شرح أسماء الله الحسنى 20

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله الحافظ والحفيظ

اسم الله الحافظ والحفيظ يدل على حفظه لخلقه وعلمه بأعمالهم، والإيمان بهما يقتضي التوجه إلى الله وحده لطلب الحفظ. كما يدعو العبد ربه بطلب الحفظ كما كان النبي يفعل.

حفظ الله تعالى لعبده وحفظ العبد لربه

يتحدث عن أهمية حفظ الله تعالى لعبده وحفظ العبد لربه، حيث يستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تشير إلى أهمية حفظ الله تعالى لعبده. كما يشير إلى حفظ العبد لحدود الله وأوامره.

أمثلة على حفظ الله لعباده الصالحين

يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين كيف حفظ الله أنبياءه وأولياءه من المخاطر والمحن، ويبين أن حفظ الله لعباده يأتي نتيجة لتمسكهم بتقوى الله وحفظهم لحدوده. كما يروي قصة سفينة مولى رسول الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وما بعد، فمن الأسماء أسماء الله الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- الحافظ. فالحافظ من أسماء الله جل وعلا الحسنى، استدل أهل العلم لهذا الاسم بسم الله جل وعلا الحافظ من قوله سبحانه وتعالى على لسان يعقوب: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، وهكذا من قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾. وبمعنى اسم الله جل وعلا الحافظ اسم الله الحفيظ، فالحافظ والحفيظ اسمان من أسماء الله جل وعلا، والحفظ ذكر في مواضع، استدل أهل العلم بتلك النصوص على إثبات اسم الله جل وعلا الحفيظ، منها قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، وهكذا قوله عز وجل: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. ومعنى هذين الاسمين الحافظ والحفيظ ذكر سعد -رحمه الله تعالى- في كتابه «الحق الواضح المبين» ذكر معنيين باسم الله جل وعلا الحفظ والحافظ. فذكر -رحمه الله تعالى- أن الحافظ والحفيظ من الأوصاف التي تضمنتها أو تضمنها دان الإثمان، الحفظ منه جل وعلا، وحفظه لعباده جل وعلا أنواع. الأول: حفظ العلم، الحفظ بمعنى العلم، أي بمعنى اطلاعه جل وعلا على أعمال عباده، فإنه سبحانه وتعالى حفظ لعباده أعمالهم، صغيرها وكبيرها، طاعتها ومعصيتها، خيرها وشرها، ظاهرها وباطنها، سيئها وحسنها، فكل شيء قد علمه الله جل وعلا من عباده، لا يخفى عليه شيء، وقد حفظ ذلك سبحانه وتعالى علمه أزلا، وكتبه جل وعلا في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكة كراما كاتبين يكتبون على العباد أعمالهم، فهذا هو من معاني اسم الله الحفيظ، وحفظه جل وعلا لعباده ولأعمال عباده بمعنى علمه بها جل وعلا، وأنه قد علمها وكتبها سبحانه وتعالى. ومن معاني اسم الله جل وعلا الحفظ والحافظ حفظه سبحانه وتعالى لخلقه أجمعين، فالله جل وعلا قد حفظ خلقه كله، حفظ السماوات وحفظ الأراضين وحفظ الجبال وحفظ الأشجار وحفظ كل مخلوق، فكل مخلوق إنما قائم بحفظ الله جل وعلا، ولولا حفظ الله سبحانه وتعالى لمخلوقاته ما قامت ولم تكن لها قائمة، وإنما قيامها بحفظ الله جل وعلا لها، فهو الذي حفظ السماء أن تقع على الأرض، وحفظ السماوات والأراضين أن تزول، وحفظ كل شيء سبحانه وتعالى، لأن ما من مخلوق إلا وهو محفوظ بحفظ الله جل وعلا له، إذ لا قائمة له إلا بهذا الحفظ الذي لا يستغنى عنه أحد. ومن معاني اسم الله جل وعلا الحافظ الحفيظ الحفظ العام الذي جعله الله سبحانه وتعالى لعباده لما يكون سببا في بقاء حياتهم، فإنه جل وعلا حفظ لهم معاشهم وحفظ لهم طعامهم وشرابهم وحفظ لهم كذلك هواءهم الذي يستنشقونه لتبقى حياتهم، وغير ذلك، هذا يشترك فيه البر والفاجر، المسلم والكافر، وجميع المخلوقات، فهي هداية عامة، حفظ العام بمعنى الهداية العامة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، فهدى كل