الدرس في كتاب الصلاة 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل صفة الصلاة كما وردت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، مبينا أهمية إتمام الوضوء واستقبال القبلة والتكبير وقراءة القرآن والركوع والسجود والاطمئنان في جميع الأركان. يبين أيضا تفاصيل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفها الصحابة.
يشرح هذا الفصل كيفية أداء الصلاة كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، موضحا تفاصيل مثل رفع اليدين، وضع اليدين على الركبتين أثناء الركوع، واستقامة الظهر، ووضع اليدين عند السجود، وجلسة الافتراش والتورك. يشير إلى أهمية هذه التفاصيل في أداء الصلاة بشكل صحيح.
يصف هذا الفصل بعض الأذكار والأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها في مختلف أحوال الصلاة، مثل دعاء الاستفتاح، وأذكار الركوع، والرفع من الركوع، والسجود، والتشهد. كما يشرح بعض أدعية الاستفتاح ومعانيها وأهميتها في طلب المغفرة من الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: باب صفة الصلاة. قال: حديث الحادي والثلاثون بعد الثلاثمائة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. أخرجه السبعة، واللفظ للبخاري. والابن ماجه، بإسناد مسلم: حتى تطمئن قائما. ولأحمد، من حديث رفاعة: فأقم صلبك حتى ترجع العظام. هذا الباب في صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر فيه جملة من الأحاديث في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. والمسلم مطالب بأن يصلي كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي». يرويه البخاري من حديث مالك بن الحويرث. «صلوا كما رأيتموني أصلي». وكيف نصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ بتعلم صلاته التي نقلها الصحابة رضوان الله تعالى عنهم. فإذا تعلم المسلم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مما نقله الصحابة، وطبق ذلك، فإنه يؤدي هذه العبادة على أكمل وجهها وأحسن أحوالها. وذكر في أول هذا الباب حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، وهو أن رجلا دخل فصلى، وفي بعض الروايات: أعرابيا في السنن، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ارجع فصلي، فإنك لم تصلي. ثم المرة الثانية، ثم الثالثة، ثلاث مرات، والنبي عليه الصلاة والسلام يأمره بإعادة الصلاة. ثم قال: والذي بعثك بالحق، لا أحسن غير هذا، فعلمني. فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة. فقال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء. إسباغ الوضوء يعني إتمامه وإكماله، بأن يغسل كل عضو، ويعطى كل عضو حقه من الغسل. قال: ثم استقبل القبلة فكبر. أمره بعد إسباغ الوضوء، والوضوء كما مر معنا شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به. ثم أمره باستقبال القبلة، واستقبال القبلة شرط كذلك من شروط صحة الصلاة. قال: فكبر، يعني قل: الله أكبر. وهي تسمى بتكبيرة الإحرام، وهي ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها. لا تصح الصلاة إلا بها. وفي الحديث: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». ولا بد من لفظ الله أكبر في قول جمهور أهل العلم، ولا يجزئ غيرها من ألفاظ التعظيم. لا يجزئ أن تقول: الله أعظم، أو الله أجل. لا بد من لفظ الله أكبر، خلافا للحنفية. قال: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن. ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن. وهل معنى هذا أن قراءة الفاتحة ليست بواجبة أو ركن؟ لا، هي ركن. وقد جاء في رواية ستأتي معنا من أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بقراءة الفاتحة. أمره بقراءة الفاتحة. وهنا قال: اقرأ ما تيسر معك من القرآن. قد يحمل على أن هذا الرجل ما كان يحفظ الفاتحة، فمن لم يحفظ الفاتحة فيقرأ بما عنده من القرآن. أو أن مراده: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن بعد الفاتحة. وأما الفاتحة فلا بد منها، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال: ثم اركع حتى تطمئن راكعا. أمره بالركوع والاطمئنان فيه. وهكذا الرفع والاعتدال قائما، والموات بالاعتدال أن يطمئن. كما في رواية أخرى: حتى تطمئن قائما. ثم السجود والاطمئنان فيه. وهكذا الرفع من السجود والاطمئنان في الجلوس، ثم السجود مرة أخرى والاطمئنان فيه. ثم يفعل ذلك في صلاته كلها، أنه يطمئن في القيام، وفي الركوع، وفي