الدرس في كتاب الصلاة 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أقل عدد لركعات صلاة الوتر هو ركعة واحدة، بينما يختلف أكثر عدد للركعات بين المذاهب الفقهية حيث يرى البعض إحدى عشرة ركعة كحد أقصى والبعض الآخر لا يحدد حداً أقصى.
ثبت عن بعض الصحابة صلاة ركعة واحدة وطول القراءة فيها، بينما استدل البعض الآخر بجواز الصلاة مثنى مثنى والوتر بواحدة أو أكثر مما يبيح زيادة العدد عن إحدى عشرة ركعة.
الأفضل صلاة إحدى عشرة ركعة كما كان النبي يفعل، ويمكن الصلاة بطرق أخرى مثل ثمان ركعات مع ثلاث وتر أو عشر ركعات مع وتر، مع أهمية رياضة النفس وتدرج في العبادة.
يتطلب قيام الليل ترويض النفس والابتعاد عن المعاصي وتقوى الله، ويمكن للإنسان أن يعتاد على الصلاة في وقت معين حتى تصبح عادة له.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. مبادئًا، قال المؤلف رحمه الله تعالى في كلامه عن الوتر: «قال وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة عند الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة». هنا، هذه المسألة مسألة الوتر، أي عدد ركعات الوتر، فذكر المؤلف أن أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة عند الشافعي وأحمد. وهذه المسألة جاءت فيها دلالة في أقل الوتر، وأصحها ما جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الوتر ركعة في آخر الليل»، أن يركعها آخر الليل، فبين أن الوتر يكون ركعة. وجاء كذلك عند البيهقي -أخرجه ابن حبان وغيره- عن عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أحب أن يوتر بسبع فليوتر، ومن أحب أن يوتر بخمس فليوتر، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليوتر، ومن أحب أن يوتر بركعة فليوتر». وأيضًا كذلك ما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لرجل سأله عن صلاة الليل: «مثنى مثنى، فإذا خشيت الفجر فأوتر ولو بواحدة». وهذه كل الأدلة تدل على أن أقل الوتر ركعة واحدة. وكما ذكرنا قبل ذلك، كان بعض السلف يصلي ركعة واحدة، ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم عثمان وتميم الداري وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، كانوا يصلون ركعة، لكن كانوا يقرؤون كثيرًا، حتى إن عثمان وتميم الداري كانا يقرآن القرآن في ركعة واحدة. فأقل الوتر هو ركعة على الصحيح، وأكثره اختلفوا فيه اختلافًا شديدًا، لكن عند الشافعي وأحمد أكثره إحدى عشرة ركعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوتر بإحدى عشرة ركعة، وأحيانًا يزيد ركعتين، والوتر إحدى عشرة، وبعض العلماء كمالك وغيره يرون أنه لا حد لأكثره؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لذلك الرجل الذي سأله عن صلاة الليل: «مثنى مثنى، فإذا خشيت الفجر فأوتر ولو بواحدة»، فقالوا: إن صلاة الليل لا تتقيد بعدد، وكذلك الوتر لا يتقيد بعدد؛ فلهذا أجازوا أن يصلي الرجل أكثر من إحدى عشرة ركعة. فقد جاء عن السلف أنهم كانوا يصلون أكثر من إحدى عشرة ركعة، منهم من يصلي عشرين ركعة، ومنهم من يصلي ستًا وثلاثين ركعة، ومنهم من يصلي أكثر من ذلك، كما كان في عهد عمر بن عبد العزيز. وكان مالك أيضًا في زمن يصلون ستًا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. والنبي عليه الصلاة والسلام قد جاء عنه الوتر بثلاث، وجاء -كما في حديث أبي أيوب- عند أبي داود والترمذي والنسائي، وجاء أيضًا عنه أنه أوتر بخمس، كما جاء ذلك في صحيح مسلم: صلى ست ركعات ثم أوتر بخمس. وجاء أيضًا عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى سبع ركعات بتسليمة واحدة -كما عند مسلم- وكذلك صلى تسع ركعات، وجلس في الثامنة وسلم تسليمة واحدة، وأيضًا في صحيح مسلم؛ فدل على أن هذا كله جائز، أن يصلي تسعًا أو سبعًا أو أقل أو أكثر. لكن الأفضل أن يصلي الرجل إحدى عشرة ركعة، أو يصلي ثمانيًا ويوتر بثلاث، أو يصلي عشرًا ويوتر بواحدة، أو يصلي عشرًا ويوتر بثلاث كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث سلمة بن يزيد قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين طويلتين، ثم صلى ركعتين طويلتين دونها، ثم صلى ركعتين دونها، ثم صلى ركعتين دونها، ثم صلى ركعتين دونها عشرًا، ثم أوتر بثلاث، فصلى ثلاث عشرة ركعة». فكل هذا جائز، أنه يصلي هكذا، لكن كما قلنا الأفضل هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام وفعله. وهذا إذا استطاع الإنسان؛ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لا يكلف نفسه هذا؛ صحيح أنه يستطيع الإنسان، لكن إذا لم يدرب نفسه على ذلك فغالبًا أنه يكسل، إذا كان مثلًا قال: سأقوم الليل، سأصلي إحدى عشرة ركعة، تجد أنه لو أعطى نفسه هذا في أول الأمر سيأتي عليه اليوم الذي يضجر ويمل. ولهذا، فصلاة الليل تحتاج إلى رياضة نفس؛ يعني يروض نفسه عليها، لا يهجم على نفسه بشيء كثير، أو يقرأ مثلًا جزءًا أو جزأين أو ثلاثة وهو لم يعتد ذلك؛ فهذا خطأ. فإنما يعود نفسه قليلًا قليلًا، لو استطاع أولًا أن يوتر فقط في آخر الليل يصلي ثلاث ركعات أو ركعة واحدة حتى يعتاد، ثم إذا رأى نفسه أنه قد التزمها يزيد، فإذا رأى نفسه قد التزم يزيد، وهكذا حتى يصلي إحدى عشرة ركعة ويطول فيها؛ فبعد ذلك يجدها سهلة. لكن يحتاج من الإنسان إلى أمور كثيرة، منها أيضًا الابتعاد عن المعاصي وتقوى الله جل وعلا، وكذلك أيضًا ترويض النفس؛ حتى قال ثابت البناني رحمه الله: «روضت نفسي عشرين سنة على قيام الليل حتى ارتاضت»، يعني عشرين سنة يدرب النفس حتى صارت شيء مثل السليقة. تجد الرجل إذا اعتاد شيئًا وتعوده كأنه أصبح شيء عنده عادة، مثلًا يقوم نصف الليل، خلاص يقوم إذا جاء وقت قيامه قام من نفسه، لا يقيمه لا منبه ولا غيره. وإذا كان تعود هذا فيصلي حتى لو كان متعبًا، أو لم يأته نوم أو نام متأخرًا، فتجده يقوم في نفس الوقت. وهذا لمن روض نفسه على هذه الأمور. المهم أن مسألتنا هي صلاة الوتر، أن أقلها ركعة، وأكثرها إحدى عشرة ركعة. والله تعالى أعلم.