مخلوقاته سبحانه وتعالى إلى ما يحتاجون من الطعام والشراب والمنكح وغير ذلك مما لا بد منه، وهذا حفظ عام. وهكذا الحفظ الخاص منه جل وعلا لعباده، فالأول كما يقول البربهاري -الحنبلي- رحمه الله تعالى في شرعه في «جامع علوم الحكم»، الحفظ العام قال: هذا للجميع، لكن الحفظ الخاص هو أعظم أنواع الحفظ، لأنه حفظ للدين، حفظ الله سبحانه وتعالى لعباده دينهم، واتبتهم على هذا الدين، ونصرهم على أعدائهم، ودفع عنهم كيد أعدائهم، وإن كان كذلك في الحفظ العام، كذلك دفع الله سبحانه وتعالى الشرور عن عباده جميعا، بهم عقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: «هم الملائكة، يحفظون العبد بأمر الله جل وعلا، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين قدر الله سبحانه وتعالى». فالله سبحانه وتعالى حفظ العباد جميعا من المكرهات ومن السيئات، لكن الحفظ لأوليائه حفظ خاص، خصهم به سبحانه وتعالى، إضافة إلى الحفظ العام، وهو -كما سمعتم- حفظ الدين من الشبه والفتن التي تعرض على القلوب، وما أكثر الفتن، وما أكثر الشبهات، وما أكثر كذلك ما يحصل مما يكون سببا في ضعف إيمان العبد، فيحتاج إلى تثبيت من الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى حفظ عباده الذين استقاموا بهذا الحفظ الخاص. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الحافظ الحفيظ، ومن مقتضى الإيمان بالحافظ الحفيظ أن لا يطلب الحفظ إلا من الحافظ الحفيظ، لا يطلب الحفظ إلا من الحافظ الحفيظ، أيقنت -يا عبد الله- أن الله جل وعلا هو الحافظ وهو الحفيظ، إذن إذا أردت الحفظ إلى أين تتوجه، ومن من تطلب هذا الحفظ؟ إذا أيقنت حقا وكنت صادقا في إيمانك بأن الله جل وعلا هو الحافظ الحفيظ، فإنك لن تتوجه إلا إلى الحافظ الحفيظ ليحفظك من الشرور ويدفع عنك، وما جعله سبحانه وتعالى سببا لدفع هذه الشرور وهذه المكاره. ولذلك من يتوجه إلى الحبال وإلى الخيوط وإلى الحروز وإلى التمائم، هذا ما آمن حق الإيمان بأن الله جل وعلا هو الحافظ، وما آمن حق الإيمان بأن الله جل وعلا هو الحفيظ، ولو آمن حقا بأن الله هو الحافظ والحفيظ لم يتوجه إلى حبل من الحبال أو خيط من الخيوط أو حرز أو كذا أو كذا أو كذا من هذه التمائم، النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، وقبل ذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. فهؤلاء الذين اعتمدوا على هذه الأشياء طلبوا الحفظ، هذا الذي علق الحبل لماذا؟ يريد أن يدفع عن نفسه العين، أو علق الحرز أو علق التميمة على بيته أو على سيارته أو على دابته أو على كذا وكذا وكذا، ما يريد؟ يريد الحفظ لماله، لبيته، لسيارته، لنفسه، أين الحفظ؟ أين الحافظ؟ غفلت عن الحافظ الحفيظ جل وعلا، فذهبت إلى هذه الأشياء الحقيرة، فماذا تنفعك هذه الأشياء؟ وهكذا من مقتضى إيمان العبد باسم الله جل وعلا الحافظ الحفيظ أن يدعو الله جل وعلا وحده سبحانه وتعالى بطلب ذلك الحفظ، النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يدعو ربه جل وعلا، أرشد كما في حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم»، وكان ذلك أيضا يفعله -عليه الصلاة والسلام- إذا أخذ مضجعه -عليه الصلاة والسلام- يقول: «بسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». وهكذا كذلك في حديث عبد الله بن عمر في دعائه -عليه الصلاة والسلام- قال عبد الله بن عمر كما جاء في «المسند» وغيره: «أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما كان يدع هؤلاء الكلمات، فكان -عليه الصلاة والسلام- يقول هذه الكلمات»، قال: «لا يدعها حين يصبح وحين يمسي: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي». فكان -عليه الصلاة والسلام- يدعو ربه جل وعلا أن يحفظه، يحفظ له دنياه، ويحفظ له آخرته، ويحفظ له أهله، ويحفظ له ولده، وأن يحفظه من جميع الجهات، من اليمين والشمال، ومن فوق، ومن تحت، فهكذا العبد علينا أن يتوجه إلى الحافظ الحفيظ ليحفظه سبحانه وتعالى من كل سوء ومكروه، فلا حافظ إلا الله جل وعلا الحافظ الحفيظ. وهكذا من مقتضى الإيمان باسم الله الحافظ الحفيظ أن يحفظ العبد ربه جل وعلا، الحافظ الحفيظ سبحانه وتعالى يحب من عباده الحافظين لحدوده، ولذلك أثنى عليهم ربنا جل وعلا في كتابه الكريم، قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأثنى الله سبحانه وتعالى عليهم، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- عند الترمذي قال -عليه الصلاة والسلام-: «احفظ الله يحفظك، تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فالله جل وعلا أمر بحفظه سبحانه وتعالى، وأثنى على الحافظين لحدوده جل وعلا، فعليك -يا عبد الله- أن تحفظ الله سبحانه وتعالى، وحفظ العبد لربه جل وعلا يكون بحفظ أوامره سبحانه وتعالى، بامتثال الواجب وترك المنهي عنه، فعليك أن تحفظ الله جل وعلا في أوامره، وأن تمتثل أوامر الله وأوامر رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وأن تحفظ حدود الله سبحانه وتعالى. وقال كذلك ربنا عز وجل مثنيا على عباد الحافظين، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مِنْ خَشِيَ الرَّحْمَنُ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، «ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود، لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد»، رتب لهم هذه الفضائل العظيمة، وأثنى عليهم سبحانه وتعالى. ومن أعظم ما يحفظ به العبد ربه جل وعلا أن يحافظ على توحيده، بأن لا يشوب توحيده شرك بالله جل وعلا، بل يجعل توحيده سالما من الشرك والبدع والاعتقادات الفاسدة، لا يكون في قلبه الاعتقاد الفاسد أن غير الله ينفع أو يضر أو أن له مشاركة أو أن له التدبير أو كذا أو كذا، كل ذلك مما يخالف أصل التوحيد، فإذا لم يسلم القلب من الاعتقاد الفاسد، معنى ذلك ضاع التوحيد، ومعنى ذلك أن العبد لم يحفظ أفضل مبغى أنعم الله جل وعلا بها عليه، إذا حفظت الجوارح الأخرى، وإذا ضيعها ضيعت الجوارح الأخرى، ألا وهي القلب، كما في حديث «النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنهما- في الصحيحين»، وذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، والقلب السليم هو الذي حفظه صاحبه، حفظه صاحبه فجعله سالما، وأعظم مما جعله منه سالما الشرك بالله سبحانه وتعالى والاعتقادات الفاسدة، وهكذا كذلك البدع والمحدثات والحقد والحسد إلى آخر ذلك مما حرمه الله سبحانه وتعالى. ومن أعظم ما يحفظ به العبد ربه جل وعلا أن يحافظ على الصلوات في أوقاتها، هذا الركن العظيم الذي هو ثاني أركان الإسلام، فالله سبحانه وتعالى أمر بالمحافظة عليها، وأثنى على المحافظين على صلواتهم، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وأثنى على المحافظين على صلواتهم، قال جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، وفي «سورة المعارج»: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، فأثنى الله سبحانه وتعالى عليهم، فعلى العبد أن يحفظ الله جل وعلا في هذا الركن العظيم، بأداء هذه الصلوات والمحافظة عليها في أوقاتها، وفي جماعة في بيوت الله سبحانه وتعالى، إلا من عذر في مساجد الله سبحانه وتعالى. ومن أعظم كذلك ما يحفظ العبد به ربه سبحانه وتعالى أن يحافظ على فرجه ولسانه وبصره، فالله سبحانه وتعالى أثنى على المحافظين لفروجهم ولأبصارهم، وأمر بذلك سبحانه وتعالى، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، وكما سمعتم في الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، فأثنى الله سبحانه وتعالى عليهم. وقد ضمن النبي -عليه الصلاة