التعليقات على كتاب الأدب المفرد 368

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 368، ألقاها

فضل الصحبة الصالحة وتأثير الجليس

يؤكد على أهمية اختيار الجليس الصالح وتأثيره الإيجابي على الإنسان، ويحذر من مجالسة أهل الذنوب والمعاصي. يشير إلى أن الجليس الصالح ينتفع به الإنسان في دينه ودنياه.

آداب الجلوس والتعامل مع البزاق في المجلس

يشرح آداب الجلوس ومنها جواز مد الرجلين عند الحاجة، ويتطرق إلى كيفية التعامل مع البزاق في المجلس بطريقة مناسبة لتجنب الإزعاج. يستدل بأحاديث نبوية لتوضيح هذه الآداب.

طلب الاستغفار من الصالحين الأحياء

يُبين جواز طلب الاستغفار من الشخص الصالح إذا كان حيًا وحاضرًا، ويُوضح أن هذا الفعل لا يجوز إذا كان الشخص غائبًا أو ميتًا. يستدل بأحاديث نبوية وأحكام شرعية لتوضيح ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، في كتابه «الأدب المفرد» بابٌ: «أكرم الناس على الرجل جليسه». بابٌ: «أكرم الناس على الرجل جليسه». قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا السائب ابن عمر، قال: حدثني عيسى ابن موسى، عن محمد ابن عباد ابن جعفر، قال: قال ابن عباس: «أكرم الناس علي جليسي». قال: وحدثنا أبو نعيم، عن عبد الله بن مؤمل، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: «أكرم الناس علي جليسي أن يتخطى رقاب الناس حتى يجلس إلي». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب أكرم الناس على الرجل جليسه»، أي أكرم الناس على الرجل من يجالسه، من يجالسه. وهذا فيه حث وترغيب على مجالسة الصالحين وأهل الخير، الذي ينتفع الرجل بالجلوس معه، ينتفع بالجلوس معه، يسمع منه الكلام الطيب والكلام الحسن والنصيحة. وكذلك أيضا ما ينتفع به في دينه أو دنياه، فهذا من أكرم الناس على الرجل. ذكر في هذا الباب أثر ابن عباس، أنه قال: «أكرم الناس علي جليسي»، يعني من أحق الناس إكرامًا وفضلًا هو من يجالسني، وأن تفد بمجالسته، فهذا فيه كما قلنا حث على مجالسة أهل الخير والصلاح. والمسلم ينبغي أن يحرص على ذلك، أن يجالس من فيه خير ومن ينتفع بالجلوس معه. وأما من كان في الجلوس معه شر، فهذا يبتعد عنه ويحذر من الجلوس معه، حتى لا يصيبه بشيء من الشر الذي عنده، ويوقعه في شيء من الإثم، ربما يكون سبابًا، شتاما، صاحب غيبة ونميمة، ونحو ذلك من أنواع الذنوب والمعاصي، فتنال الإثم بسبب جلوسك معه. فأنت تختار من تنتفع بالجلوس معه. «أكرم الناس علي جليسي». والإنسان يتأثر بمن جالسه. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المرء مع دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، يعني من يصاحب ومن يماشي ومن يجالس، فيكون خلقه كخلق صاحبه وجليسه. «المرء على دين خليله»، على دين صاحبه الذي يصاحبه، والذي يماشيه، والذي يكون معه. وهكذا قيل: «من جالس جانس». ولهذا الإنسان يحذر كما قلنا من مجالسة أهل الذنوب والمعاصي، وهكذا أيضا مجالسة أهل الأهواء والبدع، لأن هذا سبب في تأثره بهم، وربما تأثر بالبدعة التي عند من يجالسه، فتنتقل إليه وتقع في قلبه، فما تدري إلا وقد اعتقدها وقال بها. فلهذا يحذر من مجالسة أهل الذنوب والمعاصي وأهل البدع والشبهات والشهوات، حتى يسلم له قلبه، وكذلك أيضا تسلم له استقامته. قال: «أكرم الناس علي جليسي». وفي الأثر الثاني في السند الآخر فيه زيادة، قال: «أكرم الناس علي جليسي أن يتخطى رقاب الناس حتى يجلس إليه». لكن هذه الزيادة في هذا الأثر لا تصح، لأن في سند هذه الرواية الثانية عبد الله بن المؤمل، وقد ضعفه. قال: «باب هل يقدم الرجل رجله بين يدي جليسه». قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني أبو الزاهرية، قال: حدثني كثير بن مرة، قال: دخلت المسجد يوم الجمعة، فوجدت عوف بن مالك الأشجعي جالسًا في حلقة، مد رجليه بين يديه. فلما رآني قبض رجليه، ثم قال لي: «تدري لأي شيء مددت رجلي؟ ليجيء رجل صالح فيجلس». