الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 64، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش مفهوم نفي الإيمان عن مرتكب المعاصي وفقًا لمذهب أهل السنة والجماعة، ويوضح الفرق بين نفي أصل الإيمان ونفي كمال الإيمان. يُبيّن أن نفي الإيمان قد يعني الكفر إذا استحل العبد المعصية أو نقص الإيمان إذا وقع فيها دون استحلال.
يفسر نفي الإيمان في النصوص الإسلامية من خلال أقوال النبي وأفعال الصحابة، ويظهر أن الإيمان يمكن أن يكون ناقصًا عند ارتكاب المعاصي دون استحلالها. يُوضح أن النفي قد يكون لأصل الإيمان أو لكماله حسب السياق.
يتناول تفصيل نفي الإيمان في النصوص الشرعية مع التركيز على حالات ترك التحاكم إلى شرع الله، ويختم بالدعاء لتعزيز الإيمان وتأكيده في القلوب. يُظهر أهمية الإيمان الكامل والتحذير من نقصانه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب معنى النصوص التي فيها نفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي. قال رحمه الله: حيثما نفي الإيمان في أثر عمن عصى، ومن التوحيد قد عقدوا، فالمستحل أو المقصود فارقه إيمانه حالة العصيان يصطعد، أو المراد به نفي الكمال، وعن تفسيرها بعض أهل العلم قد قصدوا تكون أرهب، أما أن نكفره فقد رددنا على القرآن، إذ نجد أن أثبت الله للجان الأخوة والإيمان، ما قال فيه كافر وعدو. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الباب معنى النصوص التي فيها نفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي، أي ما المراد بذلك؟ لأنه قد ورد في النصوص، نصوص الكتاب والسنة، نفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي، كالزنا، وهكذا، كذلك أذى الجيران، وهكذا عدم محبة الشخص لغيره ما يحب لنفسه، وعدم التحاكم إلى شرع الله. فوردت نصوص في الكتاب والسنة تنفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي، فما معنى هذه النصوص التي فيها نفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي؟ فبين رحمه الله تعالى في هذا الباب أن ما نفي الإيمان في أثر، أي في نص، عن من عصى، ومن التوحيد يقد عقدوا، يعني من الذين هم من أهل التوحيد، نفي عنهم الإيمان. فمثال ذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، هنا فيه نفي للإيمان، ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾، فما المراد بهذا النفي الوارد في هذا النص؟ هل المراد نفي الإيمان مطلقا بالكلية، أي أنه كافر؟ أم المراد نفي الكمال؟ فأهل العلم، كما سيأتي في كلام الشيخ رحمه الله، بل مذهب أهل السنة، كما سيأتي، أنهم فرقوا في ذلك، لحسب المقام. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والله لا يؤمن»، ينفي الإيمان، بل يقسم على ذلك، عن من صار جاره لا يأمن بوائقه. فهل هذا النفي للإيمان المراد به نفي كل الإيمان، أي أن من لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه ليس بمؤمن مطلقا، أي أنه كافر؟ فبين رحمه الله تعالى في هذا الباب معنى النصوص التي فيها نفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي. وهكذا في الزنا، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، إذن يزني وهو ليس بمؤمن، ويشرب الخمر وهو ليس بمؤمن، إذن نفي عن الإيمان، لكن ما المراد بنفي هذا الإيمان عنه؟ هل هو كافر خرج من الإسلام؟ أو انتقص إيمانه؟ فمذهب أهل السنة والجماعة أن من نفي عنه الإيمان، فقد يكون هذا النفي لأصل الإيمان، يعني ليس بمؤمن أصلا، بل هو كافر خرج من ملة الإسلام، وقد يراد بنفي الإيمان في النصوص نفي كمال الإيمان، أي أنه ليس بمؤمن كامل الإيمان، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، خلافا للخوارج وللمرجئة. فالخوارج عندهم كل من وقع في ذنب أو معصية فإنه صار كافرا يخرج من الإيمان، وربما استدلوا بهذه النصوص الواردة في الكتاب والسنة التي فيها نفي الإيمان عن شارب الخمر، وعن من وقع في الزنا، وعن من آذى جاره، إلى آخر ذلك من هذه المعاصي. وخلافا للمرجئة الذين جعلوا العبد كامل الإيمان وإن زنى وإن شرب الخمر وإن قتل وإن فعل ما فعل من هذه المعاصي. فقول الخوارج ضلال، وقول المرجئة ضلال، يخالف ما جاء في نصوص الكتاب والسنة. أما أهل السنة والجماعة فإنهم فصلّوا، فقالوا: تارة يراد بنفي الإيمان نفي أصل الإيمان، بمعنى أنه ليس بمؤمن أصلا، بل هو كافر، وتارة يراد بنفي الإيمان نفي كمال الإيمان. فلذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: وحيثما نفي الإيمان في أثر عن من عصى، ومن التوحيد قد عقدوا، فالمستحل أو المقصود فارقه إيمانه حالة العصيان يصطعد، أو المراد به نفي الكمال، وعن تفسيرها بعض أهل العلم قد قصدوا تكون أرهب، أما نكفره فقد ردنا على القرآن، إذ نجد... فذكر ثلاثة أقوال في هذه الأبيات المراد بنفي الإيمان. فمن نفي عنه الإيمان والمراد به نفي أصل الإيمان، أي أنه صار كافرا، فهذا في حق المستحل، الذي يستحل الذنوب والمعاصي، يزني ويقول الزنا حلال، ويشرب الخمر ويقول الخمر حلال، يفعل الذنوب والمعاصي ويقول حلال يستحلها، فإذا نفي عنه الإيمان نفي عنه لاستحلاله لهذه الأمور المحرمة. فمن استحل محرما، قال حلال، فهذا ينفي عنه الإيمان نفيا مطلقا، يصير كافرا. فقال: فالمستحل، يعني هذا نوع من أنواع من نفي عنه الإيمان. فمن نفي عنه الإيمان والمراد به نفي أصل الإيمان أنه كافر، فهذا في حق المستحل للذنوب والمعاصي. قال: أو المقصود فارقه إيمانه، ومن كان موحدا ووقع في الذنوب والمعاصي، الزنا، في شرب الخمر، في القتل، في السرقة، إلى آخر ذلك، فهذا المقصود إذا نفي عنه الإيمان: «والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه»، «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، فنفي الإيمان هنا المراد به أن الإيمان فارقه، كيف فارقه؟ هل فارقه بالكلية؟ بمعنى صار كافرا؟ لا، فارقه بمعنى كان عليه كالظلة حين يقع العبد في الذنب والمعصية، فإن الإيمان يفارقه ويكون عليه كالظلة على رأسه. يكون الإيمان مفارقا له، لكن كالظلة على رأسه، كما ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عند أبي داود والحاكم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إذا زنى العبد فارقه إيمانه حتى يكون على رأسه كالظلة، حتى يكون على رأسه كالظلة، فإن هو تاب ورجع وأقلع رجع إليه إيمانه»، فإن تاب وأقلع رجع إليه إيمانه. إذن هذه المفارقة للإيمان للعبد ليست مفارقة مطلقة، بمعنى صار كافرا، لا، وإنما مفارقة بمعنى يكون الإيمان على رأسه كالظلة، لازال مؤمنا، لكن ليس الإيمان صار راسخا في قلبه، وإنما حصلت مفارقة بسبب ما وقع فيه من الذنب والمعصية. حتى تكون هذه المفارقة على هذا الحال يصعد الإيمان على رأسه ويكون عليه كالظلة، فإذا رجع رجع إليه الإيمان، بمعنى صار مؤمنا كامل الإيمان. وإن ظل مصرا على الذنوب والمعاصي، فهذا هو حاله، بمعنى أن الإيمان ليس راسخا في قلبه، وليس معناه أنه قد خرج من الإيمان، لا، وإنما حصلت تلك المفارقة بسبب مفارقته لكمال الإيمان. فلم يكن راسخا، هكذا فسر النبي عليه الصلاة والسلام نفي الإيمان عن الموحد حين يقع في شيء من الذنوب والمعاصي غير مستحل لها، فيفارقه الإيمان بمعنى يكون على رأسه كالظلة. هذا معنى «لا يؤمن»، أو هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». وإلا لو