كتاب الصلاة 101

كتاب الصلاة 101

الدرس في كتاب الصلاة 101، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل صلاة الوتر وعلاقتها بصلاة الليل

صلاة الوتر سنة عند ثلاثة من الأئمة واجبة عند أبي حنيفة، وهي من صلاة الليل التي يثني الله عليها في القرآن. قيام الليل يثبت حفظ القرآن ووردت أحاديث في فضل الوتر مثل "إن الله وتر يحب الوتر".

حكم صلاة الوتر واختلاف العلماء

اختلف العلماء في حكم صلاة الوتر بين أنها سنة مستحبة أو واجبة، واستدل كل فريق بأحاديث نبوية مختلفة في الصحة والدلالة. جمهور العلماء يرون أنها سنة مستحبة لعدم وجوب صلاة الليل على غير النبي محمد.

فضل قيام الليل والوتر وأهميتهما

قيام الليل والوتر سنة مؤكدة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أفضل التطوع بعد الفريضة. ينبغي لطالب العلم الحرص على صلاة الوتر، ولو في أول الليل إذا لم يستطع آخره، خاصة لمن يخشى عدم القدرة على القيام لصلاة الليل أو الفجر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والوتر سنة عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: واجب. هذا يعني الآن دخل في الوتر، انتهى من سجود التلاوة، والسجود أيضًا قبله، السهو دخل في الوتر، وهو من التطوعات. وصلاة الوتر هذه الصلاة مشروع شرعه الله عز وجل على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، وهو يعتبر من صلاة الليل. قد ذكر الله عز وجل صلاة الليل في عدة مواضع بالثناء على القائمين في ليلهم بالصلاة، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾، وأيضًا كذلك قوله جل وعلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾، فهذا يدل على ثناء النبي عليه الصلاة والسلام على المصلين في الليل. والمراد بصلاة الليل هو ما بين صلاة العشاء إلى الفجر، وهو وقت الوتر. لهذا قد يقال: وتر، وقد يقال: صلاة ليل. قد يقال على الصلاة كلها صلاة وتر، وقد يقال صلاة ليل على الصلاة كلها، والوتر داخل فيها. صلاة الليل تكون شفعًا أو وترًا، يشفع بركعات ويوتر بركعات، ممكن يوتر بركعة واحدة كما كان يفعل بعض الصحابة كعثمان، وأيضًا أبو رقية تميم الداري، كذلك أيضًا غيرهم من الصحابة كانوا يترون بركعة، لكن كانوا يقرؤون كثيرًا حتى كان عثمان وتميم يقرؤون القرآن في ركعة واحدة، القرآن كله يقرؤونه في ركعة واحدة. الوتر كما جاء عند أحمد وأبي داود وحسنه الشيخ الألباني، قال: «إن الله زادكم صلاة ما بين صلاة العشاء إلى الفجر، وهي صلاة الوتر». وهذا الحديث مختلف فيه، لكن كما قلنا الشيخ الألباني حسنه في بعض المواضع. وأيضًا الوتر من جاءت الأحاديث في فضائله، ومن أصحها ما جاء في الصحيحين حديث أبي هريرة، وجاء عن غيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله وتر يحب الوتر»، «إن الله وتر يحب الوتر». وجاء في رواية: «فأوتروا يا أهل القرآن»، أي لا يضيع حافظ القرآن هذا القرآن ويقوم به في الليل. وقد جاء حديث ذكره الشيخ الألباني في الصحيحة أن قيام الليل يثبت الحفظ، بمعنى أقصد أن قيام الليل من أراد أن يحفظ هذا القرآن فليقم به في الليل. معنى هذا أن صلاة الليل تثبت الحفظ، تثبت حفظ المرء. لأن الليل كما قال الله عز وجل: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا﴾. وقالوا: لأن القلب في الليل يواطئ اللسان، يواطئ اللسان كما ذكر الله عز وجل. فلهذا ربنا جل وعلا بين لنبيه عليه الصلاة والسلام أن أفضل ما يقرأ هذا القرآن في الليل. قال الله عز وجل في سورة المزمل: ﴿قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾، ثم قال: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا﴾. ناشئة الليل أي بداية الليل أو دخوله، وأيضًا ما يكون فيه في هذا الليل، أي لا تغفل عنه فإنه وقت لهذا القرآن، وقت لقراءة القرآن، فهو أشد وطئًا وأقوم قيلًا. وهنا ذكر مسألة الوتر: هل هو سنة مستحبة أم أنه واجب؟ فقال: ذكر قول العلماء أن الوتر عند ثلاثة -مالك والشافعي وأحمد- أنه سنة، وعند أبي حنيفة واجب. والذين قالوا بأنه واجب -وهو أبو حنيفة- استدل ببعض الأحاديث، ومنها حديث: «أن الوتر واجب»، «أن الوتر حق واجب». وهذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره موقوفًا على أبي أيوب الأنصاري، موقوفًا على أبي أيوب الأنصاري، ورفعه بعضهم، لكن الصحيح كما قال الأئمة -دار القطني وغيره- أن الصحيح فيه الوقف. وكذلك ذكره البيهقي في كتابه الذي ألفه في الخلافات، فذكر أن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا، وأيضًا ذكر الإمام دار القطني في العلل أن لفظة «واجب» أيضًا لا تصح، كأنه يرى أنها شاذة. لكن صح عن أبي أيوب أنه قال: «الوتر حق». وجاء عن علي أيضًا أنه قال: «الوتر حتم»، لا كالفريضة، كأنه يراه أنه مؤكد لكنه ليس واجبًا، صح ذلك عن علي من طريق عاصم بن ضمرة. وأما حديث: «من لم يوتر فليس منا»، فإن هذا الحديث من طريق أبي الجناب العتكي، وهو ضعيف. كان ابن المبارك أراد أن يسمع منه، فقيل له: إنه روى حديثًا عن عكرمة أخطأ فيه، فقال: فلم يرو عنه بعد ذلك. وقد ضعفه العلماء كابن معين وغيره، فلهذا تفرد بهذا الحديث فلا يصح. وقد ذكر ذلك أيضًا البيهقي في الخلافيات: «من لم يوتر فليس منا»، «الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا». فهذا الحديث من أكثر الأحاديث التي استدلوا بها على الوجوب، لكنه لا يصح. واستدل جمهور العلماء بحديث طلحة بن عبيد الله، لما قال ذلك الرجل: يا رسول الله، هل علي غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». وصلاة الليل فقد أوجبها الله عز وجل على نبيه، ولم يوجبها على غيره، معنى ما وجبت على أمته، وإنما خص ذلك بنبيه عليه الصلاة والسلام. فلهذا قول أكثر السلف كما جاء عن علي وعن غيره، وكذلك أكثر العلماء على أنه مستحب وسنة، وإن كان سنة لكن لا ينبغي أن يضيع. لهذا جاء في الحديث: «فأوتروا يا أهل القرآن». وهذا أيضًا ما استدل به العلماء على عدم الوجوب؛ لأن خص أهل القرآن، وليس أيضًا واجبًا عليهم، وإنما من باب الحث أنهم لا يضيعوا كلام الله عز وجل في صدورهم، وليحفظوه بقيامهم بالليل. ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: لا ينبغي لطالب العلم أن لا يكون له حظ من الليل. فلابد من قيام الليل، ولو كحلبة ناقة، كما قال محمد بن كعب: لابد من قيام الليل، ولو كحلبة ناقة، ولو شيئًا يسيرًا، كما مثلًا يحلب الناقة، وخاصة في الشتاء. فهو كما جاء في الحديث -وإن كان هو ضعيف- أنه جاء في الصيام: «إنه الغنيمة الباردة»، وهو أيضًا في قيام الليل. ولهذا كان عبيد بن عمير إذا دخل الشتاء قال: يا أهل القرآن، ويا أهل الصيام. فهذا أو يقول: يا أهل الصيام قد تقصّر نهاركم، ويا أهل القيام قد طال ليلكم. أنا إذا أردت أن تصلي، صل ما بدا لك، فالليل طويل، وكذلك أهل الصوم في الشتاء نهارهم قصير، فهذه فرصة عظيمة. فمن أراد أن يتطوع أكثر فعنده الليل يقوم ثلثه أو نصفه، وإن كان الأفضل أن يقوم ثلث الليل. وأكثر ما كان عليه صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل أو الوتر أنه كان يقوم نصف الليل، ثم يصلي ثلثه، ثم ينام سدسه. فخلاصة هذه المسألة أن الوتر سنة مؤكدة عن النبي عليه الصلاة والسلام، حافظ عليها، وحافظ عليها السلف، وهي معونة للعبد. وقد جاء حديث أخرجه الإمام أحمد، وهو أيضًا عند الطبراني في الكبير، صححه الشيخ الألباني، أنه قال: «قيام الليل مطردة للداء»، «مطردة للداء»، «وهو شرف المؤمن». وجاء أيضًا في الحديث الذي فيه أن جبريل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجاز به». واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، واعلم أن شرف المؤمن شرفه، أي رفعة الله عز وجل يشرفه ويرفعه. قال: «فاعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس». فخلاص الأمر كما نقول: أنه من التطوع، وهو أفضل التطوع بعد الفريضة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يحرص على صلاة الوتر، فإن لم يستطع أن يقوم آخر الليل يصلي أوله، يصلي أول الليل قبل أن ينام، كما أرشد إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، وأوصى بعض الصحابة كأبي ذر: أنه لا ينام حتى يصلي الوتر. هذا لمن ظن أنه لا يقوم الليل أو أن ينام عن الصلاة، فليصليها قبل أن ينام، فليوتر قبل أن ينام، فليوتر قبل أن ينام.