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «هل يقدم الرجل رجله بين يدي جليسه»، يعني إذا كان الإنسان في مجلس، هل له أن يمد رجليه، هل له أن يمد رجليه وهو جالس في هذا المجلس أم لا؟ وذكر رحمه الله هذا الأثر ليستدل به على جواز ذلك، وأنه لا بأس لمن كان في المجلس أن يمد رجليه، وأنه لا حرج في ذلك، وخاصة عند وجود الحاجة، كأن يكون مثلا كبيرًا في السن، أو يكون مريضًا، أو يتعب ويسأم من جلوسه في المجلس لطول المجلس، فأراد أن يغير من هيئة جلوسه فيمد رجليه حتى يريح نفسه، أو نحو ذلك، فلا بأس بذلك. ذكر هذا الأثر، قال كثير بن مرة: دخلت المسجد يوم الجمعة، فوجدت عوف بن مالك الأشجعي -وهو صحابي- جالسًا في حلقة، مد رجليه بين يديه، يعني قد مد رجليه وهو في الحلقة. فلما رآني قبض رجليه، فلما رآني قبض رجليه، يعني ضم رجليه ورفعها. قال: ثم قال لي: «تدري لأي شيء مددت رجلي؟» قال: «ليجيء رجل صالح فيجلس». هذا فيه يعني ذكر السبب الذي لأجله مد رجليه، أنه يحفظ هذا المكان لمن يراه أهلاً أن يجلس فيه، أو لمن يريد أن يجلس فيه، حتى ينتفع بالجلوس بجانبه، فيحفظ هذا المكان مثلا بمد رجليه، أو كذلك أيضًا لمقصد من المقاصد الأخرى التي ذكرنا، من كونه مريضًا، أو كبيرًا في السن، أو ملأ الجلوس بطول المجلس، أراد أن يمد رجليه، أو نحو ذلك من الأغراض أو الحاجات، فلا بأس أن يمد رجليه في المجلس، وليس في ذلك عيب. قال: «باب الرجل يكون في القوم فيبزق». قال: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا عتبة بن عبد الملك، قال: حدثني زرارة بن كريم بن الحارث بن عمر السهمي، أن الحارث بن عمر السهمي حدثه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمنى أو بعرفات، وقد أطاف به الناس، يعني اجتمعوا حوله والتفوا حوله، ويجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: «هذا وجه مبارك». قلت: يا رسول الله، استغفر لي. قال: «اللهم اغفر لنا». فدرت، فقلت: استغفر لي. قال: «اللهم اغفر لنا». فدرت، فقلت: استغفر لي. فقال: «اللهم اغفر لنا». فذهب يبزق، فقال بيده، فأخذ بها بزاقه، ومسح به نعله، كره أن يصيب أحدًا من حوله. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله: «باب الرجل يكون في القوم فيبزق»، يعني يكون الإنسان عند جماعة من الناس، فيأتيه البزاق، يريد أن يبزق، يتجمع الريق في فمه، فيريد أن يخرجه ويبزقه، أو نخامته مثلا تصل إلى حلقه، فيريد إخراجها، فهل له ذلك؟ أو كيف يفعل إذا كان عنده جماعة وعنده قوم بجانبه وحوله؟ فكيف يفعل بهذا البزاق أو هذه النخامة إذا أراد إخراجها؟ ذكر هذا الحديث، وسيأتي فيه ذكر الشاهد من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الحديث في أن الحارثة بن عمر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمنى أو بعرفات، وقد أطاف به الناس، يجتمع الناس حوله، ويجيء الأعراب -والأعراب سكان البادية- فإذا رأوا وجهه -أي وجه النبي عليه الصلاة والسلام- قالوا: «هذا وجه مبارك»، يعني قالوا على وجه النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأوه: «هذا وجه مبارك». ومعنى مبارك: أي كثير الخير والبركة، كثير الخير والبركة. وهو عليه الصلاة والسلام ماذا قد آتاه الله جل وعلا خيرًا وخلقًا عظيمًا، فكان عليه الصلاة والسلام من أكمل الرجال خلقًا، ومن أكملهم خلقًا. نعم، كان عليه الصلاة والسلام ذا خلق حسن، وجمال وبهاء ونور عليه الصلاة والسلام، مع ما آتاه الله جل وعلا من كمال الخلق، فكان الأعراب ينظرون إلى وجه النبي عليه الصلاة والسلام، والنظر إليه لا شك أنه شرف عظيم، أنه شرف عظيم. والذي يرى النبي عليه الصلاة والسلام ويلتقي به تثبت له شرف الصحبة، بأن يكون صحابيًا، لأن الصحابي مرأ النبي عليه الصلاة والسلام، أو لقيه وهو مؤمن ومات على ذلك، فيكون بهذا صحابيًا، تناله الأدلة الواردة في فضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وشرف الصحبة لا يساويها شيء، شرف الصحبة لا يساويها