كتاب الصلاة 11

كتاب الصلاة 11

الدرس في كتاب الصلاة 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم قراءة البسملة والتأمين في الصلاة

تناول حكم قراءة البسملة في الصلاة وعدم الجهر بها، كما تطرق إلى أهمية التأمين في الصلاة وفضله. الراجح أن البسملة ليست آية من الفاتحة والتأمين مستحب سواء للإمام أو المأموم.

طول القراءة في الصلوات الخمس

شرح طول القراءة في الصلوات الخمس، حيث كان النبي يطيل في الصبح والظهر ويخفف في العصر والمغرب والعشاء. كان يقرأ في الظهر والعصر بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل.

أحكام قراءة السور في الصلاة

تناول أحكام قراءة السور في الصلاة، واستدل على جواز قراءة سورتين بعد الفاتحة في الركعة الواحدة وأفضلية الاقتصار على سورة واحدة. كما تطرق إلى أهمية التدبر في القراءة أثناء الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، في حديث عائشة الذي مر معنا في درس الماضي قولها: «وكان ينهى عن عقبة الشيطان»، وقلنا: العلة المراد هو الإقعاء المنهي عنه. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إقعاء كإقعاء القرد، في رواية: كإقعاء الكلب. وهو كذلك، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله: أن المراد بإقعاء الشيطان الإقعاء المنهي عنه. نعم، وبالنسبة للتسليم، ذكرنا بالأمس أن التسليم ركن من أركان الصلاة، وهذا قول جمهور أهل العلم، هذا قول جمهور أهل العلم: الشافعي، وأحمد، ومالك. وذهب أبو حنيفة إلى عدم الوجوب، إلى عدم الوجوب. عنده التسليم ما يجب، بل لو خرج -يعني من الصلاة- بغير تسليم، أو أحدث في آخر الصلاة، فصلاته صحيحة. والجمهور على أن التسليم تسليمتان، أن التسليم تسليمتان. وذهب الإمام مالك إلى أنه تسليم واحدة، على أنه تسليم واحدة فقط، لكن كما أشرنا في الدرس الماضي: أن الواجب هي التسليم الأولى، وأما التسليم الثانية فمستحبة، هكذا يقول الجمهور الذين يقولون بتسليمتين. فعندهم التسليم الثانية مستحبة، وليست بواجبة. قال المصنف: الحديث الثامن والأربعون بعد الثلاثمائة، قالوا: عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، متفق عليه. وزاد مسلم: لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول قراءة، ولا في آخرها. وفي رواية لأحمد، وابن خزيمة: لا يجهرون «بسم الله الرحمن الرحيم». وفي أخرى لابن خزيمة: كانوا يسرون، كانوا يسرون. وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم، خلافا لمن أعلها. حديث أنس فيه: أن السنة في قراءة الفاتحة أن لا يجهر بالبسملة، وأن يجهر بالفاتحة مباشرة. إذا قرأ الإمام في الصلاة الجهرية، فإنه يجهر بالحمد لله رب العالمين، ولا يذكر -أو لا يجهر- بالبسملة. قال أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، فهذا يحتمل أنه أراد افتتاح الصلاة بقراءة الفاتحة، أو أنه أراد كذلك: أنهم لا يذكرون البسملة، وإنما يجهرون بالفاتحة مباشرة. وفي رواية مسلم: لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم»، وإذن صريحة في عدم الجهر بالبسملة، يعني: لا يجهرون بها في أول القراءة، ولا في آخرها. وفي رواية ابن خزيمة: كانوا يسرون، يعني يسرون بالبسملة، ما يجهرون بها. معنى هذا: أنهم ربما قرأوها، لكن سرا، قرأوها سرا، لا يجهرون بها. هذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهم. فدل هذا الحديث على أن السنة هو الإسرار بالبسملة، والجهر بالحمد لله رب العالمين. وما ورد خلاف ذلك، مما فيه التصريح بالجهر بالبسملة، فهو ضعيف، لا يصح. ما ورد خلاف ذلك مما هو صريح بالجهر بالبسملة فهو ضعيف، كما سيأتي التنبيه على بعض هذه الروايات. قال الحديث التاسع والأربعون بعد الثلاثمائة، قالوا: عن نعيم المجمر رحمه الله، قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ «ولا الضالين» قال: آمين. ويقول: كلما سجد، وإذا قام من الجلوس: الله أكبر. ثم يقول: إذا سلم: «والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث فيه: جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالبسملة، أن أبا هريرة صلى بهم، فقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم قرأ الفاتحة، ثم قال بعد ذلك -بعد ما انتهى من الصلاة-: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله». معنى هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر «ببسم الله الرحمن الرحيم». والصحيح: أن ذكر البسملة في هذا الحديث شاذ، ذكر البسملة في هذا الحديث شاذ. فجميع الثقات الذين رووا هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه لم يذكروا البسملة، وتفرد نعيم المجمر بذكرها، فشذ بذلك. وأصل الحديث في الصحيحين بدون ذكر البسملة، أصل الحديث في الصحيحين بدون ذكر البسملة. قال الحديث الخمسون بعد الثلاثمائة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأتم الفاتحة، فاقرأوا «بسم الله الرحمن الرحيم»، فإنها إحدى آياتها». رواه الدارقطني، وصوب وقفه. إذن هذا الحديث موقوف، أي من قول أبي هريرة رضي الله عنه. والموقوف من قسم الضعيف. تأتي مسألة هنا، وهي: هل بسملة آية من الفاتحة، أو ليست بآية؟ اختلف أهل العلم في ذلك. فذهب الإمام الشافعي إلى أنها آية من الفاتحة، لا بد من قراءتها، فتخفى إن أخفيت الفاتحة، والصلاة السرية، ويجهر بها إن جهر بالفاتحة. وذهب الإمام مالك إلى أنها ليست بآية من الفاتحة، وهذا القول والأظهر. واستدل من قال بذلك بحديث أبي هريرة في الصحيح، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال عبدي: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي»، الحديث. لم يذكر البسملة، ولو كانت البسملة آية من الفاتحة، لابتدأ بذكر البسملة: إذا قال: «بسم الله الرحمن الرحيم». فدل هذا على أنها ليست بآية من الفاتحة، وإنما هي يؤتى بها لاستفتاح السور، يؤتى بالبسملة للفصل بين السور والاستفتاح بها. وهي آية باتفاق في سورة -في سورة النمل-: «إنه من سليمان، وإنه «بسم الله الرحمن الرحيم»»، هذا باتفاق أنها آية. وأما في غيرها، وقع فيها الخلاف كما سمعتم. والأظهر أنها ليست بآية من الفاتحة. وأما حيث مسلمة: لما ذكرت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ الفاتحة، فيقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين»، يفصل بين الآيات، فذكرت قراءته، فهذا ليس بصريح، ليس بصريح أن البسملة لآية من الفاتحة، وإنما يعني ذكرت البسملة لكونها يؤتى بها في أول السور، وربما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم -يعني في بعض الأحيان- ليبين أنه لا بأس بقراءتها قبل السورة. لكن الحديث ليس بصريح على أنها آية من الفاتحة. فالخلاصة: أن السنة في قراءة الفاتحة أن يجهر بالفاتحة، ولا يجهر بالبسملة. وما ورد خلاف ذلك، إما أن يكون صريحا ليس بصحيح، كحديث أبي هريرة الذي عندنا هنا. وإما أن يكون صحيحا ليس بصريح، كحديث مسلمة في ذكرها لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم. وبالنسبة للبسملة، فكما سمعنا: الراجح أنها ليست بآية من الفاتحة، لكن من يقول بأنها آية، فلابد أن يقرأها إذا قرأ الفاتحة. وإذا لم يقرأها، بطلت صلاته، لأنه حينئذ لا يكون قد قرأ الفاتحة كاملة على القول بأنها آية من الفاتحة. قال الحديث الحادي والخمسون بعد الثلاثمائة، قالوا: عن وائل بن حجر رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ «ولا الضالين» قال: آمين، ورفع بها صوته. رواه أبو داود. قال الحديث الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه». متفق عليه. في حديث