كتاب الصلاة 43

الدرس في كتاب الصلاة 43، ألقاها

حكم قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية

اختلف العلماء في حكم قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية بين وجوب وعدم وجوب، واستدل كل فريق بأدلة من القرآن والسنة. القول بوجوب القراءة يعتبر الأقرب.

تفاصيل قراءة المأموم والإمام في الصلاة

يقرأ المأموم الفاتحة فقط ثم ينصت للإمام، ويعتد بالركعة إذا أدرك الإمام راكعًا حسب الجمهور. كان النبي يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين.

صفة قراءة الإمام وقضاء الصلاة

يستحب للإمام قراءة بطوال المفصل في الصبح وأواخر المفصل في المغرب والعشاء. عند قضاء الصلاة، يُقرأ بفاتحة الكتاب وسورة إن أمكن، وإلا فالفاتحة تكفي.

التفريغ النصي الكامل

عبادة الصامت رضي الله عنه وأرضاه، فمن ذلكم حكم القراءة، حكم قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية. حكم قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية فيه خلاف، فذهب مالك والزهري وابن المبارك وأحمد وإسحاق إلى أنه لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية. ذهب هؤلاء إلى التفصيل في قراءة الفاتحة، فقالوا: أما الجهرية فقراءة الإمام له القراءة، وأما السرية فإنه يقرأ لحديث عبادة. وذهب ابن عون والأوزاعي ورواية عن الشافعي، وأبو ثور، وغيرهم من أصحاب الشافعي، إلى أنها تجب القراءة على المأموم في السرية والجهرية. وحكي هذا القول عن مكحول، والليث بن سعد، وآخرين. استدل أصحاب القول الأول ببعض الأدلة، من هذه الأدلة أولًا: قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، ونقل الإمام أحمد رحمه الله تعالى الإجماع على أن هذا الإنصات يكون في الصلاة، وأن الآية جاءت في الصلاة. قال: فيها دلالة على أن المأموم إذا كان يسمع قراءة الإمام فعليه أن ينصت، ولا يقرأ شيئًا. واستدلوا أيضًا بأحاديث، منها ما جاء في حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَإِذَا صَلَّى خَلْفَ إِمَامٍ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ». وكذلك استدلوا بما جاء في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا». واستدل الآخرون، القائلون بأنها تجب في كل ركعة، بعموم حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». وكذلك بحديث أبي هريرة: «مَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَلَاتُهُ خِدَاجٌ»، ثلاثًا، غير تمام. والقول الثاني -والله أعلم- هو الأقرب. والجواب على أصحاب القول الأول: أما الآية، وكذلك ما يدل عليه الحديث: «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا»، وقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، هذا يحمل على عموم الإنصات للقراءة، بمعنى أن من كان في صلاة فإنه ينصت لما يقرأ، فلا ينشغل بغير ما يسمع من قراءة. وخص ذلك بقراءة الفاتحة، أي: استثنى من ذلك قراءة الفاتحة، أي: حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه. وحمل العلماء رحمهم الله تعالى الإجماع المنقول في الآية -أي: في قول الإمام أحمد: أجمعوا على أنه في الصلاة- قالوا: هذا معناه أن من كان في الصلاة فواجب عليه الإنصات. وأما من لم يكن في الصلاة فلا يجب عليه الإنصات. معنى هذا: أن رجلًا مثلًا إذا كان يقرأ قرآن بجانبه، وأنت تقرأ قرآن، أو تقرأ حديثًا، أو تقرأ في كتب أهل العلم، فليس واجبًا عليك الإنصات. بقي حديث: «فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»، هذا حسنه بعض أهل العلم، وبعض أهل العلم ضعفه. وهؤلاء من أصحاب القولين ضعفوا هذا الحديث. وإذا ضعف الاستدلال، وضعف الدليل، فما بقي إلا ما ثبت في الصحيح من غير استثناء، وهو حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وفيه: كما مر معنا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، ولا مخصص له، فيبقى الحديث على عمومه. فالأقرب من هذه الأقوال ما سمعتموه، وهو أن الإمام إذا كان يقرأ في الجهرية، فالمأموم حقه أن يقرأ بسورة الفاتحة فقط، ثم ينصت. وليس عليه أن يخالف الإمام وينازع في القراءة. مسألة أخرى: ومن أدرك الركوع مع الإمام، فقد أدرك الركعة، وإن فاته معه القيام وقراءة الفاتحة. نحن ذهبنا وذكرنا ما ذكره بعض أهل العلم من أن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة. فمن أدرك الإمام راكعًا، فهل يجب عليه قراءة الفاتحة؟ أم لا يجب عليه قراءة الفاتحة؟ بل هل تحسب له تلك الركعة؟ أم لا تحسب له؟ والجواب: أن الجمهور ذهبوا إلى الاعتداد بها، إلى الاعتداد بذلك الركوع، وأنهم قد أدركوا ركعة مع الإمام بذلك الركوع. وقد حكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا من العلماء. وكذا قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: إنه لم يخالف في ذلك أحد من أهل الإسلام، أي: في الاعتداد بذلك، في أنها ركعة. واستدلوا بأدلة، من أشهرها حديث أبي بكرة في صحيح البخاري، وفيه: قال إنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ». والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر له تلك الركعة. وذهب البخاري رحمه الله تعالى في جزء القراءة إلى أنه لا يدرك الركعة بذلك. وحكاه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وذهب إليه أيضًا من الأئمة المشهورين ابن خزيمة، وكذلك ذهب إليه الظاهرية. ومن المعاصرين يختاره شيخنا العلامة الوادعي رحمه الله تعالى. والأقرب والله أعلم القول الأول، لما تقدم في حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه من أنه قد اعتد بتلك الركعة. وقد جاء في ذلك عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأرضاه أنه فعل هذا، وقال: إنها السنة. وجاء كذلك هذا الأمر عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال رحمه الله تعالى عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الرَكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي الرَكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ. وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ». وفي حديث أبي قتادة رضي الله عنه وأرضاه صفة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، أي: بسورة لكل ركعة. قال: يطول في الأولى ويقصر في الثانية. وفي هذا إشارة إلى استحباب التطويل في الركعة الأولى مطلقًا. قال: وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، أي: يقتصر على القراءة بفاتحة الكتاب في الركعة الثالثة والرابعة. قال: وكان يطول في الركعة الأولى في صلاة الصبح ويقصر في الثانية. قال رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله عنهم: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمُعَاذٍ: فَلَوْلَا تُصَلِّي بِسَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى؟ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ». وفي حديث معاذ هذا إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار عليه بالتخفيف، وذكر أمثلة على التخفيف بهذه السور. قال الإمام الخرقي رحمه الله تعالى: ويقرأ في الصبح بطوال المفصل، إلى جانب سورة الفاتحة. وفي الظهر في الركعة الأولى بنحو الثلاثين آية، وفي الثانية بأقل من ذلك. وفي العصر على نصف من ذلك. وفي المغرب بسورة من أواخر المفصل. وفي العشاء الآخرة مثلها. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وجملة ذلك أن قراءة السورة بعد الفاتحة مسنون. ومعنى مسنون: أنه ليس بواجب. فمن تركها وتعمد ترك قراءة السورة، فهذا لا يؤثر في صلاته. قال رحمه الله تعالى: ويستحب أن يكون على الصفة التي بينها الخرقي، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعًا له. مسألة أخرى: يستحب أن يطيله الركعة الأولى من كل صلاة، ليلحقوا به القاصد للصلاة. وقال الشافعي: يكون الأوليان متساويين، لحديث أبي سعيد: «حَضَرْنَا قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الرَكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُهْرِ قَدْرَ الثَّلَاثِينَ آيَةً». فاستدل الشافعي رحمه الله تعالى بهذا الحديث أن الركعتين تكون في القراءة سواء. قال: ولأن الأخيرتين تتساويان، فكذلك الأوليان. ووافق القول الأول أبو حنيفة في الصبح، وهو قول الحنابلة. ووافق الشافعي في بقية الصلوات. قال ابن قدامة رحمه الله: ولنا ما روى أبو قتادة: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ». وهذا هو الصحيح لحديث أبي قتادة. مسألة أخرى: إذا أدرك المسبوق من الرباعية مثل ركعتين، فهل يقرأ فيما يقضي الركعتين بالحمد وحدها، أو بالحمد وسورة؟ في المسألة قولان: الأول: أنه يقضي بالحمد وسورة، يصلي بالحمد وسورة. وهذا هو المنصوص عن مالك والشافعي وأحمد. ونص الشافعي على أن ما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته. فإذا كان أول صلاته، فيقرأ بسورة الفاتحة وغيرها. وعن مالك في ذلك روايتان منصوصتان: إحداهما: هو أول صلاته. والثانية: وآخرها. وعن الإمام أحمد أيضًا روايتان. وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه: فهو أن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها. قال ابن رجب رحمه الله: وعلى قول هؤلاء لا إشكال في أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة. والأقرب والله أعلم هو ما سمعتموه: أنه يقرأ بسورة مع سورة الفاتحة إن أمكن. فإن لم يستطع، اقتصر على سورة الفاتحة فحسب. واضح هذا.

شاركنا على