الدرس في كتاب الصلاة 105، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناولت المقاطع حكم صلاة الجماعة واختلاف الفقهاء فيها بين سنة مؤكدة وواجبة، واستدلت على وجوبها بالأمر بها في القرآن والسنة. وذكرت بعض الشروط والاستثناءات في وجوبها.
ناقشت المقاطع أدلة وجوب صلاة الجماعة، واستدلت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يهدد فيه بحرق بيوت المتخلفين عن الصلاة، وردت على الجمهور الذين يرون أنها سنة مستحبة.
ناقشت المقاطع وجوب صلاة الجماعة واستدلت على ذلك بأحاديث نبوية وآثار صحابية، وبيّنت أن تركها بدون عذر يعتبر إثمًا، وذكرت أعذاراً تبيح ترك صلاة الجماعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ومن حيث بعد، أخذنا الأوقات المنهية عن الصلاة فيها والمسائل التي ذكرت، وخلاصتها أنها خمسة أوقات، وسادس عند الحنابلة بعد الفجر أو بعد ذا الفجر أن يصلى ركعتين الفجر. وما جاء في حديث عبدالله بن عمر، والخمسة الأوقات: من بعد الصبح إلى طلوع الشمس، قدر رمح، وعند الاستواء، ومن بعد العصر إلى أن تغرب الشمس. هذه خمسة أوقات جاءت فيها النهي عن صلاة التطوع، عن النفل المطلق. وأما النفل المقيد، كقضاء الفوائت أو كالنافلة التي لها سبب، أو قضاء فائتة من النوافل، فإن هذا أجازه العلماء، خاصة في بعض الأوقات، كبعد الفجر وبعد العصر. وبعضهم أجاز في كل وقت لذوات الأسباب، كما هو مذهب الشافعي. ذكرنا دليلا أولا ومعنى بما يكفي. قال: باب الجماعة. أنا انتهى من لو قاتل مني عنها. قال: باب الجماعة. قال: صلاة الجماعة سنة مؤكدة على الأصح عند أبي حنيفة، وهو قول الشافعي. ولا صح عنده أنها فرض كفاية. وقال أحمد: هي واجبة على الأعيان، وليست شرطا في صحة الصلاة. فإن صلى منفردا مع القدرة على الجماعة، أذم وصحت صلاته. الآن حكم صلاة الجماعة معلوم، أن الأدلة جاءت بالأمر بصلاة الجماعة. ومن الأدلة التي جاءت بالأمر: قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾، أنا في صلاة الخوف، فأمر بصلاة الجماعة في صلاة الخوف. وهذا مما يدل على أنها واجبة، ما دام أمر بها في الخوف، ففي غير الخوف تكون أوكد وأوجب. وأيضا من الأدلة التي استدل بها من قال بوجوبها، ما جاء فيها الأمر. ما جاء في صحيح مسلم، لما جاء عبدالله بن مكتوم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: يا رسول الله، إني أعمى، وليس لي قائد يقودني، فأراد أن يترخص، فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: تسمع النداء؟ قال: بلى. قال: فأجب. قال: فأجب. هنا وجه الشاهد أنه قال له: فأجب، أي أجب النداء. وهذا يدل على شدة الوجوب، لأنه لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى، ولكن حمله العلماء على أنه إذا لم يكن هناك مشقة تشق عليه. وإلا فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم لعتبان بن مالك لأنه أعمى، والطريق إلى المسجد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فيها وديان. وكذا لهذا رخص له النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرخص لعبدالله بن مكتوم، لأن طريقه ليس فيها ما يشق عليه. وقال له: أتسمع النداء؟ قال: بلى. قال: فأجب. طيب. وأيضا من الأدلة التي جاء فيها الأمر، فجاء البخاري عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لقد هممت أن آمر رجلا ليصلي بالناس، ثم أخالف إلى بيوت هؤلاء الذين تخلفوا عن الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم». فأحرق عليهم بيوتهم. وهنا هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، لكن منعه مانع. جاء في رواية أحمد أنه قال: «لولا النساء والصبيان لحرقت عليهم بيوتهم». لكن هذه الزيادة فيها عنعنة ابن سحاق، وبعض العلماء حسّنها. وإلا ابن سحاق إذا عنعن، فإن حديثه لا يقبل، لأنه غالبا يدلس. طيب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن آمر رجلا فليصل بالناس، ثم آمر رجالا يأتوني بحطب، فأحرق على هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم». فهذا الهم الذي همه النبي صلى الله عليه وسلم أمر عظيم، حتى هم أنه سيحرق بيوتهم. وهذا يدل على الوجوب، يدل على الوجوب. فهذه بعض الأحاديث التي جاءت فيها الأوامر، أي الأوامر التي جاءت في صلاة الجماعة. ولهذا فقول الإمام أحمد: أنه واجب على الأعيان، هو الصحيح. لأنه ليس هناك ما يصرف هذه الأوامر عن الوجوب. والأصل والقاعدة عند العلماء: أن الأمر يفيد الوجوب، ما لم يصرفه صارف. والجمهور: الشافعية والمالكية والحنفية، أتوا بأدلة يقولون أنها تصرف هذه الأدلة. فمن ذلك ذكروا حديث التفضيل. حديث التفضيل: حديث عبدالله بن عمر، وحديث أبي هريرة. 