والسلام- لمن حفظ فرجه وحفظ لسانه بالجنة، ثبت من حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي وغيرهما، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «من حفظ لي ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة»، وفي «البخاري» من حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال -عليه الصلاة والسلام-: «من يضمن لي ما بين لحييه وبين رجليه أضمن له الجنة»، فضمن النبي -عليه الصلاة والسلام- لمن حفظ فرجه، ولمن كذلك حفظ لسانه بالجنة، وهذا فضل عظيم للمحافظين على فروجهم وألسنتهم. وكذلك ما أمر الله جل وعلا ورسوله بحفظه، وهكذا من حفظ العبد لربه سبحانه وتعالى أن يحافظ على أيمانه، أن يحافظ على أيمانه، فمن حفظ الله حفظ الأيمان، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فأمر الله جل وعلا بحفظ الأيمان، فعليك أن تحفظ الأيمان -يا عبد الله-، لا تكثر الحلف، فمن حفظ الأيمان أن لا تكثر الحلف، جاءت الأحاديث الكثيرة في ذم من يكثر الحلف في البيع والشراء، إذا باع بيمينه إذا اشترى بيمينه، هذا ليس من حفظ الأيمان، وإنما يحلف العبد لأمور يؤكدها. وإذا تأملنا في القرآن نجد أن أمر الله جل وعلا نبيه بالحلف إنما في مواضع: ﴿حَقًا زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ الَّذِينَ يَخْفُونَ مِنْ بَعْدِ مَا أَحَسُّوا بِهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، ﴿وَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾، ﴿وَيَقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾، وهكذا كان المسلمون يقولون: «والذي نفسي بيده»، كان -عليه الصلاة والسلام- يحلف ويقسم عليه الصلاة والسلام لتوكيد الأمور، ولذكر ما بشر به -عليه الصلاة والسلام- من الثواب للعاملين تنشيطا لهم، أما أن يحلف -عليه الصلاة والسلام- من غير داع فليس ذلك من حفظ الأيمان، فلذلك -يا عبد الله- عليك أن تحفظ أيمانك ولا تكثر. ومن حفظ الأيمان أنك لا تحنث في يمينك، لا تحنث في يمينك، بل عليك أن تواصل فيما حلفت عليه، إلا إذا حلفت الذي حلفت عليه كان الخير في تركه، فهنا عليك أن تترك هذا كما قال النبي -عليه السلام-: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتي الذي هو خير وليكفر عن يمينه»، وإلا فالأصل أن يحفظ العبد يمينه ويبقى على هذا اليمين، ما لم تكن مفسدة في ذلك أو أن الخير حاصل فيها، والتكفير فالعبد يحفظ أيمانه. وهكذا حفظ المواثيق وحفظ العهود، وحفظ الرأس وعاء، وحفظ البطن وما حوى، تحفظ هذه البطن من المحرمات، من حفظ الله جل وعلا، لا تدخل في بطنك شيئا محرما، ولو لغمة، ولو لغمة واحدة إذا كانت من حرام لا تدخل لبطنك، وهكذا تحفظ القلب فلا تجعل فيه ما يخالف الشرع، واحفظ كذلك رأسك من كل ما يخالف، وهكذا الأمور كثيرة في حفظ الله سبحانه وتعالى. ومن مقتضى إيمان العبد باسم الله جل وعلا الحافظ الحفيظ أن يوقن بحفظ الله جل وعلا له، أن يوقن بحفظ الله جل وعلا له، وأن الله سبحانه وتعالى سيحفظه، لأن وعد الله لا يتخلف، فالله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده جل وعلا، «احفظ الله يحفظك»، ولذلك ذكر ربنا عز وجل لنا من النماذج الكثيرة في كتابه الكريم لنعتبر بها ولنتيقن أن الحافظين للحافظ الحفيظ جل وعلا يحفظهم الله سبحانه وتعالى، حفظ الله جل وعلا يوسف -عليه الصلاة والسلام- من كيد امرأة العزيز، ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، حفظه الله جل وعلا من الوقوع في هذا الأمر المحرم، وذلك لأنه كان من المخلصين، وكان من الحافظين. وحفظه -عليه الصلاة والسلام- في البئر في تلك الحفرة، حفظ الله سبحانه وتعالى خليله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾، ونجيناه بلوط إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. حفظ الله جل وعلا موسى -عليه الصلاة والسلام-: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، حفظه الله جل وعلا من بين تلك الأمواج المتلاطمة، وفي ذلك البحر العظيم، وذلك من حفظ الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى الكليم -عليه الصلاة والسلام-. حفظ الله جل وعلا يونس -عليه الصلاة والسلام- في بطن الحوت -عليه الصلاة والسلام-: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، حفظه الله جل وعلا فلم يكسر له الحوت عظما ولم يهشم له لحما، حفظ من الله سبحانه وتعالى لنبيه يونس -عليه الصلاة والسلام-. حفظ الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا -عليه الصلاة والسلام- وأبا بكر في الغار: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فالله سبحانه وتعالى حفظه في «الصحيحين» عن أبي بكر قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، حفظهم ربنا سبحانه وتعالى حفظا عظيما. حفظ الله سبحانه وتعالى المال للغلامين اليتيمين، لحفظ أبيهما، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، حفظ مال هذين الغلامين يتيمين بحفظ أبيهما، قال ابن عباس: «لحفظ أبيهما»، لما كان أبوهما ممن حفظ الله حفظ الله جل وعلا غلام هذين اليتيمين. ولذلك كان سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى- يقول لابنه: «لأزيدن في صلاتي رجاء أن أحفظ فيك»، يعني إذا أكثرت من الصلاة فكان ذلك سببا أن يحفظك الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى يحفظ عباده الحافظين له جل وعلا. وهكذا كذلك حفظ ربنا سبحانه وتعالى فتية أهل الكهف، حفظهم سبحانه وتعالى حفظ أجسادهم من أن تأكلها الأرض، حفظهم من أذى الشمس وحر الشمس، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، فحفظوا من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الفتية الذين استقاموا على توحيد الله جل وعلا، آذاهم قومهم أعظم الإذاية، صبروا على التوحيد، تمسكوا به، وحفظهم الله سبحانه وتعالى، كانت الشمس لا تؤذيهم حرارتها، وهكذا كان يقلبهم ربنا سبحانه وتعالى حتى لا تأكل الأرض أجسادهم، وهذا من أعظم الحفظ من الله سبحانه وتعالى لعباد الحافظين لحدوده جل وعلا. وهكذا ربنا سبحانه وتعالى حفظ أصحاب الغار الثلاثة الذين دخلوا الغار كما في «الصحيحين» عن أبي هريرة، وذلك لحفظه بوالديه، بره بوالديه حفظه الله، والآخر لأمانته، والثالث كذلك لعفته، حفظهم الله سبحانه وتعالى وخرجوا من هذا الغار. حفظ الله جل وعلا سفينة مولى رسول الله، جاء عند الطبراني بسند حسن: «أن سفينة مولى رسول الله خرج ذات مرة في سفينة، فكثرت السفينة وانكسرت السفينة، ثم لم يهتد إلى الطريق، فلقي أسدا، لقي أسدا فمشى معه الأسد حتى أتى به إلى الطريق، ثم ودعه أي ذلك الأسد كالمودع له»، سبحان الله الذي يحفظ ربه سبحانه وتعالى، الله جل وعلا يسخر له ربما من كان أعدى الحيوانات للإنسان كالأسد، هذا ومع هذا صار -يعني- معينا لهذا العبد الصالح، لأنه من المحافظين لحدود الله سبحانه وتعالى. وكم النماذج كذلك في سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- التي فيها بيان حفظ الله جل وعلا، والكرامات التي جعلها الله سبحانه وتعالى لعباده الحافظين لحدوده سبحانه وتعالى، فعلينا -يا عباد الله- أن نحفظ الله جل وعلا في أنفسنا وفي أموالنا وفي أولادنا وفي ديننا، وذلك من أعظم الحفظ لله سبحانه وتعالى، وأن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا من بين أيدينا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، نسأل سبحانه وتعالى أن نحفظ لنا ديننا ودنيانا ومعاشنا ومعادنا، ونجعلنا من عباد الحافظين لحدوده سبحانه وتعالى، صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.