الرفع من الركوع، وفي السجود، وفي الرفع من السجود. فهذه كلها أركان، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بها على وجه الأكمل، وأن يطمئن فيها. فالركوع ركن، والاعتدال من الركوع ركن، والسجود ركن، والاعتدال من السجود ركن. والاطمئنان في هذه الأركان كلها ركن. الطمئنان ركن، لا بد أن يطمئن. وقدر الطمئنان، قال بعض أهل العلم: بقدر تسبيحه. قدر سبحانه ربي العظيم في السجود أو في الركوع. وهكذا في السجود: ربي العلى. وفي بين سيئة: رب يغفر لي. ومنهم من قال: بقدر ما ترجع العظام إلى محلها. ما ترجع العظام إلى محلها. فالمقصود أنه يعني يطمئن ويستقر في هذا الركن الذي ينتقل إليه، ولا يتعجل في الصلاة. لا يتعجل في الصلاة، فينقر صلاته كنقر الغراب أو كنقر الديك. فهذا مما تبطل به الصلاة. إذا لا بد في الصلاة من طمأنينة في سائر الأركان. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود»، أي لا صلاة صحيحة. وسيأتي ذكر شيء من هذه الأحاديث في موضعها. قال: والحديث الثاني والثلاثون بعد الثلاثمائة، عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها لن تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، ثم يكبر الله ويحمده ويثني عليه». رواه أبو داود. وفي بعض ألفاظه: «فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله». ولابن حبان: «ثم بما شئت». نعم، فيها أن الواجب قراءة أم القرآن، وهي الفاتحة، لأنها ركن من أركان الصلاة. فإن لم يكن يحفظ الفاتحة قرأ غيرها من القرآن. فإن لم يكن عنده شيء، فيحمد الله ويكبره ويهلله، كإنسان حديث عهد بإسلام، كان كافرا فأسلم، لم يحفظ شيئا بعد من سور القرآن، وجاء وقت الصلاة، فلا بد أن يصلي. نقول: ماذا تقرأ؟ أنا ما أحفظ شيئا. نقول: هلل وكبر وأحمد الله. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. أو الحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله. ونحو ذلك من ذكر الله سبحانه وتعالى. وإن كان يحفظ الفاتحة وما يتيسر من السور، يقرأ الفاتحة وما يتيسر من سور القرآن، ولو قصار قصيرة، لا بأس. قال: والحديث الثلاثون بعد ثلاثمائة، عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه. وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره. فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار إلى مكانه. فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى. وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته. أخرجه البخاري. هذا الحديث لابي حميد الساعدي يصف صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، يعني مقابله حذو المنكبين. إذا كبر يرفع يديه حذو منكبيه، أي مقابل المنكبين. وفي بعض الأحاديث الأخرى: أنه يرفع يديه حتى كانت الأصابع عند فروع الأذنين. بمعنى يرفع يديه إلى الأعلى، فتكون ظهور الكفين إلى المنكبين، وأطراف الأصابع إلى جهة الأذنين. هكذا، طبعا رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام مستحب، مستحب. وليس بواجب. نعم، وثلاثة مواضع أو أربعة مواضع يستحب فيها رفع اليدين، ويتأكد ذلك عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام إلى الركعة الثالثة. هذه المواضع الأربعة يتأكد استحباب رفع اليدين فيها، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة. كحديث ابن عمر في الصحيح. وكذلك حتى لابي حميد هذا في البخاري. قال: وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه. أمكن يديه يعني مكن يديه وقبض على ركبتيه في أثناء الركوع. حتى في بعض الروايات: كأنه قابض عليهما. قال: ثم هصر ظهره، يعني جعل ظهره معتدلا. جعله معتدلا، لا هو رافع لظهره، ولا هو منخفض. مستوي اتجاه. وفي بعض الروايات في خارج الصحيح: أن لو صب الماء على ظهره لا استقر، من شدة استوائه واعتداله. قال: فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار إلى مكانه. يعني إذا رفع رأسه من الركوع استوى قائما، حتى يعود كل فقرة من فقرات عظم الظهر إلى محلها. هذا معنى قولي في حديث المسيء: حتى تعتدل قائما. تعتدل قائما، تستقيم في القيام، ويعود كل عظم إلى محله. لا يتعجل المسلم في الصلاة إذا رفع من الركوع. البعض هم يرفعون نصف رفع، ثم يخرون إلى السجود. هذا ما اعتدل قائما، الآن ترك ركنا. قال: فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما. وضع يديه غير مفترش، الافتراش أن تبسط يديك هكذا في الأرض، تفرشها عند السجود. هذا