الدرس في كتاب الصلاة 64، ألقاها
هناك خلاف بين العلماء حول حكم صلاة الفائتة لمن أغمي عليه، حيث ذهب الشافعي إلى عدم القضاء، بينما ذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء إذا كان الإغماء دون يوم وليلة، وذهب الحنابلة إلى وجوب القضاء في كل حال. الأحوط هو صلاة ما فات بالإغماء.
إذا نسي شخص صلاة فائتة ثم صلى صلاة حاضرة، فهناك خلاف حول إعادة الصلاة الحاضرة بعد أداء الفائتة. القول الأظهر هو عدم وجوب الترتيب، وعلى القول بالوجوب يكون القول بسقوط الترتيب بالنسيان هو الأقوى.
هناك أحكام مختلفة لقضاء الصلاة الفائتة بناءً على حالة الشخص (حضر أو سفر) عند تذكرها. إذا نسي صلاة في الحضر وذكرها في السفر، فعليه الإتمام، وإذا نسيها في السفر وذكرها في الحضر، فهناك خلاف بين العلماء حول قضائها حضرًا أو سفرًا.
يوجد خلاف حول ما إذا كانت صلاة الحضر هي الأولى والأحوط عند عدم وجود رخصة للقصر. يُفضل الخروج من الخلاف بصلاة الحضر، ويرى المتحدث أن صلاة الحضر هي الأولى والأحوط في هذه الحالة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن آله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، طيب، المسائل المتعلقة بهذا الباب، حكم صلاة الفائتة لمن أغمي عليه، بمعنى هل يلحق من أغمي عليه بالنائم أو الناس أم أنه لا يلحق بهما، في خلاف بين أهل العلم. فذهب الشافعي إلى أنه لا قضاء عليه مطلقًا، قل زمن الإغماء أو كثر، وهذا من باب إلحاق المغمى عليه بالمجنون. ومن باب إلحاق المغمى عليه بماذا؟ بالمجنون، والمجنون ليس عليه قضاء؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم المجنون حتى يفيق». وقال أبو حنيفة: إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه القضاء، وإن كان أكثر فلا. وكأن أبا حنيفة ألحق الإغماء بيوم وليلة بالنائم، وأما ما زاد على ذلك فألحقه بالمجنون؛ لذا قال في الأول عليه القضاء، وقال فيما كان أكثر من يوم وليلة فليس عليه قضاء. طيب، ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد والنخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة أن المغمى عليه يقضي في كل حال، وهو مذهب الحنابلة. واضح، جماعة ذهب هؤلاء إلى أن المغمى عليه يصلي ما فاته، قل أو كثر، إلحاقًا بالنائم. استدل أصحاب القول الأول -كما سمعتم- بأن المغمى عليه يقاس على المجنون، وقد ذكر الحديث في ذلك: «رفع القلم عن ثلاثة». وأصحاب القول الثاني -كما سمعتم- استدلوا كذلك بأنه يلحق بالنائم طردًا؛ وذلك إذا كان نومه يومًا وليلة، أما إذا كان إغماؤه أكثر من ذلك فلا؛ لأنه يكون حكمه حكم مجنون. وأصحاب القول الثالث استدلوا بالقياس على النائم؛ فألحقوه بحكم النائم. والأحوط والأقرب أن يصلي ما فاته بالإغماء ما استطاع. وقد يستأنس في مثل هذا بقصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما طعن وهو في صلاة الفجر وأغمي عليه، فلما أفاق قال: «أصلى الناس؟» قالوا: نعم. قال: «لا إسلام لمن ترك الصلاة». ثم توضأ وصلى. قد يقول قائل: إن أثر عمر قد يحمل على أنه أفاق في الوقت؛ لذا صلى. قلنا: الجواب أن هذا محتمل، والاحتمال الآخر -لعله أظهر- هو أن عمر رضي الله عنه صلاها بعد أن أفاق