النياحة وعقوبات أخرى

النائحة ستعاقب يوم القيامة بارتداء سربال من قطران ودرع من جرب. النياحة من كبائر الذنوب وقد نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام.

ضوابط التعبير عن الحزن في الإسلام

ينبغي التعبير عن الحزن بالبكاء دون زيادة، لأن الزيادة قد تدل على التسخط على أقدار الله. الإنسان مطالب بالانضباط بضوابط الشرع.

التفريغ النصي الكامل

طيب، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد، لازلنا في هذا الباب، والذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء. وهنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جارب». رواه مسلم. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث لكي يستدل به على ما نحن بصدده من التحذير من الاستسقاء بالأنواء، فأورد رحمه الله تعالى حديث أبي مالك الأشعري، والذي هو في الحقيقة قد حوى على عدة مسائل. فقوله عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي»، أربع مر معنا دائما نذكر بهذه القاعدة على أن أسلوب العدد لا يفيد الحصر، وإنما يفيد الأهمية، أي أن هذه الأمور من أهم أمور الجاهلية التي ينبغي أن تترك وأن تبعد. فقال عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي»، أي في أمة محمد، أمة الإجابة عليه الصلاة والسلام، أي أن هذه الأمة ستبتلى فيها هذه الخصال، حتى إنه قال: «لا يتركونهن»، أي تبقى هذه المسألة مستفحلة فيها، منتشرة في أفرادها، لا يتخلص الناس منها بسهولة. قال عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، الجاهلية هي الحقبة الزمنية التي كانت قبل البعثة، كل ما كان قبل البعثة قبل بعثته عليه الصلاة والسلام يقال عنه جاهلية، وسميت تلكم الحياة بالحياة الجاهلية لعظيم جهلهم، لفرط جهلهم. فسميت بالحياة الجاهلية، والقاعدة الشرعية أن أي أمر ما أضيف للجاهلية فإنه يراد منه الذم، إذا رأيت عبارة منها: «أن هذه مشية الجاهلية»، «هذه عبارة الجاهلية»، «هذه كذا»، إنما يراد منها ذمها، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، فكل ما يضاف إلى الجاهلية فهو يخرج مخرج الذم استحقارا لأمره، ويكفي في احتقاره أنه يضاف إلى تلكم المرحلة التعيسة من مرحلة البشرية، لما عاشت من غير وحي ولا رسالة. ومن هنا، إخواني في الله، ينبغي للإنسان أن يعظم من هذه المسألة، فإذا علمت وتعلمت على أن أمرا ما أقوال، أفعال، أحوال من أمور الجاهلية، إياك ثم إياك أن تأتي بها؛ لأن أمرك عظيم عند الله جل وعلا وخطير. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك في حديث ابن عباس: «أبغض الرجال إلى الله ثلاثة»، وذكر من هؤلاء: «ورجل مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية»، رجل حباه الله بالإسلام، حباه الله بهذا الدين الكامل المتكامل في كل شؤونه، ما يحتاج إلى أن تضيف إليه شيئا آخر، ثم إذ بك تأتي بسنة من سنن الجاهلية وتجعلها بين الأمة عوضا عن شرائع الإسلام، هذا من أبغض الرجال عند الله. ففي هذا الحديث ذكر لنا نبينا أربعة خصال من خصال الجاهلية: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن»، وليس