الدرس في كتاب الإيمان 96، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي الحديث تفاصيل حادثة الإسراء والمعراج، حيث شرح صدر النبي وملئ إيمانا وحكمة، ثم صعد إلى السماوات السبع. فرضت عليه الصلاة بعد لقاء الأنبياء ورؤية البيت المعمور وأنهار الجنة.
شرح ابن عثيمين لوصف الأنبياء آدم وموسى وعيسى كما ورد في حديث الإسراء والمعراج. وتضمن وصف النبي محمد للأنبياء موسى وعيسى ورؤية مالك خازن النار والدجال وتفسيرات العلماء للرؤى.
يفسر المفسرون الآية بأنها تعني عدم الشك في لقاء موسى للكتاب، ومنهم ابن عباس وغيره ممن قال بهذا التفسير. وهذا التفسير يبين معنى الآية ويوضح المقصود منها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. قال الإمام مسلم الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، لعله قال: عن مالك بن صعصعة، رجل من قومه - وسيأتي الحديث بعض رواياته الأخرى من غير هذا الشك - قال: نبي الله صلى الله عليه وسلم: بينما أنا نائم عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين. فأتيت، فانطلق بي، فأتيت بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرح عن صدري إلى كذا وكذا. قال قتادة: فقلت للذي معي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطنه. فاستخرج قلبي، فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حُشي إيمانا وحكمة. ثم أتيت بدابة أبيض، يقال له البراق، فوق الحمار ودون البغل، يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا، فاستفتح جبريل صلى الله عليه وسلم، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال: ففتح لنا، وقال: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء. قال: فأتينا على آدم صلى الله عليه وسلم. وساق الحديث بقصته، وذكر أنه لقي بالسماء الثانية عيسى ويحيى عليهما السلام، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون صلى الله عليه وسلم. قال: ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة، فأتيت على موسى عليه السلام، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما جاوزته بكى، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته بعد، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي. وهذا البكاء من موسى عليه السلام يعني رحمة وشفقا بأمته؛ كونهم أقل من أمة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن آمن به واتبعه أقل. وأمة النبي عليه الصلاة والسلام أكثر. وكذلك أيضا يعني حزنا على من لم يؤمن منهم، وغبطة للنبي عليه الصلاة والسلام أن يكون أمته أكثر الأمم. وأكثر من أمة موسى، وموسى أمته أكثر الأمم من بني إسرائيل. وأمة النبي عليه الصلاة والسلام أكثر الأمم على جهة الإطلاق، فبكى عليه الصلاة والسلام يعني حزنا على قومه لقلة من آمن منهم، وغبطة للنبي عليه الصلاة والسلام بما أكرمه الله جل وعلا به من كون أمته أكثر الأمم إيمانا، فلأجل ذلك بكى. قال: ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السابعة، فأتيت على إبراهيم. قال: وفي الحديث، وحدث نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار، يخرج من أصلها نهران ظاهران، ونهران باطنان. فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. وقد جاء في الصحيح البخاري أنهم يمدان من أصل الجنة. وجاء أيضا في صحيح مسلم، ومرة معنا في الحديث التي مضت، أنه يخرج من أصلها. والمراد من أصل سدرة المنتهى، من أصل سدرة المنتهى يمد هذان النهران، الفرات والنيل. قال: ثم رفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. قال: ثم أتيت بإناءين، أحدهما خمر، والآخر لبن، فعرض