وائل بن حجر: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ الفاتحة، فقال: «ولا الضالين»، قال: آمين. أمن عليه الصلاة والسلام بعد قراءته للفاتحة. ففيه استحباب التأمين، وهو قول القارئ للفاتحة في آخرها، بعد قوله: «ولا الضالين»، أن يقول: آمين. قال: ورفع بها صوته، يعني في الصلاة الجهرية، يستحب رفع الصوت بالتأمين، يستحب رفع الصوت بالتأمين. والتأمين بالنسبة للإمام مستحب. في حديث أبي هريرة، قال: «إذا أمن الإمام، فأمنوا». وأما بالنسبة للمأموم، فأكثر أهل العلم على أنه مستحب كذلك، على أن التأمين مستحب للمأموم. وذهب بعض العلماء إلى الوجوب، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، بقوله: «فأمنوا». والأصل في الأمر أنه للوجوب. وهذا يتأكد على المأموم أن يؤمن. وقوله: «إذا أمن الإمام، فأمنوا»، يعني: هل يؤمن الإمام بعد تأمين المأموم؟ يؤمن بعد تأمين الإمام، أو يؤمن بعد أن يؤمن مباشرة؟ جاء في بعض الروايات الأخرى: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين». وهنا قال: «إذا أمن الإمام، فأمنوا». فقال أهل العلم: المراد بقوله هنا: إذا أمن، أي أراد أن يؤمن، يعني إذا فرغ من قوله: «ولا الضالين»، وأراد أن يؤمن، فنؤمن معه. لأنه قال في الحديث الآخر: «إذا قال: ولا الضالين، فقولوا»، فقولوا: آمين، أي مباشرة. فحينئذ يوافق تأمين المأموم تأمين الإمام. ففي هذا الحديث بيان: أن تأمين الإمام يكون بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة كلها، عند قوله: «ولا الضالين». ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة في التأمين، في قوله: «فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه»، يعني: من وافق تأمينه في ذلك الوقت تأمين الملائكة، يعني: أن هذا أن الملائكة تؤمن، تؤمن إذا أمن الإمام، وإذا فرغ من قراءة الفاتحة. فإذا وافق تأمين المأموم تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه، أي: من صغائر الذنوب. وهذه فضيلة عظيمة من فضائل التأمين. وبالنسبة للمأموم، أو المنفرد إذا صلى، فكذلك يسحب له التأمين، إذا قرأ الفاتحة، فلا بأس أن يؤمن. ويتأكد التأمين في الصلاة الجهرية، في الصلاة الجهرية. إذا أمن الإمام، فيؤمن المأموم، ويرفع بها صوته، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. هذا قول الجمهور، خلافا لأبي حنيفة، ومالك في رواية. فإذا علمنا أن التأمين مشروع، بل مستحب في قول جمهور أهل العلم، خلافا للشيعة. فالشيعة عندهم التأمين بدعة، عندهم التأمين لا يشرع، بل من البدع. قولهم باطل. وآمين يعني: هذا اللفظ يقال: إما بمد الهمزة والميم: آمين. أو بمد الهمزة وتخفيف الميم: آمين. نعم، ويحذر من تشديد الميم، يحذر من تشديد الميم. هذا من التصحيف، أن تقول -أو تحريف الكلمة- أن تقول: آمين. آمين بمعنى قاصدين. هنا يختلف المعنى. أنت لما تقول: آمين، بمعنى: اللهم استجب، اللهم استجب. لكن آمين بمعنى قاصدين، ليس هذا المعنى هو المراد. إذن ينتبه عند التأمين أن لا يشدد الميم. قال الحديث الثالث والخمسون بعد الثلاثمائة، وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه. قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». الحديث رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. هذا الحديث فيه إبراهيم السكسكي، وهو ضعيف عند الجمهور، لسوء حفظه. لكن حسنه بعض أهل العلم بشواهده. وهو من رجال البخاري، إلا أنه فيه ضعف، فيه ضعف في حفظه. في هذا الحديث: أن هذا الرجل قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن»، يعني: أن أحفظ من القرآن شيئا. فعلمني ما يجزئني منه، يعني: ما يجزئني في الصلاة أن أقرأه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». علمه هذا الذكر، وهذه الكلمات