الدرس في كتاب الصلاة 104، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في قضاء الفوائد في أوقات النهي، حيث ذهب مالك وأحمد إلى جواز قضاء الفرائض للنوافع، بينما ذهب الشافعي إلى جواز فعل النافلة التي لها سبب. الفرائض لا تدخل في النهي بإجماع العلماء.
ذهب مالك وأحمد إلى جواز قضاء الصلاة في أي وقت، بينما ذهب الشافعي إلى جواز قضاء الصلاة في أوقات النهي إذا كانت لها سبب، واستدل كل فريق بأدلته الشرعية.
يرى الإمام الشافعي جواز الصلاة في أوقات النهي لذوات الأسباب، بينما يرى آخرون مثل شيخ الإسلام التشديد في أوقات معينة، وتناول المقطع الرد على قول أبي حنيفة بشأن عدم جواز أداء فرض آخر في الوقت المنهي عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال، وهل تقضى الفوائد فيها أم لا؟ قال مالك وأحمد: تقضى فيها الفرائض للنوافع. وقال الشافعي: يجوز فعل النافلة التي لها سبب. وقال أبو حنيفة: ما نهي عنه لأجل الوقت لا يجوز أن يصل فيه فرض سوى عصر يومه. فهذا في هذه المسألة أولًا قد أخذنا أوقات النهي، وذكرنا أيضًا عدد هذه الأوقات عند العلماء، لكن هناك بعض المذاهب يزيدون أيضًا في هذه الخمسة. وماذا بالحنابلة؟ يزيدون وقتًا سادسًا جاء فيه النهي في حديث عبد الله بن عمر، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ركعتي أن يصلي قبل الفجر إلا ركعتي الفجر. وهذا الحديث حديث حسن استدل به الحنابلة على أن من الأوقات المنهي عنها أيضًا قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الفجر إلى الصلاة. وحمله بعض العلماء كالشافعي وغيره على أن المراد به بعد صلاة الفجر، مثل الحديث للتقدم. وحمله أحمد على أنه قبل الصلاة، فلا يصلي إلا ركعتي الفجر. وأيضًا هذه الأوقات المنهي عنها، المنهي عن الصلاة فيها، أي صلاة هذه؟ أي صلاة منهي عنها؟ أما الفرائض أداؤها في هذه الأوقات، معنى من كانت في وقتها، فهذا لا شك، لا خلاف فيه. مثلًا إنسان لم يصل الفجر، نعم، فلم يقم إلا قرب طلوع الشمس، فهل يقول: إن هذا وقت نهي لا أصلي؟ لا يصلي، يصلي الفريضة ولو لم يبق من الوقت إلا شيئًا يسيرًا. ولا يقول أيضًا: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم وحينئذ يسجدها الكفار، فيقول: لا أسجد في هذا الوقت. لا، إذا كان فريضة يصلي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة» أو قال: «فقد أدرك العصر». فتبين من هذا أن الفرائض لا تدخل فيها هذا بإجماع العلماء. لكن المراد به صلاة التطوع، هذا أيضًا بإجماع، الصلاة التي ليست لها سبب وليست أيضًا لها معنى قضاء، مثلًا، وإنما سيتطوع هكذا، الإنسان سيصلي ركعتين لا يصليها في الأوقات المنهي عنها، فهذا أيضًا لا خلاف فيه بين أهل العلم. لكن اختلفوا في بعض المسائل وبعض السنن. فهنا ذكر المؤلف: هل تقضى الفوائد فيها أم لا؟ ذكر قضاء الفوائد، وهي مسألة من المسائل التي اختلف فيها: هل تقضى الفوائد في وقت الكراهة أو وقت النهي؟ فقال مالك وأحمد: تقضى فيها الفرائض للنوافع. تقضى فيها الفرائض للنوافع. أن إذا كانت فريضة لا بأس أن يقضيها، معنى مثلًا لو أنه كما قلنا ما استيقظ إلا أو ترك صلاة الفجر أو صلاة الظهر نسيها، فذكرها قبل غروب الشمس، فهل يصليها في ذلك الوقت؟ أم أنه ينتظر حتى تغرب الشمس فيصلي المغرب ثم يصلي الظهر؟ فعند مالك وأحمد يقولون: إنه يصليها، واستدلوا بحديث أنس الذي في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها متى ذكرها، فإن ذلك هو وقتها». فهنا لم يخص أو لم يخص وقت من الأوقات، بل قال: «متى ما ذكرها فليصلها»، لا يؤخرها، فإن ذلك وقتها. وجاء في رواية: «فإنه لا كفارة لها إلا ذلك». الرجل مثلًا نسي صلاة الفجر، فقام يعمل وكذا، فما ذكر إلا عند اشتداد حرارة الشمس. فالآن قد انتهى وقتها؛ لأن القضاء ما يكون إلا إذا انتهى الوقت. أما إذا كان الوقت موجود يصليها، مثلًا لو نام وقام عند طلوع الشمس صلاها، وهذا لا خلاف فيه كما ذكرنا قبل. لكن إذا كانت قضاء قد انتهى وقتها، مثلًا العصر نسيها فلم يذكر إلا المغرب، فهل الآن يصليها في المغرب؟ يصليها؛ لأنه ليس وقت نهي. لكن لو نسيها الظهر وما ذكر إلا قبل الغروب، فإنه هنا الخلاف. فمالك وأحمد يقولون: يصليها في ذلك الوقت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها»، متى ما ذكرها صلاها، سواء كان نام عن الصلاة أو نسيها. «من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها». وهذا هو المذهب الصحيح في هذه المسألة؛ لأن هذه الأوقات قد قضيت بصلاة الفرائض، وهذا الوقت هو أيضًا وقت صلاة الفريضة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن ذلك وقتها»، فلهذا فإنه يصلى في ذلك الوقت. فهل يستدلوا بحديث أبي قتادة عمران بن حسين لما نام النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة الفجر وما قاموا إلا حر الشمس؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام لما قاموا قال: «امشوا؛ فإن هذا المكان قد حضركم فيه شيطان»، فمشوا قليلًا ثم نزلوا وصلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين الفجر ثم صلى الفجر. فهل هذا الحديث فيه دليل مثلًا على أنه لا يصليها عند طلوع الشمس؟ لا، ليس فيه دليل؛ لأن الصحابة ما قاموا إلا ما قاموا إلا حر الشمس، والشمس ما تكون حر إلا بعد أن تطلع قدر رمح أو أكثر. فلهذا فالحديث هذا لا دليل فيه في رد هذه المسألة. فالصحيح أنه كما قلنا: يقضى ولو كان في وقت النهي، إنه يصليها متى ما ذكرها. الشافعي رحمه الله يقول: يجوز فعل النافلة التي لها سبب، ويقول كذلك بالقضاء، لكن عمم الحكم أيضًا فيما له سبب، أي صلاة لها سبب فإنه له أن يصليها في أوقات النهي. مثلًا تحية المسجد، أيضًا صلاة الكسوف، ركعتي الوضوء، فهذه كلها لها أسباب. يقول الشافعي رحمه الله: إذا كانت لها سبب يصليها في أي وقت. واستدل الشافعي رحمه الله بقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث طلق بن علي: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، ولم يحدد أو لم يستثني وقتًا دون وقت. لكن هذه مسألة فيها خلاف بينها العلماء في الأصول؛ لأن هذا عام، وهذا عام، ولم يأت ما يخصهما. فقال بعضهم: العلم العام الذي خصص يكون أقل من العام الذي لم يخص، يعني في يرجع إلى الترجيح، فيرجح العام الذي لم يخص على العام الذي خصص. وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر، وأيضًا أقر من صلى ركعتي الفجر بعد الفجر، فهذا يدل على أنه صلى في هذه الأوقات القضاء. فدل على أن هذا الحديث خصصه، لكن حديث أبي قتادة لم يخصص أنه في أوقات يجلس فيها وفي أوقات يصلي، لم يخصص أيضًا. كذلك الشافعي رحمه الله استدل بحديث العباس، قد يرويه الإمام أبو داود، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا بني عبد مناف، يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف أو صلى في أي ساعة». لا تمنعوا أحدًا طاف البيت أو صلى في أي ساعة كانت، لا تمنعوا أحدًا. وخص بني عبد مناف؛ لأن السقاية والبيت كان عندهم، وهم أربعة: بنو هاشم، وبنو نوفل، وبنو عبد شمس، وبنو المطلب. فهذه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا صلى أو طاف في المسجد أو صلى في أي ساعة كانت». فاستدل به الإمام الشافعي على أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز أن تصلى تحية المسجد أو ركعتا الطواف ولو كان في وقت النهي، ولو كان في وقت النهي؛ لأنه قال: «في أي ساعة كانت». فلهذا ذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أن النوافل التي هي ذوات السبب يجوز أن يصليها. لكن يعكر على هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر طلوع الشمس وغروبها قال: «فإنها تطلع وتغرب على قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن السجود في ذلك الوقت. فلهذا قال بعض أهل العلم، وهو قول شيخ الإسلام: إنه يشدد في الثلاث الأوقات التي جاء التشديد فيها، فلا يصلى فيها عند طلوع الشمس، وعند الاستواء، وعند غروب الشمس. وأما بعد العصر وبعد الصبح فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم صلى في ذلك الوقت. فلهذا فالأولى للإنسان أن لا يصلي في هذه الأوقات، وهي أوقات يسيرة، أنها عشر دقائق أو دون ذلك. فإما أن يجلس، وإما أن يقوم مثلًا حتى يذهب ذلك الوقت، ينتظر قائمًا أو إن كان قد جاء من قبل يصلي ويجلس حتى ينتهي ذلك الوقت. فدار هذا من الأدلة؛ لأن الترجيح ليس قويًا أن يرجح أحد الوجهين. لكن يقال: إن الثلاثة الأوقات هذه لا يسجد فيها؛ لأنها وقت سجود الكفار. وأيضًا النبي عليه الصلاة والسلام حتى الذي يؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت وينقرها قبل غروب الشمس سماها النبي عليه الصلاة والسلام «صلاة المنافق»، وإن كانت صلاة صحيحة. فلهذا فمثل هذه المسألة يقال: هذا القول أو يقال بهذا الذي قلناه. وأما قول أبي حنيفة فلا دليل عليه: «ما نهي عنه لأجل الوقت لا يجوز أن يصل فيه فرض سوى عصر يومه». طيب إن شاء الله نكتب بهذا والله تعالى.