كان مؤمنا كامل الإيمان لم يقع في الزنا، لكن في الحال الذي يضعف عنده الإيمان فيقع في الذنوب والمعاصي ويقترف الآثام والكبائر. أما إذا كان الإيمان راسخا في القلب فإنه أثير من أن يقع في ذلك، وإنما يقع في حال الضعف. وهذا مجرب محسوس، العبد حين يقع في الخطيئة إنما بسبب ضعف إيمانه، حين يضعف عنده الإيمان، وحين يقع في الفتور يقع في الذنوب والمعاصي. وأما إذا كان في الحال الذي يكون فيه الإيمان متوقدا في قلبه فإنه يبتعد، يخاف فيبتعد عن الوقوع في شيء من الكبائر، فضلا عن شيء من الصغائر. فإذا وقع في شيء فإنه سرعان ما يستغفر ويتوب وينيب إلى الله جل وعلا. فقال: فالمستحل أو المقصود فارقه إيمانه حالة العصيان يصطعد، أي يصعد على رأسي، يكون عليه كالظلة. قال: أو المراد به نفي الكمال. ومنهم من قال: المراد بنفي الإيمان في النصوص، الكتاب والسنة، عن الموحد، المراد به نفي كمال الإيمان، أي ليس بمؤمن كامل الإيمان، وإنما هو مؤمن ناقص الإيمان. ومنهم من قال: يفسر ذلك بقوله: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. فإذا يجتمع في المؤمن إيمان وفسق، يجتمع في المؤمن إيمان وفسق، بخلاف الخوارج، عندهم لا يمكن أن يجتمع إيمان مع فسق، لا، لماذا؟ لأن الفسق عندهم كفر، كل الفسق عندهم كفر، السب والشتم والفعل الفاحش والسرقة، كل هذه من الأمور التي هي فسق عندهم، لا تجتمع مع الإيمان. وهذا باطل، ترده نصوص الكتاب والسنة، فالعبد يجتمع في حقه إيمان وفسق، يكون مؤمنا ومع هذا عنده شيء من الفسق، سباب مثلا، سباب المسلم فسوق، لكن هل إذا سبه وصار فاسقا بمعنى صار كافرا؟ لا، إلا إذا سبه الدين أو الرب أو سبه الرسول عليه الصلاة والسلام. أما سب الشخص، ولعن الشخص، هذا فسوق، لكن ليس معناه أنه صار كافرا، وليس بمؤمن، لكن الخوارج أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد، ولم يجمعوا بين نصوص الوعد والوعيد. والمرجئة كذلك أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد. أما أهل السنة والجماعة فجمعوا بين نصوص الوعد ونصوص الوعيد، فعلموا أن هناك أمورا إذا فعلها العبد خرج من الإيمان وصار كافرا، وأمورا إذا فعلها انتقص إيمانه وصار مؤمنا ناقص الإيمان. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: «لا يموت أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين»، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، لأنت أحب إلي إلا من نفسي. يعني أحبك أكثر من حبي لولدي والناس أجمعين إلا من نفسي. فقال صلى الله عليه وسلم لعمر: «حتى من نفسك يا عمر». فقال عمر رضي الله تعالى عنه: الآن يا رسول الله، أو أنت يا رسول الله لأحب إلي حتى من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر»، ومعنى «الآن يا عمر»، يعني هذا هو كمال الإيمان. فعمر رضي الله تعالى عنه حين قال: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، ليس معناه أنه صار كافرا أبدا، وإنما حين قال ذلك ليس كمال الإيمان، ليس ذلك كمال الإيمان، بل كمال الإيمان أن يحب الشخص النبي عليه الصلاة والسلام حتى من نفسه. فإذا أحب النبي عليه الصلاة والسلام حتى من نفسه فهذا هو كمال الإيمان، أما إذا صار يقدم محبة نفسه على محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا ينافي كمال الإيمان، فليس بمؤمن كامل الإيمان، بل هو مؤمن ناقص الإيمان. وفي هذا شهادة من النبي عليه الصلاة والسلام لعمر الفاروق بأنه مؤمن كامل الإيمان، لأنه قال: «الآن يا عمر»، فشهد له عليه الصلاة والسلام بأنه قد بلغ كمال الإيمان. في هذا رد على من يقول: إن عمر وقع في شبهة الإرجاء، أو أول من دخلت عليه شبهة الإرجاء