العظيمة أن يقولها بدلا من قراءة القرآن. فاستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن من لم يستطع أن يحفظ شيئا من القرآن، لكونه مثلا أسلم وهو كبير في السن، يشق عليه الحفظ، أو لأي سبب من الأسباب، مع -يعني- بذل الوسع والجهد في حفظ ما يتيسر من القرآن: أن هذا واجب أن يحفظ ما تصح به الصلاة. لكن لو لم يستطع، إذا كان لا يحفظ الفاتحة، ويحفظ شيئا من السور الأخرى، يقرأ يقرأ شيئا من السور الأخرى، ولو سبع آيات، كما قال الإمام ابن قدامة رحمه الله. لأنه قال هنا: «لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا»، يعني: أي شيء من القرآن، يعني: لو كان يحفظ شيئا من القرآن، يقرأه. إذا كان لا يحفظ الفاتحة، فيقرأ ما يتيسر من القرآن، فيقرأ. فإذا كان لا يحفظ شيئا بالكلية، فإنه يأتي بهذا الدعاء، يأتي بهذا الذكر، ويجزئه ذلك عن قراءة الفاتحة والقرآن. فيسبح، ويحمد الله، ويهلل، ويكبر، ويحوقل، ويقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». ويكفيه ذلك. وتتمة هذا الحديث: أنه قال هذا الرجل: «يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: اللهم ارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني، واهدني». قل: «اللهم ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني». فلما قام، قال: هكذا بيده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما هذا، فقد ملأ يده من الخير». أما هذا، فقد ملأ يده من الخير. قال حديث الرابع والخمسون بعد الثلاثمائة، وعن أبي قتادة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر، في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا، ويطيل، ويطيل الركعة الأولى، ويقرأ في الأخرى بفاتحة الكتاب. متفق عليه. نعم، في هذا الحديث يخبر أبو قتادة رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الظهر والعصر -يعني من صلاتي العشي- في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورتين، يعني: يقرأ فاتحة الكتاب، ويقرأ بعدها سورة، ثم في الركعة الثانية يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم بسورة. قال: ويسمعنا الآية أحيانا، يعني: قد يرفع صوته -وتعريبه بذلك الزمن ما فيه مكبرات صوت معنا هذا- أنه يرفع صوته، أن يجهر بشيء من القراءة، حتى يسمعون قراءته عليه الصلاة والسلام. ولعل هذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم من باب التعليم، أن يعلموا ما الذي يقرأ في مثل هذه الصلاة، فيجوز مثل هذا أحيانا. قال: ويطيل الركعة الأولى، يعني: تكون الركعة الأولى أطول من الركعة الثانية، تكون الثانية أقصر من الأولى. قال: ويقرأ في الأخرى بفاتحة الكتاب، يعني: اقتصر على الركعتين الأخرتين بفاتحة الكتاب فقط. فتكون -يعني- أخف من الركعتين الأوليين. نعم، وقد جاء فيه صور أخرى، يعني: فيها حديث آخر. أقصد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بأوساط المفصل: «الشمس وضحاها»، و«سبح اسم ربك الأعلى»، ونحوها. وربما أطال في صلاة الظهر، وقرأ بنحو سورة «السجدة». على سياق بعض الأحاديث في ذلك. قال حديث الخامس والخمسون بعد الثلاثمائة، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر «ألم السجدة»، «تنزيل السجدة». وفي الأخرى قدر النصف من ذلك. وفي الأوليين من العصر على قدر الأخرى من الظهر، والأخرى على النصف من ذلك. رواه مسلم. يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كنا نحزر قيام رسول الله -يعني نراقب قيام النبي صلى الله عليه وسلم، ونقدره- بقدر ماذا يقرأ في الظهر والعصر. فيقول: حزرنا قيامه -يعني قدرنا قيامه- في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر «ألم تنزيل السجدة»، يعني: قدر ثلاثين آية من الآيات المتوسطة التي