شرح كتاب التوحيد 23

شرح كتاب التوحيد 23

الدرس في شرح كتاب التوحيد 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دعاء الأنبياء والخوف من الشرك

دعا إبراهيم عليه السلام بالنجاة من الشرك، وهذا الدعاء يدل على علو مقام الأنبياء وخوفهم من الشرك. النبي محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً دعا بالنجاة من الشرك.

فوائد من دعاء إبراهيم عليه السلام

دعاء إبراهيم عليه السلام في سورة إبراهيم يحمل فوائد عديدة، منها الخوف من الشرك وعدم الاغترار بالنفس وأهمية الالتجاء إلى الله. كما يشير إلى أهمية الدعاء لكف الشر عن النفس وأهل البيت.

أهمية الدعاء للأهل واجتناب الشرك

ينبغي للمسلم أن يدعو لنفسه ولأهله بالخير والهداية ويجتنب الشرك. الدعاء يعين على تيسير الأمور ويفتح أبواب الخير، كما حدث مع أبي هريرة عندما دعا لأمه.

ختم الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من الذين يتبعون أحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامِ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، ولازلنا في هذا الباب، باب الخوف من الشرك. وهذه الآية التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان حال إبراهيم الخليل عليه السلام، كيف أن من توحيده لربه وتعظيمه لخالقه أنه توجه إلى الله جل وعلا بالدعاء والتضرع بأن يجنبه، فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامِ﴾. فطلب من ربه جل وعلا أن يخلصه وأن يبعده عن عبادة الأصنام. وكلمة وَاجْنُبْنِي من الاجتناب، والاجتناب من أعظم الكلمات الدالة على التباعد، لأن من معاني الاجتناب أن تكون أنت في جانب والضد في جانب آخر، فلا تلتقيان. فهذا منه رحمه الله تعالى إشارة إلى أنه يريد من ربه أن يبعده كل البعد عن الشرك وعن الوقوع فيه. قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ﴾ أي عبادة الأصنام، لأن «أن» وما دخلت عليه في تأويل مصدر، أي واجنبني وبني عبادة الأصنام، فلا تقع منه عبادة قط، لا في قوله ولا في فعله ولا في سلوكه ولا في أي شيء. فسأل ربه جل وعلا أن يعصمه من ذلكم أن نعبد الأصنام. والأصنام جمع صنم، والصنم هو كل ما عُبد من دون الله، كل ما عُبد من دون الله، ويدخل في ذلك الأوثان. فمن أهل العلم من يجعل الأصنام والأوثان بمعنى واحد، ومن أهل العلم من يفرق بينهما، بأن الأصنام ما كانت عبارة عن أجسام منحوتة، وأما الأوثان فليس من شرطها أن تكون على هيئة جسم منحوت. ولهذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»، ما قال: صنمًا، قال: وثنًا. فالوثن أعم، فهو يطلق على كل ما عُبد من دون الله، سواء كانت له صورة أو لم تكن له صورة، بخلاف الأصنام فإن لها صورة. فالشاهد من هذه الآية إخواني في الله أن إبراهيم عليه السلام دعا وتضرع إلى ربه في أن يعيده وأن يجنبه من الوقوع في عبادة الأصنام. وهذا الأمر كذلك حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام، إذ أنه كان يتضرع لربه ويدعو الله سبحانه وتعالى في دعائه بأن يبعده من الوقوع في الشرك. فقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان في دعائه يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك وأنا أعلم، وأعوذ بك أن أُشرك بك وأنا لا أعلم». وهذا الحديث أورده العلامة الألباني في صحيح الأدب المفرد. هذا من دعائه صلوات ربي وسلامه عليه: «اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك أنا أعلم أو أنا لا أعلم»، سواء كان بعلم أو بغير قصد. فسأل ربه جل وعلا في أن يبعده عن الشرك كله، عمدًا وسهوًا وجهلاً وقصدًا. وهذا من كمال توحيده عليه الصلاة والسلام لربه. ولهذا قال العلماء: إن الله عز وجل استجاب لهما فعصمهما من ذلك. هنا تأتي مسألة إخواني في الله، ألا وهي: إذا كان هذا دعاء إبراهيم وأيضًا دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام أنهما سأل ربهما في أن يقيهما وأن يبعدهما من عبادة الأصنام ومن الوقوع في الشرك. قد يقول قائل: أليس الأنبياء عصموا؟ أليس الأنبياء عصموا من الذنوب ومن الكبائر؟ فلا شك ولا ريب أنه عصموا من الشرك. فعلى ما هذا الدعاء وعلى ماذا يحمل؟ قال العلماء: إنما كان هذا الدعاء منهما عليهما السلام لأمور، منها: لبيان علو مقامهما فيما يكون من تضرعهم والتجائهم لله في كل أمورهم وفي كل شؤونهم. فهذا فيه إظهار لعلو مقام هذين النبيين. كذلك في ذلك الطلب منهما إظهار للخوف من الشرك، إذا كان هذا في حق الأنبياء فما ظنك بمن هو دونهم؟ فإذا رأيت أن النبي من أنبياء الله يتضرع إلى الله ويطلب من ربه هذا الطلب، حينها تعلم أن الأمر جلل وأن الأمر ليس بهين ولا سهل. كذلك في هذا الأمر إخواني في الله فيها عبرة لغيرهم، وهم لنا، ففي دعائهما عبرة لغيرهم، عبرة لمن سيأتي بعدهم، عندما يرى أن الأنبياء تفعل ذلك، فإنك تأتسي بهما فتعظم ما عظمه وتجتنب ما اجتنبه. فإذا هذا الدعاء من أنبياء الله ورسله لا يخلو من فائدة. إذا في قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامِ﴾ إخواني في الله، فيها بيان لما أراده المؤلف، وهي الفائدة الأولى، وهو الخوف من الشرك. الخوف من الشرك، إذا كان الأنبياء ومن هم؟ إبراهيم عليه السلام، ومن هو إبراهيم؟ إبراهيم عليه السلام هو الذي كسر الأصنام بيده، كسر الأصنام بيده، دخل على ذلك المكان الذي حشدت فيه الأصنام فكسرها الواحد تلو الآخر بيده، قمة في توحيده ونبذه للشرك. ومع ذلك، مع تكسيره للأصنام، مع ذلك خاف. ففيه الإنسان يخاف من الشرك إخواني في الله أيما خوف. ويجعل هذا هاجسه ويسأل ربه جل وعلا في أن يبعده من الشرك ومن أهل الشرك. الفائدة الثانية كذلك مستفادة من هذا الدعاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامِ﴾، عدم الاغترار بالنفس، عدم الاغترار بالنفس. فمهما كان صلاحك ومهما كان تقواك، فاعلم يا عبد الله أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن. أنت اليوم على حال، فما تدري إلا في غد أصبحت على غير دين. يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا. فإذا كان إبراهيم عليه السلام وهو من هو في فضائله ومناقبه، ما اغتر على ربه، مع أنه قد مر قد كسر الأصنام بيده، بنى قبلة الموحدين، بنا قبلة الموحدين، ومع ذلك مطمئن وما اغتر، وإنما يخاف على نفسه. ففيه أن للإنسان مهما كان صلاحه يخاف على نفسه من الانحراف والانزياق. ولهذا قال إبراهيم التيمي رحمه الله تعالى بعد النظر في هذه الآية العظيمة: «من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟». من يأمن؟ إذا كان إبراهيم عليه السلام ما أمن على نفسه، فمن هذا الذي يأمن على نفسه؟ لا أحد، لا أحد. فهذه الآية إخواني في الله فيها بيان على عدم الاغترار بالنفس. كذلك في هذه الآية أن من الأمور التي تعينك يا عبد الله من البعد وعدم الوقوع في الشرك، صدق الالتجاء إلى الله، بأن تكون متضرعًا، بأن تكون داعيًا لله، تسأل ربك جل وعلا في أن الله يثبتك على هذا الدين. «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، تلهج دائمًا وأبدًا، اجعل هذا ديدنك على لسانك في كل آن وفي كل حين، تسأل ربك جل وعلا ثباتًا على التوحيد، كما فعل إبراهيم عليه السلام، وكما فعل نبينا: «اللهم إني أعوذ بك...». يلتجئ إلى الله. فالالتجاء إلى الله يا عبد الله يعصمك، لأن الله إذا استجاب منك الدعاء عصمك. وإذا عصمك الله، والله لو اجتمعت الدنيا بشهواتها وشبهاتها ما أخرجوك عما أراد الله عز وجل. فالكون كونه، والخلق عبيده، فمن صدق مع الله صدقه الله سبحانه وتعالى. كذلك في هذا الدعاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامِ﴾، أنك يا عبد الله في دعائك احرص على أن تدعو ربك فيما يكون فيه الكف عن الشر، كفك عن الشر. بعض الناس لربما إذا سأل ربه عز وجل لربما سأله من متاع الدنيا، سأله من نعيم الدنيا، سأله الأموال والأرزاق والأنعام، ما ينكر هذا. لكن احرص عبد الله على أن يكون في دعائك أن الله يقيك الفتن، أنك تستعيذ بالله من الشرور، من شر نفسك ومن شر هواك، أنك تستعيذ بالله من شر الفتن. فتستعيذ بالله من تلكم الشرور. فما الفائدة أن الله يستجيب لك العطاء فيعطيك الله ما يعطيك من الدنيا، لكن بالمقابل تقع في الهفوات وتقع في الخطأ والزلات. ولهذا فليحرص المسلم عند دعائه أن يدعو ربه جل وعلا بما يكون فيه كف الشر عن نفسه. وأيضًا في هذه الآية إخواني في الله من فوائدها أنك إذا دعوت الله جل وعلا أنك تجعل لأهلك حظًا، اجعل لأهلك حظًا. فإن من الناس من إذا دعا يدعو لنفسه: «رب اغفر لي، رب ارحمني، اللهم ارزقني، اللهم يسر أمري، اللهم ثبتني». والحمد لله رب العالمين، من صرف على رسلك. أين أهلك؟ أين أولادك؟ ما لهم حق يا عبد الله في أنك تدعو لهم؟ هنا إبراهيم ماذا دعا؟ قال: ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ فقط، ﴿وَبَنِيَّ﴾، أشرك أبناءه معه. قال العلماء: إن إما أن يراد الأبناء الذين هم من صلبه، أو أنه أراد كل من كان من ذريته. وهذا من كمال النصيحة والشفقة. فأنت يا عبد الله إذا دعوت اجعل لأهلك حظًا، سواء كان من الزوجة أو كان من الوالدين أو كان من الأولاد، تدخلهم اجعلهم معك، فإن ذلك مما يعظم به الأجر. فإن ذلك مما يعظم به الأجر. وزد على ذلك أن الله إذا استجاب لك أبشر، أبشر يا عبد الله، تدعو لهم بخير الدنيا والآخرة. وكم من أمور لربما بعضنا إخواني في الله لربما أخذت منه الحمل الثقيل تفكيرًا وجهدًا واجتهادًا، لربما أتعبته، لربما نغص حياته، لكنه ملتجئ إلى باب الدعاء. الدعاء يعين، وما يضرك عبادة عن صدق النية مع الله، مع اختيار الأوقات المناسبة، مع استحضار القلب، ومع الإلحاح على الله، هذا ما يرد، هذا ما يرد. أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان يدعو أمه وكانت على الكفر، ليدعوها للإسلام. فإذا بها يومًا من الأيام ضاقت ذرعًا، فإذا بها تأتي بكلام شديد على رسول الله. فما كان من أبي هريرة إلا أن بكى، يعني وصل إلى حالة كأنه يأس من أمه، حتى أسمعته هذا الكلام. فذهب باكيًا إلى رسول الله ويشكو له أمر أمه، ثم قال: ادع الله لها يا رسول الله. فرفع نبينا أكف الضراعة: «اللهم اهد أم أبي هريرة، اللهم اهد أم أبي هريرة». ثم رجع أبو هريرة إلى بيته، فلما كاد أن يصل إلى باب بيته، إذ بالباب ليس بالموصد وليس بالمفتوح على شق كما يقال. وكأن أمه من الداخل سمعت بقربه وقدومه، قالت: من؟ أبو هريرة، قالت: نعم يا أمه. قال: على رسلك انتظر لا تدخل. قال: فسمعت شخشخة الماء، ماء ينكب من الداخل. قال: فخرجت أمي وعليها الثياب وقد تلبست، وهي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قال: فرجعت إلى رسول الله وأنا أبكي، لكن فرق بين البكاء الأول وبكاء الثاني، البكاء الأول كان بكاء حزن، والثاني بكاء فرح. من أين جاءت الهداية؟ بالدعاء. فأنت يا عبد الله أدع لأهلك، لأزوجتك، لأولادك، لوالديك، من خير الدنيا والآخرة، كما فعل إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾، ما اقتصر على نفسه، وإنما ألحق أهله بما يحب أن يتحقق عليه، وهو التوحيد، فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامِ﴾. كذلك إخواني في الله مما يستفاد من هذه الآية أن كمال التوحيد لا يتحقق إلا بمفارقة الكفر والشرك. كمال التوحيد، بل حتى أصل التوحيد ما يتحقق إلا بالبعد كل البعد عن الشرك وعن صوره وعن أنواعه. تبتعد. قل: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، مفارقة في النهاية. لكم دينكم ولي دين، ما نلتقي أبدًا. من أراد الحفاظ على توحيده فليبتعد. ولهذا سيأتي معنا في باب التوحيد أن الشرع ليس فقط حرم هذه الأمور من الشركيات والكفريات، بل وصل من عناية الشرع بأمر الشرك والتحذير منه أن كل باب كل باب موصل ومفضي ويدخل الناس إلى الشرك، هذا الباب يسد، يحرم، يمنع، كل ذلك صيانة لمقام التوحيد، وحتى لا تقع في الشرك. فلهذا قام ربنا جل وعلا: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامِ﴾، فيه الاجتناب التام، أن تبتعد يا عبد الله من الشرك ومن كل صوره. هذا ما يذكر إخواني في الله من فوائد هذه الآية العظيمة. والشاهد منها أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذه الآية في باب الخوف من الشرك، دلالة لما كان من دعاء إبراهيم عليه السلام، مع ما متعه الله به من الفضائل والمناقب، إلا أنه كان يخشى على نفسه. وهكذا ينبغي أن نكون نحن. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبتغون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.