قد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه تشبه بالكلب. لا يفترش ذراعيه افتراش الكلب. ولا قابضهما يعني لا يقبض يديه. من العلماء من قال: لا يقبض يديه، لا يضمهما. لا يضمهما ولا يجافيهما عن جنبيه، بل تكون معتدلة. تكون معتدلة. ومنهم من قال: المراد ولا قابضهما يعني أنه يبسط كفيه، ولا يقبضهما. لا يضم الأصابع، بل يجعل كفيه منبسطة وأصابع اليد مفتوحة. قال: واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. يعني عند السجود يجعل أصابع رجليه جهة القبلة، بأن يتكئ على بطون الأصابع. يتكئ على بطون الأصابع أصابع الرجلين. قال: وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى. وهذه جلسة تسمى بجلسة الافتراش. بجلسة الافتراش تجلس على الرجل اليسرى وتنصب اليمنى. تفرش اليسرى وتجلس عليها وتنصب اليمنى. هذه الجلسة مستحبة في جميع جلسات الصلاة، جميع جلسات الصلاة في الصلاة الثنائية والثلاثية والرباعية، إلا في الجلسة الأخيرة من الصلاة ذات التشهدين، فيستحب التورق. الجلسة الأخيرة من الصلاة ذات التشهدين فيستحب فيها التورق. هذا القول، والراجح في التفريق بين جلسة الافتراش وجلسة التورق. ولهذا قال هنا: وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته. هذه جلسة التورك. هذه جلسة التورك. قال: وإذا جلس في الركعة الأخيرة، من حمله على الركعة الأخيرة أي ركعة آخرى، ولا كانت صلاة ثنائية كالصبح مثلا. قالوا: يجلس متوركا. لكن لو نظرنا إلى الحديث، هو الآن يذكر يتكلم على الصلاة الرباعية. فقال: في الثنائية في الركعتين الأولى جلس مفترشا. قالوا: إذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى. إذا هذه جلسة تكون في الصلاة الثنائية، وفي الرباعية أي الصلاة لا تشهدان. فيجلس في الجلسة الثانية الأخيرة في التشهد الأخير متوركا. وبها تجتمع الأحاديث. والتورك معروف صفته. هذه الجلسة مستحبة في التشهد الأخير، ولو جلس على خلاف هذه الجلسة، فصلاته صحيحة. لكن هذا على سبيل الاستحباب. هذا على سبيل الاستحباب. قال: والحديث الرابع والثلاثون بعد الثلاثمائة، عن عباس بن السهل، قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه. ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه. ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم إلى موضعه حتى فرغ. ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بأصبعه. رواه أبو داود، وصححه أحمد. والحديث صحيح. وفي هذا الحديث كذلك وصف لصلاة النبي عليه الصلاة والسلام. وقبل هذا كونه هؤلاء اجتمعوا، الصحابة رضي الله عنهم، يتذكرون صلاة النبي عليه الصلاة والسلام. يدلنا على اهتمام الصحابة والسلف رحمهم الله بأمر الصلاة، والاعتناء بأدائها كما فعلها النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك لأن هذه العبادة هي من أعظم العبادات العملية، ومن أعظم أركان الإسلام مع ذلك الشهادتين. فإذا صلحت صلحت سائر الأعمال، وإذا فسدت فسدت سائر الأعمال، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك كانوا يعتنون بها اعتناء عظيما، ويتذاكرون صلاة النبي عليه الصلاة والسلام حتى يصلون كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا نعلم ظلال بعض الطوائف التي زهدت في هذا العلم، وفي هذا الفقه. وقالوا: فيمن اهتم بأمر الصلاة والعبادة والطاعة، هؤلاء يهتمون بالقشور. يسمون الصيام وأمور الفقه والعبادات أحكام الحيض والنفاس إلى آخره، هذه قشور. ما ينبغي الاهتمام بها. ينبغي أن يهتم باللب. ما هو اللب؟ أمر الحاكمية. كيف نصير إلى الحكم؟ وكيف نطبق الشريعة؟ إلى آخره. وهذا لا شك أنه ضلال وزيغ. أن يفرق الدين إلى قشور واللب. القشر معلوم أنه ما يهتم به. يرمى القشر يرمى به. أنت إذا أكلت برتقالة ما نتفعل بقشرها؟ ترميها. وإذا أكلت موزا رميت بقشرها. كانوا يقولون: هذه الأمور ارموا بها. لا تعتنوا بها. لا تعتنوا بها. اهتموا باللب كما يقولون. وهذا لا شك أنه مفتاح شر وضلال وغواية. نسال الله جل على السلام والعافية. لكن السلف رحمهم الله ومن سار على طريقهم، يعلمون قيمة هذه العلوم وهذه المسائل. والله يهتمون بها اهتماما عظيما. فهؤلاء صحابة رضي الله عنهم يتذكرون صلاة النبي عليه الصلاة والسلام. فقال أبو حميد السعدي رضي الله عنه: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم ركع، يعني وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان مما قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما. يعني