الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 59، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يروي أبو مصعب أن عبد الرحمن بن مهدي وضع رداءه بين يدي الصف في المسجد النبوي، فأنكر عليه الإمام مالك وأمر بحبسه مستنداً إلى حديث «من أحدث في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة الله». فبكى ابن مهدي وتاب، مما يدل على شدة تحفظ السلف من إحداث ما لم يكن في المساجد.
يبيّن المقطع أن البدع المحدثة في العبادات كرقص وطبول لا تقرب إلى الله بل تبعد صاحبها، كما نقل عن الحسن البصري وأيوب السختياني أن صاحب البدعة يزداد اجتهاداً فيقع في البعد. ويؤكد الإمام مالك أن من ابتدع فقد زعم أن النبي خان الرسالة، مستدلاً بكمال الدين، ويشير الشاطبي إلى أن حديث الخوارج يصحح هذا المعنى.
يبيّن المقطع أن الخوارج قديماً وحديثاً خرجوا عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم رغم اجتهادهم في العبادة، وأن أعمال المبتدعين حابطة لا تقربهم إلى الله لأن القربة لا تكون إلا باتباع الشرع. ويختم بوجوب الحذر من مجالسة أهل الأهواء والبدع بعد بيان ذمهم.
يختتم الدرس بالإشارة إلى أن ما سبق يستند إلى أدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، مع الوعد بمواصلة الموضوع في الدرس القادم. ويختتم بالدعاء والتسبيح.
بسم الله الرحمن الرحيم مازلنا في باب النهي عن البدع وأهلها وذم الأهواء وأهلها. قال المؤلف حفظه الله في الأثر الخامس والستين بعد الثلاثمائة: قال أبو مصعب رحمه الله صاحب مالك: قدم علينا ابن مهدي يعني المدينة، فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف. ابن مهدي يعني عبد الرحمن بن مهدي الإمام المعروف المشهور، إمام في الجرح والتعديل. قال: ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم، ورمقوا مالكا، وكان قد صلى خلف الإمام. فلما سلم قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فحبساه. فحبساه. فقيل له -أي قيل للإمام مالك رحمه الله-: إنه ابن مهدي. قال: فوجه إليه وقال له: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف، وشغلت المصلين بالنظر إليه؟ يعني كما يفعل بعض العوام؛ العوام يأتون بالعمامة مثلا يرمي العمامة أمامه ويصلي، فهذا فيه ماذا؟ مشغلة للمصلين. فغضب الإمام مالك لهذا الفعل، وكان الإمام مالك حاضرا فصلى خلف الإمام، فدعا الحرس ليأخذ ابن مهدي فوضع في الحبس، ثم قيل له: إنه ابن مهدي. قال: فوجه إليه وقال له: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف، وشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه؟ لأن المسجد النبوي كان الإمام مالك رحمه الله يدرس فيه ويعلمهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». فبكى ابن مهدي، وآل على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في غيره. فبكى لما سمع هذا الحديث من الإمام مالك رحمه الله تعالى. فكان عندهم أن وضع الثوب أمام المصلي من المحدثات، من المحدثات؛ لأنهم لا يعرفون هذا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله: وهذا غاية في التوقي والتحفظ في ترك إحداث ما لم يكن، خوفا من تلك اللعنة. فما ظنك بما سوى وضع الثوب؟ ما ظنك بما سوى وضع الثوب؟ إذا كان وضع الثوب عنده الإمام مالك من المحدثات، فما بالك بالطبول التي تدخل في المساجد، والمزامير، والطارات، ونحو ذلك؟ ما رأيك أو ما بالك بالرقص الذي يحدث في بيوت الله عز وجل؟ فلا شك أن هذا أعظم وأعظم ممن يضع ثوبه أمامه ليصلي عليه، أي ليسجد عليه. قد يكون وضع الثوب من حصى أو من أذى في سجود المصلي، قد يضعه لحاجة، قد يضعه لحاجة. فما بالك بالمحدثات والبدع التي أحدثت في المساجد؟ كيف لو رأى الإمام مالك رحمه الله تعالى ما أحدثه المتصوفة في هذه الأزمنة في المساجد؟ لن يكتفي بإيداعهم في الحبس، لن يكتفي بإيداعهم في الحبس، بل ربما سيجلدون على هذا الفعل، سيضربون على هذا الفعل. فإذا كان ضرب صبيغ بن عسل، ضربه عمر على رأسه بالدرة لأنه كان يقول بعض المشتبهات على الناس، كان يمشي في الناس ويذكر لهم آيات من القرآن ويلبس على الناس، فأخبر عمر، ثم أتي به إلى عمر، فأخبر عمر بهذا الرجل الذي كان يشوش على الناس، ثم أتي به إلى عمر، فجعل يضربه على رأسه بالعصا ضربا مبرحا شديدا حتى صاح صبيغ وقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد قتلي فاقتلني، وإن كنت تريد تأديبي فوالله لقد ذهب الذي برأسي، لقد ذهب الذي برأسي. فهكذا يفعلون مع أهل الأهواء والمحدثات. كانوا يضربون، كما قال الشافعي في أهل الكلام: «رأيي أن يضربوا بالنعال والجريد، ويطاف بهم في القبائل والعشائر». فلو رأوا هؤلاء الذين في المساجد يطبلون ويرقصون فيما يسمونها موالد ونحو