وبعد أن خرج الوقت. فعلى العموم، سواء كان هذا الفعل من عمر رضي الله عنه قبل خروج الوقت أو في الوقت، فالمسألة على ما هي عليه، وهو -يعني- أن من أغمي عليه فالأحوط في حقه أن يصلي. بل من قال بالوجوب في ذلك فلم يبعد؛ فعليه أن يصلي الصلاة الفائتة خروجًا من خلاف. وكما قلنا: القول بالوجوب أظهر؛ لأن المغمى عليه ليس بمجنون، بل هو بالنائم أشبه. المجنون معروف أنه يمشي ويتحرك ويتكلم ويأكل ويشرب، أما المغمى عليه فهو في مكاره، فهو أشبه ما يكون بالنائم. واضح يا جماعة؟ لا، أشبه ما يكون بالنائم. فكما سمعتم: الأحوط في هذا، بل والقول بالوجوب قوي، أن يصلي الإنسان ما فاته بالإغماء. فإذا أغمي على إنسان ففاته بعض الصلوات أو صلاة أو أكثر، فعليه أن يصلي ما فاته من الصلاة. والله أعلم. وكما ترون: هو قول أكثر أهل العلم، وقول طائفة من السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله. طيب، بقي من المسائل التي ما أخذت في الدرس السابق مسألة: هل يسقط الترتيب؟ نحو ما ذكرنا في الدرس الماضي أن العلماء اختلفوا في مسألة الترتيب: هل هو واجب أم لا؟ وقلنا: إن الأحوط أن يرتب في الصلاة، وإن لم يرتب فالظاهر أنه ليس عليه شيء؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على الترتيب. بقي هذه المسألة، وهي متعلقة بما سبق في المسألة المذكورة، وهي: هل يسقط الترتيب بنسيان الثانية حتى يصلي صلوات حاضرة أم لا يسقط بالنسيان؟ واضح، هذه المسألة: جماعة من صلى صلاة حاضرة ونسي أنه قد فاتته صلاة -مثل الرجل نسي صلاة الظهر، فلما صلى العصر وانتهى وفرغ من صلاة العصر ذكر أنه لم يصل الظهر- فهل عليه أن يعيد الظهر أو أن يصلي الظهر ثم أن يعيد العصر مرة أخرى أم ليس عليه ذلك؟ بل يكتفي بصلاة الظهر فحسب؟ الجواب: أن في المسألة خلاف، وهذا الخلاف مبني على أصل المسألة. فالذين يقولون بعدم الوجوب يقولون: لا شيء عليه، بل عليه أن يصلي الصلاة الفائتة بعد أن صلى الصلاة الحاضرة. ومن قال بوجوب الترتيب فلهم في هذا قولان. القول الأول: أنه يسقط بالنسيان؛ بمعنى أن من صلى الحاضرة ثم بعد أن صلى الحاضرة ذكر أنه ما صلى الفائتة، أنه فاته صلاة، فعليه أن يصلي الفائتة ويسقط في حقه الترتيب؛ بمعنى أنه ليس عليه أن يصلي ما صلاه من الحاضرة مرة أخرى من أجل الترتيب. وهذا جماعة، طيب، وهذا القول ذهب إليه النخعي وحماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة وأبو حنيفة والحسن بن حيي وأحمد في ظاهر مذهبه وإسحاق، وهو اختيار الإمام البخاري في صحيحه. القول الثاني: أنه لا يسقط بالنسيان؛ بل عليه أن يعيد الفائتة وما صلى بعدها. وهذا القول حكي رواية عن أحمد، إلا أن بعض الحنابلة غمز فيها، فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: حكاها بعض المتأخرين عنه، والله أعلم بصحتها. وأما مالك، فعنده: إذا كان قبل أن يذهب وقت الحاضرة -إن كان إن ذكر قبل أن يذهب وقت الحاضرة وقد بقي منه ركعة فصاعدًا- أعادها. أي: مثلًا صلى العصر وقد نسي صلاة الظهر، فقبل الأذان مثلًا بقدر صلاة الظهر وركعة من العصر، هل يعيدها؟ أم لا؟ يقول مالك: إذا كان كذلك عليه أن يعيدها، أن يعيد صلاة الظهر، ثم عليه أن يعيد العصر. واضح يا جماعة؟ مالك يقول: قد ركع فصاعدًا أعادها، وإن بقي دون ذلك أو كان الوقت قد ذهب كليًا أجزأه. واضح يا جماعة؟ مالك يقول: وإن لم يبق من الوقت إلا قدر الصلاة الفائتة فقط، فيسقط في هذه الحالة عنه الترتيب. يسقط عنه في هذه الحالة الترتيب. والقول بعدم الوجوب أظهر؛ لما تقدم. واضح يا جماعة؟ لأنه مبني على أصل مسألة، وأصل المسألة -كما سمعتم- مختلف فيها. والأقرب عدم الوجوب. وعلى القول بالوجوب يكون القول الأول -أي قول النخعي- هو الأقوى في هذا. واضح يا جماعة؟ يكون قول النخعي رحمه الله تعالى -وهو الذي ذهب إليه طائفة من أهل العلم- هو الأقوى في هذا؛ هذا على القول بوجوب الترتيب. أما على القول بعدم وجوب الترتيب فلا شيء عليه؛ بمعنى أن من صلى العصر وقد فاته صلاة الظهر بنسيان أو نوم، فليس عليه إلا أن يصلي الفائتة إذا ذكرها، وليس عليه أن يعيد الصلاة الحاضرة التي قد صلى مرة أخرى. واضح يا إخوة؟ أم لا؟ هذا خلاصة القول في هذه المسألة. مسألة أخرى، وهي كذلك مقاربة لهذه المسألة: من ذكر فائته وهو يصلي حاضرة. واضح يا جماعة؟ الصورة الأولى: ما قد صلاها. هذه الصورة ماذا؟ ما زال يصلي الحاضرة. من ذكر فائته وهو يصلي حاضرة، فما حكم صلاة هذا؟ طيب، على القول بعدم الترتيب الأمر واضح. واضح يا جماعة؟ أم لا؟ لكن الكلام ها هنا على القول بوجوب الترتيب. فعلى القول بوجوب الترتيب، قال طائفة: يسقط عنه الترتيب في هذه الحال؛ لأن الحاضرة قد تعين إتمامها بالشروع فيها لتضايق وقت الحاضرة. واضح يا إخوة؟ يقول هؤلاء: إلى صلى الحاضرة ثم ذكر في الصلاة الفائتة، فإنه يمضي في الحاضرة ويسقط في مثل هذه الصورة الترتيب. لماذا قالوا؟ لأن إتمام الحاضرة بعد الشروع فيها واجب، ووجوبه أوجب من وجوب الترتيب. وهذا القول ذهب إليه الحسن وطاوس، وهو قول أبي يوسف، واختاره بعض الحنابلة، وهو كذلك قول الإمام الشافعي في الأم. والشافعي -تعرفون- ما ذهبه معروف في هذا؛ أنه لا يرى الترتيب أصلًا. طيب، وقيل: لا يسقط؛ بمعنى أن من صلى هذه الصلاة -صلى العصر مثلًا- فلما كبر مثلًا وفي الركعة الأولى تذكر أنه نسي صلاة الظهر. واضح يا جماعة؟ فالقول على القول الثاني يقول: لا يسقط عليه الترتيب. وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد. بقي على هذا: فهل يبطل الحاضرة أم يقطعها؟ واضحة يا جماعة؟ الآن في الحاضرة ماذا يصنع؟ هل تكون صلاة الحاضرة باطلة؛ لأن الترتيب على قول هؤلاء واجب أو شرط؟ أم أنه يقطعها إذا؟ كيف؟ الركعة الأولى خرج منها وبدأ بصلاة الصلاة على حسب الترتيب؟ قولان. أحدهما: أنه يقطعها، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد؛ إلا أن يكون مأمومًا؛ فيتمها كما قال ابن عمر. واضحة يا جماعة؟ هؤلاء يقولون: يقطع الصلاة إذا كان في الصلاة العصر -في الركعة الأولى- ولو كان في الركعة الثانية أو الركعة الثالثة، ثم تذكر أنه صلى الظهر. واضحة يا جماعة؟ ماذا يقول؟ يقطع الصلاة، يخرج من الصلاة ويصلي الصلاة على حسب الترتيب، يبدأ بالظهر، فإذا صلى الظهر صلى العصر بعد ذلك. واضح يا إخوة؟ أم لا؟ هؤلاء يقولون: هذا إذا كان منفردًا. يقولون: أنه يقطعها، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد؛ إلا أن يكون مأمومًا؛ فإنه يتمها. والثاني: القول الثاني قال: يتمها نفلًا؛ أي يصلي الصلاة، ولكن لا تكون فريضة، بل تكون نافلة. بمعنى أنه إذا صلى العصر مثلًا ركعتين فذكر في الركعة الثانية أنه ما صلى الظهر بعد، فماذا يصنع؟ يقول هؤلاء: أتم صلاتك بنية النافلة. ووضح يا جماعة؟ أتم صلاتك بنية النافلة، فإذا سلمت بدأت فصليت الظهر ثم صليت العصر بعد ذلك. وهذا -كما ترون- على القول بالترتيب، فالقول الثاني أرجح. وعلى القول الصحيح الراجح أن الترتيب ليس بواجب، فيصلي الصلاة الحاضرة ثم يصلي بعدها الصلاة الفائتة ويمشي. واضح هذا يا إخوة؟ أم لا؟ هذا خلاصة ما يقال في هذا. مسألة أخرى: من نسي صلاة في حضر فذكرها في السفر، والعكس. طيب، من نسي صلاة في السفر وذكرها في الحضر. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني: قال: إذا نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر، فعليه الإتمام إجماعًا؛ ذكره الإمام أحمد وابن المنذر؛ لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعًا؛ فلم يجز له النقصان من عددها كما لو سافر. ولأنه إنما يقضي ما فاته، وقد فاته أربع. طيب، وقال ابن المنذر رحمه الله تعالى في كتاب الإجماع: وأجمعوا على أن من نسي صلاة في حضر فذكرها في السفر، أن عليه صلاة الحضر؛ إلا ما اختلف فيه عن الحسن البصري وقول الشافعي في القديم. طيب، إلا ما اختلف فيه عن الحسن البصري انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى. وذكر النووي رحمه الله تعالى أن هذا القول أيضًا هو قول الشافعي في القديم، وهو قول المزني. وأيضًا اختار هذا القول ابن حزم؛ اختار هذا القول ابن حزم. واضح يا جماعة؟ أم لا؟ فالحاصل: أن في المسألة خلاف، وأن الإجماع المنقول ليس بصحيح. واضح هذا يا جماعة؟ فإذا كان في المسألة خلاف، فالراجع قول الجمهور؛ لما تقدم ذكذا عن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى. والعكس: من ذكر صلاة السفر وهو في الحضر. واضح يا جماعة؟ من ذكر صلاة السفر وهو في الحضر، فيه خلاف. فذهب أحمد والشافعي والأوزاعي وداود إلى قضائها حضرًا احتياطًا؛ قالوا: لأن القصر رخصة في السفر؛ فيبطل بزواله كالمسح ثلاثًا. ولأنها وجبت عليه في الحضر بدليل قوله: «فليصليها إذا ذكرها». ولأنها عبادة تختلف بالحضر والسفر؛ فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب فيها حكمه. وذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي إلى أنه يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان. وهو قول الشافعي في القديم. وسبب الخلاف: هل صلاة القصر في السفر إنما شرعت للسفر؟ أي لأجل السفر فقط؟ فإذا نسي صلاة السفر وذكرها في الحضر تسقط عن تلك الرخصة؟ هذا مورد النزاع. فما لكون ومن معه يقولون: بعوم قوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»؛ أي تلك الصلاة بعينها وبصفاتها. والآخرون يقولون: نعم تعنى تلك الصلاة بعينها، لكن بصفات صلاة الحضر؛ لأن الرخصة التي لأجلها شرعت صلاة القصر منتفية هنا. فالأولى والأحوط -والمسألة كذلك- أن تصلى صلاة حضر. والله أعلم. ووضح يا جماعة؟ من الأولى أن تصلى صلاة حضر خروجا من الخلاف. والله أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.