يمكن يديه من ركبتيه كالقابض عليهما. قال: ووتر يديه فتجافى عن جنبيه. ووتر يديه يعني أفرد الأصابع ما ضمها، بل هي مفرقة كل أصبع لوحده. وفارق كذلك يديه فجافى بيديه عن جنبيه، يعني ما يجعل يديه في أثناء الركوع ملتصقة بجنبيه، بل تكون بعيدة. إلا إذا كان إلى جانبه أحد، فلا يبالغ بحيث أنه يضيق على من بجانبه. لكن إذا كان منفردا أو كان إماما فيفعل ذلك. قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه. سجد فأمكن أنفه وجبهته، لا بد من تمكين الأنف والجبهة من الأرض. وسيأتي معنا حديث يدل على لزوم ذلك، أنه لا بد من تمكين الأنف والجبهة. ونحى يديه عن جنبيه يعني أبعد يديه عن جنبيه في أثناء السجود، ما تكون اليدين ملتصقتين بجنبيه، بل تكون يعني مفرقتين. بحيث أنه لا يؤذي من بجانبه، كما ذكرنا إذا كان يصلي بجانبه أحد، فلا يؤذيه بالمبالغة في تفريق جنبيه. إنما يبالغ إذا كان إماما أو منفردا. وإذا كان يصلي مأموما فيجافي شيئا يسيرا، بحيث أنه لا يؤذي من بجانبه. لكن لا يجعلها ملتصقة بجنبيه. قال: وضع كفيه حذو منكبيه، يعني يضع كفيه أثناء السجود، وتكون حذو المنكبين، يعني ما يسجد هكذا اليدين هنا والرأس في هذه الجهة. أو يجعل يديه هكذا في الأمام. لا تكون اليدين في أثناء السجود حذو المنكبين. هذا اعتدال. اعتدال في السجود. قال: ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم إلى موضعه حتى فرغ. يعني رفع من السجود وجلس الجلسة بين السجدتين. هذه أيضا ركن. نطمنا فيها ركن. فجلس بعد رفع من السجود حتى رجع كل عظم إلى موضعه حتى فرغ من جلسته. وأتى بالذكر الذي يقوله بين السجدتين. قال: ثم جلس فافترش رجله اليسرى، يعني بعد أن صلى وأكمل وجلس للتشهد أو أراد يعني أنه جلس في هذه الجلسة بين السجدتين. أنه افترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته. هذه جلسة الافتراش. وهنا يصفها بوصف دقيق. فيقول: افترش رجله اليسرى. يفرش هكذا وتستقيم هكذا. فلما تجلس تفرش اليسرى هكذا وتجلس عليها. واليمنى قال: أقبل بصدر اليمنى على قبلته. الآن هذه القدم اليمنى هذا الصدر، صدر القدم اليمنى. كيف أقبل به على قبلته؟ بأن يتكئ على بطون القدم هكذا. فتكون صدر القدم اليمنى إلى جهة القبلة. قال: ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بأصبعه. يعني بالتشهد. هذه كلها يعني صفات مستحبة. وضع اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى. والإشارة بالأصبع عند التشهد هذا مستحب. قال: والحديث الخامس والثلاثون بعد الثلاثمائة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض» إلى قوله: «من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك». وإذا ركع قال: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي». وإذا رفع قال: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد». وإذا سجد قال: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي الذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». ثم يقول من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». رواه مسلم. هذا الحديث كذلك فيه جملة من صفات صلاة النبي عليه الصلاة والسلام. فذكر علي رضي الله عنه أول ذلك ما يتعلق بدعاء الاستفتاح. فأخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: يعني استفتح الصلاة بهذا الدعاء: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا» إلى آخره. هذا دعاء طويل. فيستحب للمسلم أن يقوله، ولو كان في صلاة فريضة إذا لم يشق على الناس. أما إذا كان في تطويله بهذا الدعاء مشقة على الناس، فلا يأتي به. يقتصر بالأدعية الأخرى الثابتة المختصرة. ويجعل هذا إذا صلى منفردا. قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض»، يعني أقبلت بوجهي أو جسدي للذي فطر السماوات أي خلق السماوات والأرض. وهو الله سبحانه وتعالى. «حنيفا» أي مائلا منحرفا إلى التوحيد. لهذا قال: «وما أنا من المشركين». ثم يقول: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». هذا معنى قوله: «إلى قوله من المسلمين». ثم يقول: «اللهم أنت الملك» إلى آخره. إلى قوله: «أنا بك وإليك وتباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك». هذا كله دعاء الاستفتاح. قال: وإذا ركع قال: «اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي». هذا دعاء يستحب في الركوع. هو ذكر من أذكار الركوع. وهي كثيرة. منها: سبحان ربي العظيم. سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة. سبحانك