25 درجة، وحديث عبدالله بن عمر: 27 درجة، تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بـ 25 درجة. وفي حديث عبدالله بن عمر: بـ 27 درجة. فقالوا: هذا التفضيل يفيد الاستحباب. وهذا ليس صحيحا، لأن التفضيل هنا إنما من باب إخبار بالدرجات، الإخبار بالدرجات. أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بـ 27 درجة، باب الفضل والأجر. فهي لها أجر عظيم، حتى أنها تبلغ هذه الدرجات العظيمة. أنا تمتاز عليها بهذه الدرجات. وهذا إذا كان صلى هذا المنفرد بعدر، مثلا ما أدرك الصلاة، أو كان لم يسمع النداء، وغيرها من الأعذار. فيفضل عليه هذا الذي صلى الجماعة، إذا كان لم يحضر، يفضل عليه بـ 27 درجة. وأما فهذا الحديث لا يدل على عدم الوجوب، لأن هذا إنما في أفضلية الجماعة للفرد. وليس هناك ما يدل على أنه يصرف الوجوب إلى الاستحباب. وأيضا استدلوا بما جاء في السنن، أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلم، فرأى رجلين من أصحاب لم يصليا مع الناس، فأرسل إليهما، فقال لهما: «ألستما برجلين مسلمين؟ ألستما برجلين مسلمين؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ولما لم تصليا معنا؟» قال: «قد صلينا في رحالنا يا رسول الله». قال: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلوا معهم، فهي لكم نافلة». فهي لكم نافلة. فهنا قولهما: أنهما صليا في رحالهما، قد يكون صليا جماعة، وقد يكون صلوا مفردين. فهذا يحتمل وهذا يحتمل. لكن أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلوا مع الناس، ولو قد صلوا. وأيضا قال: «ألستما برجلين مسلمين؟» هذا يحتمل أنه أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن من لم يصل فليس بمسلم، أو أراد أن يبين أنهم لماذا امتنعوا عن الصلاة مع الناس، فلا يمتنعون إلا إذا كانوا ليسوا من المسلمين، قد يكون من اليهود وغيرهم. فقال فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السؤال: «ألستما برجلين مسلمين؟» قالوا: بلى يا رسول الله. فخلاصة ما يذكر في هذه المسألة: أن الصحيح أن صلاة الجماعة واجبة على كل مسلم. وجاء في حديث ابن عباس، وجماعة من الصحابة: «من سمع النداء فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذر». فلا صلاة له إلا من عذر. فهذا الحديث لا يصح مرفوعا، جاء مرفوعا عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه لا يصح. لكن صح عن ابن عباس، وعن جماعة من الصحابة. فدل أيضا كذلك. وابن مسعود يقول: «ولا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق». لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. فدل على أن صلاة الجماعة كانت عند أهل الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من المهمات، عندهم من المهمات. وكذلك من الأمور العظيمة التي قد يوصف الإنسان إذا لم يأتيها بالنفاق. فكيف تكون مثل هذا أنها ليست بواجبة؟ فلهذا قال أيضا في هذا في أحاديث المسحول، عند مسلم، أو في كلامه، قال: «ولا تتركوا سنة نبيكم، فإن من ترك سنة نبيه فقد ضل». في لفظ: «فقد كفر». فلهذا فهذا الأمر مهم جدا، أي صلاة الجماعة. وأنه لا بد للمسلم أن يحرص على صلاة الجماعة، وإلا فإنه مفرط وآثم. وهناك قول للظاهرية، لابن حزم والظاهرية: أن الجماعة شرط في صحة الصلاة عندهم. أن الجماعة شرط في صحة الصلاة. معنى إذا لم يصل جماعة، صلاته غير صحيحة. لكن هذا الشرط لم يدل عليه دليل. أولا: بالشرطية، ليس هناك ما يدل على الشرطية. وأيضا كذلك الأدلة لا تسعفهم. لأن لو كان مثلا هنا يرد عليهم في التفضيل. وأيضا يقال: أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل أناسا معه، ولو كانت الجماعة لا تصح، لما قال وأمر أناسا يأتون بحطب، هو سيحرق على الناس بيوتهم، سيجعل الناس يصلون جماعة، وهو سيذهب هو جماعة ويحرقون بيوت هؤلاء. فالمهم أن الأدلة لا تنتهض للشرطية. وأقل ما يقال فيها أنها واجبة على الأعيان. وآثم من تركها متعمدا بدون عذر. هناك أعذار لصلاة الجماعة. ولعلها ستأتي إن شاء الله تعالى. هناك أعذار للجماعة. فإن كان مثلا معه عذر، فهو معذور بترك الجماعة. وإلا فالواجب عليه أن يصلي مع جماعة المسلمين. طيب، هذا ما يذكر. الله تعالى شكرا.