شيء مهما عمل الرجل من الأعمال، ومن الطاعات والعبادات، فهذا لا يساوي شيء عند شرف الصحبة، وكون الرجل صاحب النبي عليه الصلاة والسلام، ولقيه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أنفق أحدكم مثل مد أحدهم، لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه»، يعني من فضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فمن جاء بعدهم وأنفق أكثر منهم، ولو مثل جبل أحد، ما بلغ ذلك ما ينفقه الواحد منهم -أي من الصحابة- قدر المد أو نصفه. وهذا لا شك يدل على عظيم فضلهم رضي الله تعالى عنهم. قال: فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. الحارث بن عمر سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له، وهذا جائز أن الإنسان يسأل من غيره، أو يسأل غيره أن يستغفر له، إذا كان من أهل الخير والصلاح، بشرط أن يكون حيًا، وأن يكون حاضرًا، أن يكون حيًا وأن يكون حاضرًا. نعم، أما إن كان ميتًا، يأتي إلى الميت ويقول له: استغفر لي، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا إذا كان غائبًا، إذا كان حيًا لكنه غائب، غير موجود عندك، ولا يسمعك، ثم تسأله أن يستغفر لك، هذا أيضًا لا يجوز، بل إذا أردت أحدًا من أهل الخير أو الصلاح أن يستغفر لك، لابد أن يكون حيًا، وأن يكون حاضرًا. فإن اختل أحد هذين الشرطين، فهو من الدعاء المحرم، ومن الدعاء الشركي الذي لا يجوز صرفه لغير الله، أو أن يسأل به أحدًا من الخلق. أما إن كان حيًا موجودًا، حاضرا، فيجوز أن تقول له: استغفر لي. والنبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر أويس القرني، وأنه خير التابعين، قال: «من أدركه منكم فليستغفر له». أدركه عمر رضي الله عنه، وسأله أن يستغفر له، كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا في هذا الحديث، الحارث سأل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: استغفر لي، سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له. أما بعد موته عليه الصلاة والسلام، ما يجوز أن يأتي أحد ويقول: استغفر لي يا رسول الله، هذا لا يجوز أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته هذا السؤال، أن يسأل المغفرة، أو يقال له: استغفر لي، هذا إنما يجوز في حال حياته. نعم، وأما قول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، هذا في حال حياته، هذا في حال حياته عليه الصلاة والسلام، أما بعد موته فإنه لا يجوز سؤاله المغفرة. قال: استغفر لي، فقال: «اللهم اغفر لنا». فدرت، يعني إلى الجهة الأخرى، فقلت: استغفر لي، قال: «اللهم اغفر لنا». قال: فدرت، فقلت: استغفر لي، فقال: «اللهم اغفر لنا». فذهب يبزق، فقال بيده، فأخذ بها بزاقه، ومسح به نعله. هذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبزق، فقال بيده، معنى قال: أي فعل، هنا أطلق القول وأريد به الفعل. فقال بيده، أي فعل بيده، فأخذ بها بزاقه، أي بزق في يده عليه الصلاة والسلام، ثم مسح به نعله. هذا الفعل فعله عليه الصلاة والسلام لعله اضطر إلى ذلك، ربما لم يكن عنده منديل، أو طرف عمامة، أو نحو ذلك يضع فيه البزاق، فوضعه في يده، ثم حك به في نعله؛ لأجل ماذا؟ حتى لا يؤذي أحدًا ممن عنده من القوم. قال: «كره أن يصيب أحدًا من حوله»، كره أن يصيب أحدًا من حوله، يعني أن يتأذى أحد ببزاقه، فلذلك وضعه في يده، ثم مسح به نعله. فهذا فيه أن الإنسان إذا كان في مجلس، أو عنده أناس، وأراد أن يبزق، أو يتنخم، فإنه يحرص على أن لا يؤذي بها أحدًا ممن عنده، لا يؤذي بها أحدًا ممن عنده. إذا عنده منديل، فضعه في المنديل، عنده ورق، عنده عمامة، وضعه بطرف العمامة، ما عنده شيء يضعها في يده، يضعها في يده، ولا يرمي بها في الأرض، فيتأذى بها أحد ممن عنده، أو ربما من يأتي ممن يأتي بعده، فيتأذى بوجود هذا البزاق، لأجل ذلك يحرص على أن يبعدها، حتى لا يتأذى أحد ممن حوله. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على