معنى عدم الترك أنهم يعذروا، لا، بل هذا وصف مدى استئصال أو مدى تمكن هذه الخصلة الذميمة في قلوب أصحابها، ومع ذلك ينبغي وجب أن تتخلص منها. قال عليه الصلاة والسلام: «الفخر بالأحساب»، الفخر بالأحساب، الحسب هو كل ما يفتخر به، كل ما يفتخر به: منصب، نسب، جاه، كما يكون لبعض الناس يحبه الله جل وعلا بنسب شريف، أو بمنزلة رفيعة، منزل اجتماعي يشار له بالبنان، فقام هذا وجعل هذا الحسب محلا للمفاخرة. الفخر بالأحساب، الفخر بمعنى التعاظم، أنه يتعاظم على غيره بحسبه، يتعاظم على غيره بنسبه، يتعاظم على غيره بوظيفته، يتعاظم على غيره بما آتاه الله من شرف وسيادة، هذه من خصال الجاهلية. قد نجدها عند بعض الناس، من عنده كبر، قل له: يا عبد الله، كبرك هذا منتزع من أمر الجاهلية؛ لأن الإسلام ما يبالي بالأحساب، ولا يبالي بالقبائل والأعراف، إنما يبالي بالدين، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، هنا المزية، مزيتك على غيرك يا عبد الله بما يكون من تدينك لربك. قال: «الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب»، الخصلة الثانية من خصال أهل الجاهلية، ما يكون من الطعن في الأنساب، أنك يا عبد الله تتكلم على أنساب غيرك بالذم، بالتنقص، بالطعن، بالغمز، باللمز، من غير بينة ولا برهان ولا مصلحة، مثل أن يأتي أحد من الناس ويقول: والله ما أظن أن فلانا من بني فلان، ما أظن، ما أظن، ما معنى ما تظن؟ يعني فهموها: ما أظن أن فلانا ابن أبيه، بعيد، يعني من أين جاء هذا الطعن في أنساب الخلق وأنساب الناس؟ من كبائر الذنوب، من فعل الجاهلية؛ لما فيها من التنقص والطعن في أعراض المسلمين والمسلمات، هذا لا يجوز. لكن إن خرج منك هذا الكلام على مقام التصحيح لأنساب هذا أمر آخر، تصحيح الأنساب هذا أمر آخر، كون أن إنسانا ما يعدل ويصحح في أنساب البشر والقبائل والخلق، فيقول: إن فلانا نسبه كذا وكذا وكذا، أما فلان نعم ما ندري كيف نسبه، كيف دخل على آل فلان، الله أعلم؛ لأنه عنده علم، هذا ما يسميه العلماء بعلم الأنساب، هو علم شريف، علم الأنساب علم شريف، لكن يقوم على قواعد، يقوم على استقراء، يقوم على التتبع، وهذا لا يضر. كون أن ينفى إنسان عن نسبه بحق، مثل ما فعله العلماء مع من؟ مع الفاطميين، الدولة الفاطمية التي اتسعت بلاد مصر والمغرب ردحا من الزمن، عاثوا في الأرض فسادا تحت مسمى الفاطميين، بمعنى أنهم من آل البيت، فإذ بعلمائنا وعلماء أهل الأنساب كشفوا اللثام، قالوا: هذا كذب، ما كان هؤلاء من آل البيت؛ لأن هؤلاء من آل عبيد، العبيديون من آل بنين قداح، ليس لهم مدخل لا من آل البيت لا من قريب ولا من بعيد، من أين جاءوا؟ فكان هذا العلم ينتفع منه، وهو تصحيح الأنساب، ففرق بين تصحيح الأنساب وبين الطعن والغمز في الأنساب. فإذا أقدمت يا عبد الله على أنك تطعن في عرض إنسان، تطعن في نسبه من غير بين ولا برهان، فاعلم أن فيك خصلة من خصال أهل الجاهلية. والأصل في هذا الباب كما يقول العلماء: الناس أمنى على أنسابهم، هذا الأصل، الناس أمنى على أنسابهم، إلا أن تأتي ببينة تخرج هذا عن أصله. فأتي يا عبد الله ما عندك من برهان، وهذا علم جليل يكون فيه النظر بين العلماء وبين النسابين وبين المؤرخين. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والاستسقاء بالنجوم»، هذه الخصلة الثالثة، الاستسقاء قد مر معنا، وهو طلب السقية، طلب سقية السماء عن طريق النجوم، وهذا من عادات أهل الجاهلية، من عباد الأصنام والكواكب كالصابئة وغيرهم. والاستسقاء بالنجوم أنك تطلب وتعتقد أن للنجم أثرا على الأمطار، يكون على عدة جهات، إما أنك تستغيث وتنادي الكوكب: يا نوأ كذا أغثنا، أمطرنا، قد أقحلنا، قد كثر فينا الجذب، فأغثنا من عندك، هذا يكون استغاثة، أو أنك تعتقد اعتقادا على أن هذه الأمطار إنما جاءت بتأثير النجوم عليها، أو تعتقد أن النجوم سبب أن هذا النجم الفلاني سبب في نزول الأمطار، هذا يدخل كله في استسقاء بالأنواء، منه ما هو من الشرك الأكبر، ومنه ما هو من الشرك الأصغر، وقد مضى ذلك معنا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والنياحة»، النياحة هي الخصلة الرابعة من خصال أهل الجاهلية، وهو ما يكون من رفع الصوت عند مصيبة الموت، إذا وقعت حادثة الموت لأحد الناس، تجد من ينوح، والنوح هو رفع الصوت، رفع الصوت لدرجة الصراخ والصياح والعويل، ويقع ذلك كثيرا في النساء، والرجال كذلك يدخلون في الحكم، وإن كان هذا قل منهم، لكن إن صدر من رجال، وقد يقع بعض الرجال، قليل الصبر، بعضهم قليل الصبر، لربما تجد أن الرجل عند موت قريب، كابنه، لربما يسقط من رجولته، فينهال بالصراخ والعويل. بل حتى أن منهم من لربما يدخل في الندب، فيأتي بعبارات تدل على سخطه وعدم رضاه، عدم رضاه، كما نسمع من بعض الناس: ما هو يومك؟ ما هو يومك؟ كيف ما هو يومك؟ يعني موته بالغلط، هذا الذي مات شاب مات الآن، وأنت تقول: ما هو يومك يا فلان؟ مات بالغلط، أم ماذا تعني؟ فالإنسان يحاول أنه عند الوفاة وعند الموت أن يتمالك نفسه، وخاصة من النياحة، ويصحب ذلك من شق الجيب. أما إذا كان موقف الإنسان من الموت البكاء وذرف الدموع، هذا لا شيء فيه، هذا لا شيء فيه، هذه من الطبيعة البشرية، بل هذه رحمة، وقد وقع ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام عندما بكى فذرف الدموع على صبي من قرابته مات، فذرف الدموع، فقيل له: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة»، «هذه رحمة». فالإنسان مهما عظم، فإن في قلبه رحمة على من يموت من قرابته وأرحامه، هذه لا يؤاخذ الله بها، لكن يؤاخذ الله باللسان وما يصدر من صراخ وصياح وعويل وعدم الرضا بالقضاء وقدر الله سبحانه وتعالى. فالنائح والنائحة إن فعلوا هذه الفعلة، فإنهم وصلوا إلى صفة أهل الجاهلية؛ لأن هذه من العادات المتأصلة في الجاهلية، ولا زالت. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جارب». ما معنى هذا الحديث حتى نفهم العقوبة التي ستصلت على أهل النياحة؟ العقوبة أن هذه النائحة ستقام يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وأنه سيكون عليها سربال من قطران، السربال هي الثياب الغليظة، الثياب الغليظة، هذا السربال، وهذه الثياب الغليظة، ما الذي عليها؟ عليها قطران، والقطران كما يعبر عنه العلماء هي مادة سريعة الاشتعال، مادة سريعة الاشتعال، بعضهم يعبر الآن بالزفت، هذا الزفت للشارع، المادة السوداء هذه، هذه الزفت تسمى أحيانا بالقار، تسمى بالزفت، بعضهم يقول: هذه هي القطران، هي مادة سريعة الاشتعال. طيب، هذه النائحة تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، يعطى تلبس بلباس غليظ، مصنوعة من مادة سريعة الاشتعال، هذه العقوبة الأولى، يظهر أثر هذه العقوبة بالعقوبة الثانية: «وعليها درع من جرب»، درع، والذي تلبسه النساء عندنا تسمى درع، تكون سابقا تغطي إلى الكفين وتغطي إلى الرقبة وتغطي كامل الجسد، كالقميص عند المرأة، درع، ويعطى لها درع من جرب، الجرب مرض جلدي، عافانا الله وإياكم منه، مرض يعني يكفيك من أنك تسمع باسم هذا المرض، تأتيك القشعريرة، يجعلك تحك، تجد هذا، سبحان الله، يبتل به حتى الحيوانات، فلا يزال يحك يحك يحك يحك حتى أيام وليالي حتى يصل إلى حد اللحم إلى حد العظم حتى يموت، نسأل الله السلامة والعافية. مرض جلدي اسمه الجرب، يعالج منه ببعض العلاجات، المرأة يكون لها درع من جرب، قميص من جرب، بعض العلماء أول هذا الحديث بمعنى أن هذه المرأة يكون عليها مرض الجرب، أين يكون هذا المرض؟ يكون في كل جسدها، كالدرع، مرة معنى الدرع هو الثوب السابق الذي يغطي كل الجسد. قال: وهكذا مرض الجرب سيكون عليها كحال الدرع الذي يكون في كل موطن من مواطن جسدها، كأنها لبست قميصا من جرب، فليس الحك في مكان واحد، بل كلها تحك. فقال: هذه العقوبة ستجتمع، تخيل بإنسان يكون عنده جرب في كل جسده، ينهج لأدنى احتكاك، فما ظنك إذا لبس بثياب غليظة سريعة الاشتعال؟ أي ألم فوق الألم. ومنهم من عبر عن القطران بأنه النحاس المذاب، النحاس المذاب، فمن تصور صورة هذه العقوبة بشكل عام سيهوله شدة الألم الذي يبتل به صاحبه، هذا في حق من؟ هذا في حق نائحة. ولهذا فليتق الله من ابتلي بهذا الداء، توجد بعض النساء للأسف ما إن تسمع فقط، وخاصة من أقرب الناس إليهن أنه مات، سرعان ما تجعل الصوت للأعالي، تسمع القاصي والداني، هذه نائحة، يكف وجب عليها أن تكف قبل موتها، وإلا عاقبها، الله عز وجل. وأعظم وأعظم من هذا أن تجد أن من النساء من تمتهن تمتهن مهنة النياحة، كما يقع بعض الناس عندهم مأتم، فعرفوا أن هذا المأتم يأتيه ناس عليهم السكينة والبكاء، هذا ما يشبع، نحن هذا ما يشبع، حتى فلانا تعالي يا فلان، تعالي عندنا، والله مأتم ومصيبة، هذا وإن شاء الله خلي المأتم يلع، فأول ما تدخل ترمي بأعلى صوتها، تصيح تصيح تصيح حتى تشجع من في المأتم أن يصيح معها، أعوذ بالله، بفلوس، بمال، مستأجرة، يؤتى بها حتى تشعل هذا المأتم بكبيرة من كبائر الذنوب، لكن فعلها، مهما حصت من مال أو جنت من مصالح، عقوبتها تنتظرها عند الله. فهذا، إخواني في الله، فينبغي للإنسان أن ينضبط بضوابط الشرع، إنسان كما يقال: الإنسان راع، الإسلام راع، حق الإنسانية، فمن مات عليه قريب له، أن يعبر عن حزنه بالبكاء وذرف الدموع، أما الزيادة عن ذلك فهذا من التكلف، وفيه من التسخط على أقدار الله، هذا ما أذكره في هذا الحديث من مسائل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.