علي، فاخترت اللبن، فقيل: أصبت، أصاب الله بك أمتك على الفطرة. أصبت، أصاب الله بك يعني أصبت الفطرة، كما مر في الأحاديث الأخرى. أصبت الفطرة يعني فطرة الإسلام، وأمتك على الفطرة يعني تكون على فطرة الإسلام. قال: ثم فرضت علي كل يوم خمسون صلاة. ثم ذكر قصتها إلى آخر الحديث، يعني كما مر في حديث أنس، عندما فرضت عليه خمسون صلاة، ثم رجع إلى موسى، قال: ارجع إلى ربك وسأله التخفيف، فما زال ينزل إلى موسى ويصعد إلى رب العالمين حتى جعلت خمسا، وهي خمسون في الأجر. والحديث قد مر، يعني الكلام على ما يتعلق بمتنه بما مضى في الأحاديث السابقة، إلى أن في هذه الرواية ذكر هذه الأنهار، نهران في الجنة، ونهران ظاهران، هما الفرات والنيل. وكذلك أيضا مضى الكلام على البيت المعمور. قال رحمه الله: حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر نحوه، وزاد فيه: فأتيت بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمان، فشق من النحر إلى مراق البطن، فغسل بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإيمان. مراق البطن - أو مراق البطن بفتح الميم - فهو ما سفل من البطن، ورق من جلده أسفل البطن. قال رحمه الله: حدثني محمد بن المثنى وابن بشار - وابن بشار ما اسمه؟ محمد - نعم، محمد بن بشار، يلقب بماذا؟ بندار، بندار يعني كثير العلم. قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر - ما لقب؟ غندر - قال: حدثنا شعبة، وابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، قال: عن قتادة، عن ابن دعامة، أبو الخطاب السدوسي، قال: سمعت أبا العالية - وهو ربي من مهران - قال: يقول: حدثني ابن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم - يعني ابن عباس - قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسري به، فقال: موسى آدم طوال، كأنه من رجال شنوءة. قال: وعيسى جعد مربوع، وذكر مالكا خازن جهنم، وذكر الدجال. موسى آدم طوال يعني في ذكره لوصف آدم، فذكر أنه طوال، بمعنى طويل. طوال بمعنى طويل، وهي لغة، فيقال لطويل: طويل، ويقال له: طوال، لغتان. وكأنه من رجال شنوءة، شنوءة قبيلة معروفة، فشبه موسى عليه السلام بأنه يشبه أهل هذه القبيلة. وذكر النووي رحمه الله عن ابن قتيبة: أنهم سموا بذلك الشنوءة بمعنى التقزز، وسموا بذلك بمعنى التباعد، يعني تشانؤوا وتباعدوا، فقيل لهم شنوءة. فالتقزز هو التباعد من الأدناس، كما قال الجوهري: التباعد من الأدناس، ومنه أزد شنوءة، أزد شنوءة حي من اليمن. نعم، طوال هم موصوفون بالطول، فشبّههم بهم. قال: وعيسى جعد مربوع، جعد مربوع، المربوع يطلق على الذي وصفه وسط، ليس بالطويل الطول المفرط، ولا بالقصير القصر الكثير، وسط بين الطول والقصر، نسميه مثلا معتدل أو وسط، هذا معنى مربوع في اللغة، يقال: مربوع، ومرتبع، ومرتبع بفتح الباء وكسرها، ويقال أيضا: ربع، وربعة، وربعة. ربعة وربعة، نعم، ويقال للمرأة: ربعة أو ربعة إذا كانت متوسطة الطول. وقوله: جعد، ذكر النووي رحمه الله أنه في بعض الروايات في وصفه بأنه سبط الرأس، سبط الرأس، الصبط بمعنى السلس الذي شعره ناعم، قال: له صبط. وهنا وصفه بأنه جعد، ووصف الشعر بالجعود إذا كان متقصفا في شيء من خشونة، فجمع بين هذه الروايات بأن قوله هنا: عيسى جعد مربوع، يراد بالجعد هنا وصف لبدنه، لا لشعره، وصف لبدنه، فمعنى جعد يعني مجتمع البدن، مجتمع البدن، يعني اجتماعه البدن، فيقال له لمن كان كذلك جعد، ولا يريد به وصف جعودة الشعر. نعم، وإذا أريد به جعودة الشعر، فيكون بمعنى الوسط، شعره ليس بالجعد المتقصف، لكن بين الجعودة والنعومة، ليس جعودة القطط التي هي كثيرة الخشونة والتقصف، هذا إذا وصف الشعر بذلك. جاء وصف بأنه جعد