عمر، لا حاشاه من ذلك. عمر رضي الله تعالى عنه شهد له نبي صلى الله عليه وسلم بكمال الإيمان، ومن شهد له نبي صلى الله عليه وسلم بكمال الإيمان، فلا يمكن أن يقع فيما يخالف هذه الشهادة من النبي عليه الصلاة والسلام. وإلا تكون هذه الشهادة ليست في محلها، لأنها ليست شهادة أحد من الناس، إنما شهادة رسول الله عليه الصلاة والسلام. بخلاف إذا شهد أحد من الناس لأحد أنه يعني صار كامل الإيمان، ثم وقع في شيء خالف ذلك، تقول: هذه الشهادة إنسان، وهو شهد بما ظهر له. لكن حين تكون الشهادة من النبي عليه الصلاة والسلام فتلك الشهادة يعني في محلها، من رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا يمكن أن يكون من شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بأنه كامل الإيمان: «الآن يا عمر»، أن يقع في شيء يخالف ما شهد له به النبي عليه الصلاة والسلام. لأن ذلك من أعلام نبوته، فكان عمر من صار كامل الإيمان بشهادة رسول الله عليه الصلاة والسلام. الشاهد من هذا الكلام أن نفي الإيمان، فليس المراد به في كل النصوص النفي لأصل الإيمان، وإنما قد يراد به نفي كمال الإيمان. فمثلا في الآية: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، عندنا شخص قيل له: تعال نتحاكم إلى شرع الله، حصلت خصومة في مسألة جوار، أو في مسألة أرض، أو في مسألة بيع أو شراء، إلى آخر ذلك، فيقال له: نذهب نتحاكم إلى شرع الله، فيقول: أنا ما سأتحاكم، أنا ما سأتحاكم. لماذا؟ لأنه يعلم أن الحق ليس معه، يعلم أن الحق ليس معه، ليس إنكارا لشرع الله، وليس استخفافا بشرع الله، وليس جحدا لشرع الله، لكن يرى أن الحكم لن يأتي في مصلحته، وأن الحق ليس معه مع الآخر، فيقول: لا أتحاكم. هل نحكم على هذا بأنه كافر؟ ونقول له: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾، إذن أنت لست بمؤمن، وأنت كافر؟ لا، الأمر يختلف. فرق بين من ترك التحاكم إلى شرع الله جل وعلا جحدا له، أو إنكارا له، أو استخفافا به، أو عدم تجوز له، وبين من ترك ذلك لمصلحة دنيوية، لشهوة في نفسه، لا يريد أن يتحاكم إلى شرع الله لأنه يريد شهوة الدنيا، يريد المال، إذا تحاكم إلى الشرع حكم الحاكم بضده، وألزمه بعقوبة، أو أخذ المال منه، فهو لشهوة دنيوية لم يتحاكم. إذن هذه الآية، نفي الإيمان فيها: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾، فهي في حق من ترك التحاكم إلى شرع الله جل وعلا جحدا له، وإنكارا له، واستخفافا له، النفي المطلق، فليس بمؤمن، وهو كحال المنافقين الذين يدعون إلى التحاكم إلى شرع الله فيعرضون ويصدون عنه صدودا. وأما المؤمن قد يقع منه ذلك، فإذا وقع منه ذلك فلا، على أنه ليس بكامل الإيمان، إذا كان لشهوة دنيوية. فلا بد من أن نفرق بين حال وأخرى، وبين من أعرض وأعرض إنكارا جاحدا، ومن أعرض لشهوة دنيوية. والسلف فرقوا بين هذا وبين هذا، وبين هذا الحال والحال الآخر. وهكذا العلماء قديما وحديثا. وكذلك في بقية النصوص الأخرى، كما سمعتم، التي نفي فيها الإيمان، فتارة يراد بها نفي الأصل، وتارة يراد بها نفي كمال الإيمان. وذكر قولا ثالثا، وهو قول لأهل العلم كذلك آخر، وهو أن تبقى النصوص على ما هي عليه، يعني لا تفسر. فمذهب الإمام أحمد، الإمام أحمد رحمه الله، يرى أن النصوص تمر هكذا، لأنها تكون أبلغ في الزجر، أبلغ في الزجر من غير تفسير. فمثلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، يعني يؤتى بهذا النص ويطلق بهذا، أبلغ في الزجر، فيه زجر لكل من يعرض عن التحاكم إلى شرع الله. قال: هي أبلغ من بخلافه إذا فسرت كذا وكذا. وهذا الكلام حق، لكن عند التحقيق لا بد من التفصيل عند الحكم، لأنك أنت الآن ستحكم على شخص، هل خرج من الإيمان أو لم يخرج من الإيمان؟ لا بد أن تعرف حاله، لماذا فعل هذا؟ هل عن إنكار؟ عن جحود؟ عن كذا؟ فعند التحقيق وعند الحكم لا بد من التفسير، لكن مراد الإمام أحمد رحمه الله تعالى إطلاق هذه النصوص لتكون أبلغ في الزجر. مثلا: «من أتى كاهنة أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم»، هذا النص فيه زجر لكل من يذهب إلى الكهنة أو المشعوذين بشتى أشكالهم، بغض النظر عما يحصل منهم. ما دام أنه صدقه، مع أن المسألة فيها تفصيل، ليس كل من ذهب إلى كاهن أو عراف وصدقه بما قال قد كفر وخرج من ملة الإسلام، المسألة فيها تفصيل عند التحقيق، لكن من باب الزجر يطلق هذا النص. وإلا فمن الناس من يذهب يقول: أنا ما أصدقه، يعني بمعنى أنه يعلم الغيب، لكن أصدقه فيما سيخبر بخبر لأنه سيتلقاه من مسترق السمع. ومسترق السمع يسرق هذا الخبر من السماء وهو حق، فإذا هذا الكاهن أنا أذهب إليه وصدقه في الخبر الذي سيخبر عنه الذي تلقاه عن الجن، مسترق السمع الذي سرق هذا الخبر من السماء. فإذا كان على هذا الاعتقاد لا يكفر، الكفر المخرج من الملة، لكن الحديث المراد به من صدقه، يعني واعتقد أنه يعلم الغيب وأنه يأتي بأخبار الغيب لأنه لا يعلم الغيب إلا الله عز وجل. قل: ﴿لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيانا يبعثون﴾. لكن الإمام أحمد مراده رحمه الله تعالى بأن تترك هذه النصوص مطلقة لتكون أبلغ في الزجر. وذلك قال: وعن تفسيرها بعض أهل العلم قد قصدوا تكون أرهب، يعني في الزجر وأبلغ. أما أن نكفره فقد ردنا على القرآن، إذ نجد... لكن ليس معنا أن نكفره، لأن إذا كفرناه رددنا نصوص الكتاب والسنة. مثلا إذا قلنا: الذي يقتل كافر، قاتل النفس كافر، إذا قلنا هذا رددنا نصوصا من الكتاب والسنة. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾، هذه الآية في حق القاتل الذي يقتل أخاه المسلم. ثم قال جل وعلا: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾، أخا سم القاتل أخا للمقتول، مع أنه قتله، فإذا لم تنتفي الأخوة الإيمانية. فإذا قتله ولازال مؤمنا، لكنه وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، وجرم عظيم، ليس بالهين، حتى أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، جاء أحد الأقوال أنه يرى أن مرتكب القتل لا توبة له. مع أن هذا ليس هو الصحيح، لكن باب الشاهد أن الأمر عظيم، حتى أن بعض السلف يرى أن قاتل النفس لا توبة له. لكن نقول: هو كافر؟ رددنا نصوص الكتاب والسنة. وإذا حكمنا على الزان بأنه كافر رددنا نصوص الكتاب والسنة. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، إذن يحصل قتال بين المسلمين والقتل، قتال، لكن ليس معنى أنهم قد كفروا وخرجوا من الإسلام، سماهم مؤمنين. فالجمع بين النصوص الواردة في نفي أصل الإيمان وبين كمال الإيمان، فلابد من التمعن في ذلك، فيظهر بعد ذلك الحكم، بخلاف النظر في بعضها وترك البعض الآخر. وذلك قال: فقد رددنا على القرآن، إذ نجد أن أثبت الله للجان الأخوة، يعني القاتل، الأخوة والإيمان، ما قال فيه كافر وعدو. يعني أن القتل والزنا وهذه الكبائر ليست يعني ليس من وقع فيها خرج من الإيمان، لكنها من كبائر الذنوب، وليس معنى ذلك تزهيدا فيها، لا، بل هي عظيمة جدا، لكن هل هي يعني تكون كفرا كالشرك، والعياذ بالله، وسب الدين، وسب الرب، وغير ذلك؟ فلا، ولكنها من كبائر الذنوب التي توبق صاحبها في نار جهنم، إلا أن يغمدها الله برحمته. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من آمن به حق الإيمان، وأن يقوي الإيمان في قلوبنا. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.