الدرس في كتاب الصلاة 59، ألقاها
يتناول هذا الفصل تحية المسجد واستحبابها، مع مناقشة آراء العلماء حول حكم الجلوس قبل أدائها. كما يبين سبب تسميتها بهذا الاسم.
يناقش هذا الفصل حكم الوضوء لتحية المسجد لمن دخل المسجد بغير وضوء، مع توضيح آراء الفقهاء المختلفة حول وجوب الوضوء في هذه الحالة.
يتناول هذا الفصل حكم صلاة تحية المسجد لمن لم يجلس في المسجد، مع الإشارة إلى رأي الحافظ ابن رجب في هذه المسألة.
يجمع هذا الفصل أقوال السلف الصالح في أهمية الاستغفار والتوبة، مع ذكر دعاء جامع للثناء على الله والاعتراف بالذنب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، هذه فائدة بين يدي المسائل، وهي في تحية المسجد، لماذا سميت تحية المسجد بهذا الاسم؟ قال الحافظ ابن رجب الحمد رحمه الله تعالى في الفتح، في المجلد الثاني، صفحة 64 و400: «والصلاة عند دخول المسجد تسمى تحية المسجد». قال: وقد جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر، قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، فقال: «يا أبا ذر، إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما». فقمت فركعتهما، ثم عدت فجلست إليه. الواضح من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الصلاة عند دخول المسجد تحية. وفي إسناد هذا الحديث إبراهيم بن هشام بن يحيى بن الغسان، تكلم فيه أبو زرعة وغيره. وقد روي من وجوه متعددة عن أبي ذر، وكلها لا تخلو مما قاله، فالحديث لا يصح. وتسمى أيضًا حق المسجد، قال رحمه الله: وروى ابن إسحاق عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، عن عمر بن سليم الزرقي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا المساجد حقها». قيل: وما حقها؟ قال: «تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا». وهذا أيضًا لا يصح. المسألة الثانية من مسائل الباب: على قول جمهور باستحباب تحية المسجد، فهل يكره الجلوس قبل الصلاة أم لا؟ هذه مسألة مفروضة. على قول جمهور الجمهور، يقولون باستحباب تحية المسجد، فعلى قول جمهور، من دخل المسجد وجلس ولم يصل، هل يكره ذلك أم لا يكره؟ الفعل مستحب، والترك هل يكون مكروهًا أو يكون فعلًا مباحًا من غير كراهة؟ بمعنى أن من فعل الفعل أجر، وإذا تركه فلا شيء عليه، فيه خلاف بين أهل العلم. فروي عن طائفة منهم كراهة ذلك، منهم أبو سالم بن عبد الرحمن، وهو قول أصحاب الشافعي، أن من ترك تحية المسجد فقد وقع في الكراهة. ورخص فيه آخرون، منهم القاسم بن محمد، وابن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأصحاب ابن راهويه، قالوا: إن فعلها أجر، وإن تركها فلا شيء عليه، أي لا كراهة عليه. قال أحمد: قد يدخل الرجل على غير وضوء، ويدخل في الأوقات التي لا يصلى فيها. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، معلقًا على كلام أحمد هذا: يشير إلى أنه لو وجبت الصلاة عند دخول المسجد، لوجب على الداخل إليه أن يتوضأ. وهذا مما لم يوجبه أحد من المسلمين، أن الإنسان إذا دخل المسجد وهو على غير وضوء، عليه أن يتوضأ وجوبًا لأجل أن يصلي. وأما الداخل في أوقات النهي عن الصلاة، فللعلماء فيه قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، أشهرهما أنه لا يصلي، وهو قول أبي حنيفة وغيره. وعند الشافعي يصلي. فمن دخل في وقت النهي، هل يصلي تحية المسجد أم لا؟ الشافعي، أو قبل ذلك أحمد في رواية، وهو مشهور مذهبه، يقول: يصلي. وذهب الشافعي رحمه الله تعالى وأصحابه وجماعة آخرون من أهل العلم إلى أنه يصلي ولو كان في وقت نهي، لأن تحية المسجد من الصلاة من الصلوات ذوات الأسباب، والصلوات ذوات الأسباب تصلى في أي وقت. بقي على القول الصحيح: أن تحية المسجد واجبة، فهل على من دخل المسجد وهو بغير وضوء أن يتوضأ؟ القاعدة في هذا: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فعلى هذا، تحية المسجد واجبة، ولا تتم إلا بوضوء، فالوضوء في هذه الحالة واجب. هذا هو الأصل. لكن إن ثبت الإجماع المنقول: أن من دخل المسجد وهو على غير وضوء، أنه لا يجب عليه الوضوء إجماعًا، لو ثبت هذا الإجماع، يقال: إن هذه الصورة مستثنى من القاعدة. فيقال في هذه المسألة: إن ثبت الإجماع، وكان الإجماع يقينيًا ولا يعلم فيه مخالف أبدًا، يقال: إن هذه الصورة مستثنى، بمعنى أن من دخل المسجد من غير طهارة، لا يقال له: يجب عليك أن تذهب وتتوضأ ثم تصلي. وإن لم يثبت الإجماع، يقال له: يجب عليك أن تذهب وتتوضأ وتصلي. والأحوط في هذه المسألة هو: أن يتوضأ وأن يصلي، خروجًا من الخلاف. قد يكون الإجماع المنقول هذا مبنيًا على أصل المسألة، وأصل المسألة: تحية المسجد هل هي واجب أم لا؟ كما تعلمون أن بعض أهل العلم نقل الإجماع على أنها مستحبة، فإذا كانت مستحبة، فالوضوء له يكون مستحبًا، ليس بواجب. فقد يكون الإجماع المنقول في هذا مبنيًا على المسألة الأصل، وقد ثبت عندنا في المسألة الأصل خلاف، فلا مانع أن يكون كذلك في هذا الفرع أن يفتى فيه بخلاف. نقول: الأحوظ إن ثبت الإجماع، الحمد لله الأمر على الإجماع، ويكون ماذا تكون حال مستثنى. إن لم يثبت الإجماع، وهذا كما سمعتم هو الظاهر، لأنه مبني على أصل المسألة، وأصل المسألة الصحيح أن فيه خلافًا بين أهل العلم. فالحاصل: أن الأحوط أن يقال: أحوظ في مثل هذه الصورة، خاصة أن من أراد أن يدخل المسجد وأن يجلس في المسجد، أن عليه أن يتوضأ احتياطًا وخروجًا من خلاف. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وكما جاء في الحديث: «إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». فهذا من باب الأخذ بالأحوط. خلاصة ما يقال في هذه المسألة: أن الوضوء لمن داخل المسجد وأراد الجلوس في المسجد وهو على غير الطهارة، أن الوضوء في حقه عليه أن يتوضأ احتياطًا. لماذا؟ لأن المسألة كما ترون، نقل فيها إجماع، وقلنا: الإجماع كما ترون محتمل أن يكون مبنيًا على أصل مسألة، وأصل مسألة مختلف فيه. ننتقل إلى المسألة التي تليها، المسألة الثالثة: من دخل المسجد ولم يرد الجلوس، أو لم يجلس، وإنما دخل لحاجة أو مر به مجتازًا به الطريق، فهل يصلي تحية المسجد؟ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: إن هذه المسألة تنبني على أن القبلية المطلقة هل تصدق بدون وجود ما أضيفت إليه أم لا؟ المراد بالقبلية المطلقة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». القبلية هنا أضيفت إلى ماذا؟ إلى الجلوس. قال: فإن قيل: إنها لا تصدق بدونه، فالأمر لا يتناول من لا يجلس، أي أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس»، إذا كان الإضافة هاهنا مرادة، فيكون الحديث مختصًا بمن أراد الجلوس. وإن قيل: إنها تصدق بدون ما أضيفت إليه، تناوله الأمر. قال: وهذه الرواية: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، إنما فيها نهي عن الجلوس حتى يصلي، فمن دخل ولم يجلس، بل مر في المسجد مجتازًا فيه، أو دخل لحاجة ثم خرج ولم يجلس، لم يتناوله هذا النهي. وهذا هو الفصل والصحيح في هذه المسألة. بمعنى أن من أراد المرور في المسجد أو دخل المسجد لحاجة، هل نقول له: عليك أن تصلي ركعتين؟ الجواب: لا. إنما أراد أن يصلي يصلي لنفسه، وإن لم يرد فلا شيء عليه، لأن المقصود في الحديث: أن من أراد أن يجلس في المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية. وهذا القول نقله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن ابن عمر وابنه سالم والحسن والشعبي ومالك وأحمد وإسحاق. إلهنا سبحانك، الله بحمدك، لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.