الشعر، وصف الشعر، فيكون الجعودة هنا بأنها ليست جعودة القطط التي هي كثيرة التجعد وخشونة الشعر، لكن قوله هنا: سبط الرأس، يدل على أن الوصف هنا في قوله: جعد مربوع، لبدنه، يكون الوصف للبدن، لا للشعر. قال: وذكر مالكا خازن جهنم، يعني أنه رآه، وذكر الدجال. قال: قال وحدثنا عبد بن حميد، وصاحب المنتخب، قال: أخبرنا يونس بن محمد الملقب المؤذن، قال: حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أبي العالية، قال: حدثنا ابن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم - ابن عباس - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مررت ليلة أسري بي على موسى بن عمران عليه السلام، رجل آدم طوال جعد، كأنه من رجال شنوءة. ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض - يعني لونه بين الحمرة والبياض - سبط الرأس. سبط الرأس يعني سلس الشعر، شعره. نعم، قال: وأري مالكا خازنا النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه. قال: كان قتادة يفسرها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى عليه السلام. قوله: سبط الرأس، سبط بفتح الباء وكسرها، يقال: سبط الرأس، وسبط الرأس، بفتح الباء وكسرها، لغتان مشهورتان، كما قال النووي رحمه الله. ويجوز إسكان الباء مع كسر السين: سبط الرأس، إسكان الباء مع كسر السين، وفتحها أيضا، يعني سبط الرأس، وسبط الرأس، كل هذه اللغات جائزة في سبط. وقوله: وأري مالكا خازنا النار، أري يعني النبي صلى الله عليه وسلم أري النبي صلى الله عليه وسلم مالكا، يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم مالكا. وجاء في صحيح البخاري: ورأيت مالكا. وجاء في بعض الوصول: مالك. مالكا بالرفع، مالكا، وأري مالكا، أحد عنده ذلك بنسخته، عندك بالنصب، عندك ما أحد عنده بالرفع. ذكر النووي أنه رواية أيضا في أكثر النسخ لصحيح مسلم بالرفع، وأري مالكا، وبعضهم عدّه لحنا، عده من اللحن؛ لأن الأصل أن يكون منصوبا؛ لأنه مفعول به. وخرج له الإمام النووي رحمه الله تخريجا على رواية الرفع، على أنه منصوب، حذف منه الألف، الأصل: وأري مالكا، فقيل: مالكا، حذف منه الألف. وهذا قال: مستعمل عند المحدثين، مستعمل عند المحدثين أنهم يحذفون الألف، فمثلا يقول: سمعت أنس، سمعت أنس، وهو الصواب في اللغة: سمعت أنسا، مفعول به، فحذف الألف، فيذكر من غير ألف، ويقرأونه بالنصب. وهكذا مالك، على أنه من غير ألف، ولكن يقرأ بالنصب: أري مالك، يعني أري مالكا. قال: والدجال يعني كذلك أيضا رأى الدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه. قال: كان قتادة يفسرها - يفسر هذه الآية - أن نبي الله قد لقي موسى عليه السلام. قالوا: هذا ذكر النووي رحمه الله أن هذا التفسير وافق عليه جماعة: مجاهد، والسدي، والكلبي، وغيرهم. فيكون المعنى: فلا تكن في شك من لقائك موسى، فلا تكن في شك من لقائك موسى. فلقي النبي صلى الله عليه وسلم موسى حين يعرج به إلى السماء. وأكثر المفسرين على أن معناها: لا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، من لقائك موسى، من لقائك موسى. التفسير: قتادة، ومجاهد، والكلبي، والسدي. قال: مربوع يعني وسط، له بالطويل، وله بالقصير، ما لا. قال قتادة: كان قتادة يفسرها - عندنا في المتن هنا - أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى، يعني لا تكن في مرية من لقائك موسى، لا تكن في شك من لقائك موسى. هذا تفسير ثاني. تفسير أكثر المحققين من المفسرين أن معناه: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب. نعم، أكثر مفسرين على هذا: لا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب. وممن قال به: ابن عباس، وغيره.