ليست بالقصيرة، ولا بالطويلة. فسورة السجدة عبارة عن ثلاثين آية. فكان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر سورة السجدة. وفي الركعتين -وفي الأخرى- قدر نصف من ذلك، يعني: قدر خمسة عشر آية في الركعتين الأخرين، يعني: في كل ركعة نحو سبع آيات، ثمان آيات. نعم، وفي العصر، قال: في الأوليين -يعني من صلاة العصر- على قدر الأخرى من الظهر، يعني: قدر خمسة عشر آية في الركعتين الأوليين من العصر. والأخرى على النصف من ذلك، يعني: قدر سبع آيات تقريبا. فصلاة العصر تكون أخف من صلاة الظهر. وكان الغالب أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بأوساط المفصل، نحو: «الشمس وضحاها»، ونحوها من السور. قال حديث السادس والخمسون بعد الثلاثمائة، وعن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان. قال سليمان: كان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الأخرين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسطه، وفي الصبح بطواله. أخرجه النسائي بإسناد صحيح. نعم، هذا فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه في الصلاة: أنه يطيل الأوليين من الظهر، يطيل ركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخرين، ويخفف العصر -يعني في كل الصلاة- الأوليين والأخرين بالنسبة لصلاة الظهر. ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، يعني: من سورة «الضحى» إلى آخر «الناس»، إلى سورة «الناس». هذه قصار المفصل. فالمغرب يسكت فيها التخفيف، ولا بأس بالإطالة أحيانا. وسيأتي معنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بالطور، وقرأ فيها بالمرسلات، وقرأ فيها بالأنفال، وقرأ فيها بالعراف. لكن الأكثر هو التخفيف. قالوا: في العشاء بوسطه، يعني: بأوساط المفصل، أوساط المفصل، يعني: من نحو سورة «عم» إلى سورة «الليل». قالوا: في الصبح بطواله، طوال المفصل، من سورة «قاف» إلى «المرسلات». فالمفصل جعله الصحابة من «قاف» إلى سورة «الناس». فطواله من «قاف» إلى «المرسلات»، وأوساطه من «عم» إلى «الليل»، وقصاره من «الضحى» إلى «الناس». فكان النبي صلى الله عليه وسلم في الفجر يطيل القراءة، حتى يقرأ بطوال المفصل: سورة «قاف»، و«الذاريات»، و«الطور»، ونحوها من هذه السور. وربما قرأ بطوال طوليين، قرأ شيئا من -يعني- سورة «البقرة»، و«النساء»، ونحوها من هذه السورة الطويلة. إذن المستحب في صلاة الصبح التطويل، وهكذا في صلاة الظهر في ركعتين أوليين. وفي صلاة العصر التخفيف، وفي صلاة المغرب كذلك التخفيف، وفي العشاء كذلك التخفيف، والقراءة بأوساط المفصل. قال حديث السابع والخمسون بعد الثلاثمائة، وعن جابر بن مطعم رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور. متفق عليه. نعم، هذا كان في أول إسلامه رضي الله عنه. سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ: «أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون». قال: كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي. كان سمع لهذه الآيات من السبب في إسلامه رضي الله عنه. ففي هذا الحديث: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بالطور. والطور تعتبر ماذا من طوال المفصل؟ إذن يدور هذا: أنه لا بأس بقراءة شيء من طوال المفصل في المغرب أحيانا، أحيانا. فيكون هذا من السنة. فمن الخطأ الاقتصار على قصار المفصل بجهة الاستمرار. وفي المقابل: من الخطأ الاستمرار بطوال المفصل في المغرب. والسنة القراءة بقصار المفصل، وأحيانا لا بأس أن يقرأ بشيء من طوال المفصل. قال حديث الثامن والخمسون بعد الثلاثمائة، وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فصل العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. متفق عليه. نعم، في هذا الحديث: أنه لا بأس بقراءة شيء من قصار المفصل في صلاة العشاء، وخاصة في السفر. لأن السفر -يعني- فيه من التخفيفات ما ليس في غيره. كل هذا يشرع فيه: قصر الصلاة، والجمع بين الصلاتين، وترك النوافل الراتبة، من باب التخفيف. فكذلك لا بأس أن يقرأ بقصار المفصل. فالتين والزيتون من قصار المفصل، قرأ بها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء في السفر. وفيه أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذا صوت حسن في قراءة القرآن عليه الصلاة والسلام. قال الحديث التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة «ألم تنزيل السجدة»، و«هل أتى على الإنسان». متفق عليه. وللطبراني من حديث ابن مسعود: «يديم ذلك»، يعني: يستمر على ذلك. لكن هذه الرواية: رواية ابن مسعود عند الطبراني، قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله. أما حديث أبي هريرة فصحيح. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في فجر يوم الجمعة بـ«ألم تنزيل السجدة»، وفي ركعة الثانية بسورة «هل أتى على الإنسان». فيستحب القراءة بهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة. وذلك كما قال أهل العلم: لأن هاتين السورتين اجتمعتا على ذكر بدء خلق الإنسان، وكذلك أيضا ذكر ما يتعلق بالموت والبعث والنشور والجزاء على الأعمال. فيكون كالتذكير للمسلم بأصل وجوده في هذه الدنيا، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه من العدم، وأنه سيرحل من هذه الحياة، وسيحاسبه الله سبحانه وتعالى على أعماله، ويجازيه. فيكون ذلك له كالموعظة يتعظ بها في كل يوم جمعة. ولأن القيامة تقوم في يوم الجمعة، فناسب التذكير بذلك في مثل هذا اليوم. وأما رواية ابن مسعود: «يديم ذلك»، فعلمنا أنها لا تصح. والذي ينبغي هو الإكثار من قراءة هاتين السورتين، ولا بأس أحيانا أن يقرأ بغيرهما، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: حتى لا يظن الناس أنها واجبة، حتى لا يظن الناس أنها واجبة. فيكون أحيانا -يعني مثلا- الشهر يقرأ بالسورتين، والشهر الذي بعده يقرأ في جمعة بغير السورتين، ثم يستمر مثلا في قراءة هاتين السورتين -يعني بعد أربع جمع مثلا- يقرأ بسورة أخرى مثلا. فيكون قليلا -يعني أحيانا- يغير، لا يجعل الأحيانا هو الأكثر. بعض الناس يقلب، يقلب الأمر، يجعل الأحيانا هو الأكثر، والقراءة بالسورتين أحيانا، ربما ثلاث جمع ما يقرأ بالسورتين، ثم في جمعة يقرأ بهما، وهكذا. ثم يقول: حتى لا يظن الناس أنها واجبة. ويعكس الأمر، لا يكون الأكثر القراءة بالسورتين، ولا يقسم السورة -مثلا- السورة «السجدة» يجعلها في ركعتين، هذا خلاف السنة. بعض الأئمة ربما قرأ «السجدة» في ركعتين، ويقول: أخفف على الناس. لا يقال: أنت لا خالفت السنة. إما تقرا بها كاملة، ولا يقرأ بغيرها. النسائي ما فعل هذا، ما قسم «السجدة» في ركعتين. إنما قرأها في ركعة واحدة. قال حديث الستون بعد الثلاثمائة، وأن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقول: «هو الله أحد». فلما رجعوا، ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «سلوه لأي شيء صنع ذلك؟» فسألوه، فقال: «لأنها صفة الرحمن عز وجل، فأنا أحب أن أقرأ بها». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله تعالى يحبه». متفق عليه. نعم، في هذا الحديث: بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلا على سرية، يعني: كان أميرهم في السرية. وكان يصلي بهم، ويختم بقول: «هو الله أحد»، يعني: يقرأ السورة، ثم يقرأ بعد: «قل هو الله أحد». تجاه بعض الروايات: حتى قال: من كان معه، كأنه لا يرى الإجزاء بغير: «قل هو الله أحد». فلما رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ذكروا له ذلك، وما كان يفعل هذا الأمير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سلوه لأي شيء صنع ذلك؟» يعني: ما هو السبب الذي يجعله يفعل ذلك؟ فسألوه، فقال: «لأن صفة الرحمن»، وأنا أحب أن أقرأ بها، يعني: في «قل هو الله أحد» اجتمعت على وصف الرحمن سبحانه وتعالى، وتفرده بالأحدية والألوهية والصمدية، الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وكذلك الذي ليس له جل وعلا كفء، ولا مثيل، ولا شبيه. فلهذا أحب أن يقرأ بها. وهي تعدل ثلث القرآن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبره أن الله تعالى يحبه»، يعني: بسبب حبه لهذه السورة، مما فيها تعظيم لله سبحانه وتعالى. فدل هذا الحديث على جواز قراءة سورتين بعد الفاتحة في الركعة الواحدة من الفريضة. يجوز أن يقرأ القارئ المصلي بعد الفاتحة سورتين، يقرأ بعد الفاتحة سورتين، يقرأ سورة، ثم يختم بقول: «هو الله أحد». هذا جائز. لكن هل هو الأفضل؟ الجواب: لا، ليس هو الأفضل. لماذا؟ لأن الصحابة لما سمعوه يفعل ذلك، أنكروا عليه، يرون شيئا ما أعهدوه من النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا سألوه: لماذا تصنع هذا؟ وحتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الروايات: «لم لم تفعل ما أمرت أصحابك؟» يعني: أن تقتصر بسورة واحدة. فدل هذا على أن ما أمره بأصحابه هو الأفضل، وهو الذي عليه النبي عليه الصلاة والسلام. إذن الأفضل الاقتصار على السورة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. لكن من حيث الجواز: يجوز، يجوز القراءة بسورتين في الركعة الواحدة. ومن هنا نعلم: أن ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام يدل على جوازه، يدل على جوازه وإباحته. ولا يدل على الاستحباب إلا بقرينة -يعني- أخرى تدل على استحباب هذا الفعل. قال الحديث الحادي والستون بعد الثلاثمائة، وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة، إلا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأم الناس بها في الصلاة المكتوبة. رواه أبو داود. هذه سلسلة حسنة: عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. إلا أن في سنة هذا الحديث عند أبي داود: عنعنة محمد بن إسحاق. محمد بن إسحاق صاحب السيرة، هو ثقة، لأنه مدلس، وقد عنعن. فلهذا ضعف الحديث بسبب ذلك. وهذا الحديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالمفصل في أكثر الأحيان في صلاته، يقرأ بصور المفصل. وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف، لكن معناه صحيح في حديث آخر. قال الحديث الثاني والستون بعد الثلاثمائة، وعن حذيفة رضي الله عنه، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فذكر الحديث. وفيه: يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ. رواه مسلم. نعم، هذا الحديث فيه: استحباب القراءة في الصلاة، وخاصة صلاة الليل التي يستحب فيها الإطالة بالقراءة. أن يقرأ المصلي مترسلا، يعني: بتمهل، وعدم تعجل، حتى يتمعن ويتدبر آيات القرآن. فإذا مر بآية فيها تسبيح، سبح، شيء فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، أو فيه ذكر التسبيح، فيقول: سبحان الله. وإذا مر بسؤال سأل، إذا مر بآية فيها سؤال -يعني رب- مثلا: «ربنا ربنا فاغفر لنا وارحمنا»، فيسأل الله المغفرة والرحمة ونحو ذلك. وإذا مر بتعوذ تعوذ، مر بذكر شيء من عذاب النار، فيتعوذ من عذاب النار. فلا بأس بذلك في صلاة الليل. وهل يشرع مثله في صلاة الفريضة؟ الصحيح: أنه لا بأس إذا -يعني- أطال فيها القراءة، ومر بآية فيها وعيد، والتعوذ، لا بأس أن يتعوذ، لا مانع من ذلك. والأصل: أنه ما ثبت للفريضة، يثبت للنافلة. والعكس إلا ما خصه الدليل. قال حديث الثالث والستون بعد الثلاثمائة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإني نهيت أن أقر