اللهم وبحمدك. اللهم اغفر لي. كل هذه من الأذكار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الركوع. ومنها هذا الذكر: «اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي». يعني جميع جوارحي خاشعة لك، ذليلة لك. قال: وإذا رفع قال: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد». أيضا هذا دعاء مستحب عند الرفع من الركوع. «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض»، يعني حمدا لو كان جسما لملأ السماوات والأرض. لملأ السماوات والأرض. «وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد»، أي شيء شئت أن يملأ. هذا الحمد لملأه. وهذا مبالغة وثناء عظيم على الله سبحانه وتعالى. قال: وإذا سجد قال: «اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي الذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين». هذا أيضا ذكر مستحب في السجود. ولو قاله الإنسان أحيانا عند سجود التلاوة فلا بأس. لأن سجود التلاوة يقال فيه ما يقال في سجود الصلاة. قال: ثم يقول من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت». هذا يؤتى به بعد الفراغ من التشهد وقبل السلام. وهو أيضا دعاء عظيم. دعاء عظيم. وفيه طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى بألفاظ تشتمل على مغفرة الذنوب كلها. قال: «ما قدمت وما أخرت»، يعني ما حصل مني وما سيحصل مني في المستقبل. فاغفره لي. «وما أسررت وما أعلنت»، ما حصل مني سرا وما أعلنت به وجهرت به. فاغفره لي. «وما أسرفت فيه على نفسي من الذنوب والسيئات». «وما أنت أعلم به مني مما قد نسيته أو غفلت عنه وأنت علمته». فاغفره لي. دعاء عظيم في طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى. «أنت المقدم وأنت المؤخر»، أنت تقدم من تشاء وتؤخر من تشاء. فالأمر بيدك. «لا إله إلا أنت». نعم، هذا يعني أدعية عظيمة مباركة. يحسن بالمسلم أن يأتي بها ولو أحيانا لما تشتمل على هذه المعاني العظيمة. قال: والحديث السادس والثلاثون بعد الثلاثمائة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة سكت هنيهة، يعني شيئا يسيرا قبل أن يقرأ. فسألته فقال: «أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد». متفق عليه. هذا أصح حديث في دعاء الاستفتاح، لأنه اتفق البخاري ومسلم على إخراجه. وهو أيضا مختصر. وفيه أيضا معاني عظيمة في طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى. «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»، أي اجعلني بعيدا من الخطايا والذنوب. وما وقعت فيه وأخطأت فأبعده مني. يعني كأنه يقول: اغفره ومحوه واجعله بعيدا. كبعد المشرقين. بعد ما بين المشرق والمغرب من أن يقترب. كذلك لا أقترب من هذه الذنوب والخطايا والسيئات. «اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، نقني يعني صفني. وأزل هذه الخطايا وأبعدها وامحها. كما ينقى الثوب الأبيض. لماذا قال: الأبيض؟ لأن الثوب الأبيض أقل دنس ووسخ يظهر فيه. أقل وسخ يظهر فيه مباشرة. فلما ينقى يكون فيه مبالغة في تنقيته وتنظيفه. حتى يزول أثر هذا الوسخ. فكذلك نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من دنسه. ثم قال: «اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد». ثلاث منقيات ومطهرات ومنظفات. فلا يبقى لي الوسخ أثر. «اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد». هذا فيه مبالغة عظيمة في تنقية أو الدعاء. دعاء الله عز وجل بتنقية العبد من الذنوب والخطايا والسيئات. وهو أيضا من أدعية الاستفتاح. وهو كما سمعتم من أصح أدعية الاستفتاح. قال: والحديث السابع والثلاثون بعد الثلاثمائة، عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك». رواه مسلم بسند منقطع. لأنه رواه من طريق عبده بن لبابة عن عمر. وهو لم يسمع من عمر. ورواه الدارقطني موصولا موقوفا، يعني من قول عمر. وهو الصحيح. وفي العلل رجح الدارقطني أنه من قول عمر رضي الله عنه. أن عمر كان يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك». كان يستفتح الصلاة بهذا الذكر. قال: «سبحانك اللهم وبحمدك»، سبحان مصدر بمعنى أنزهك عن كل نقص وعيب. وبحمدك أو اللهم بمعنى يا الله. وبحمدك أي أحمدك وأثني عليك مما تستحق من الثناء والحمد. «وتبارك اسمك»، يعني تعاظم اسمك. «وتعالى جدك»، يعني تعالى عظمتك. الجد العظمة. «ولا إله غيرك». نعم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.