ذلك، وختاميات في بيوت الله عز وجل. وهذه ليست في اليمن فقط، حتى في مصر وفي العراق ونحوها من بلاد الإسلام، ترى الصوفية أحدثوا الحزات، وأحدثوا الرقصات، وأدخلوا الطبول والطارات ونحو ذلك في بيوت الله عز وجل. فرحم الله الإمام مالك رحمه الله، فما أشده على النهي على البدع. ثم قال: وقال الحسن البصري رحمه الله: «صاحب البدعة ما يزداد من الله اجتهادا وصياما وصلاة إلا ازداد من الله بعدا». وقال أيوب السختياني رحمه الله: «ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا». هذا أثران عن إمامين جليلين: الحسن البصري، وأيوب السختياني رحمهما الله. يقولان فيه: إن صاحب البدعة الذي يزداد اجتهادا، ويريد بهذا الاجتهاد القربة إلى الله؛ لأنه هو يريد أن يتقرب إلى الله في زعمه أن بهذا الاجتهاد في الصياح ورفع الصوت والسهر. يسهرون من المغرب إلى الفجر في الختاميات، من بعد المغرب إلى الفجر، وهم في صياح. وهم ماذا يصيحون في المساجد؟ وهكذا في الحوليات وغيرها التي عند أهل التصوف. اجتهاد عندهم، اجتهاد وجلد على البدعة، وربما أيضا اجتهدوا في ماذا؟ في صلوات، وفي صيام، ونحو ذلك. لكن هذا ليس قربة إلى الله سبحانه وتعالى، إنما يزدادون منه بعدا؛ لأنهم محجوجون، أحدثوا هذه البدعة، فلا يقبل الله سبحانه وتعالى منهم صرفا ولا عدلا، أي فرضا ولا نافلة. هؤلاء الذين ابتدعوا في الدين، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ فمن أنت حتى تشرع للناس دينا يتعبدون به؟ هذا مضاهاة لله سبحانه وتعالى. لهذا يقول الإمام مالك رحمه الله: «من ابتدع بدعة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، قد زعم أن محمدا خان الرسالة». لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا، لا يكون اليوم ماذا؟ دينا. فلهذا ينبغي على المسلم أن يتحرى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. يقول في هذا الأثر: صاحب البدعة الذي يزداد اجتهادا يريد القرب من الله، ما يزداد إلا بعدا من الله سبحانه وتعالى. قال أبو إسحاق الشاطبي تعليقا على هذا رحمه الله: يقول ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح. يعني يصحح أقوال السلف: كيف يزداد من الله بعدا؟ لاحظ من أين خرج هذا الكلام من الحسن وأيوب. هذا مصدره أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. لتعلم أن السلف الصالح عندهم نور، عندهم نور عندما يتكلمون. قال: ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج: «يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم». إذن عندهم صلاة أكثر من صلاتنا، الخوارج. «وصيامكم مع صيامهم». عندهم صيام أكثر مما يصوم أهل السنة. إلى أن قال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». إذن عليه الصلاة والسلام بين أن هؤلاء يخرجون شيئا فشيئا من الدين، مثل ما تجعل السهم في الرمية ثم ترميه فيخرج هذا السهم من الرمية. فهؤلاء يمرقون بالبدع، يمرقون أن يخرجوا؛ لأنه ليس هناك إلا سنة أو بدعة: سنة أو بدعة. فإذا كنت على سنة فأنت على الإسلام الصحيح الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا لم تكن على سنة فأنت على إيش؟ على إسلام صحيح؟ الجواب: لا، لست على إسلام صحيح، على بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وعلى شرع ما أنزل الله به من سلطان. فأنت إذن خارج من الدين الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فذكر النبي عليه الصلاة والسلام الخوارج الذين خرجوا، وأن عندهم صلاة، وعندهم صيام، لكن ليسوا على هدى، ليس على سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فذو الخويصرة الذي طعن في عدالة النبي عليه الصلاة والسلام، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «يخرج من ضئضئ هذا». الخارجي ذو الخويصرة الذي طعن في العدالة، يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم. ربما تجد كما قال العلماء: جبهة أحدهم مثل ركبة المعزة من ماذا؟ من أثر السجود، من أثر السجود. وترى مشاحبي اللون. ربما هذا، وقد كانوا في ذاك الزمن عبادا، كانوا ماذا؟ عبادا يصلون ويصومون. في هذا الزمن، والله المستعان، صاروا أهل كروش، يعني أهل بطون. فهات من المندي والمضبي والرز واللحم، وهكذا. فاختلف الوضع والحال في خوارج الزمان، الذي كان في زمان الصحابة، وخرجوا عن خوارج اليوم، عن خوارج ماذا؟ اليوم. فترى الفلوس معهم دارة، وتراهم من أحسن الناس ماذا؟ عيشة. حتى الزهد ما هم زهاد، ما هم ماذا؟ زهاد. وربما أيضا فيهم ماذا؟ من يحشش الحشيش والمخدرات ونحو ذلك، وحلاقة اللحى. يعني لا عبادة مثل الخوارج المتقدمين، ولا شيء، ويدعون أنهم يريدون ماذا؟ تطبيق الخلافة الإسلامية. حلق لحى، وأيضا ماذا؟ سهرات، وربما هذه الأمور المنكرة يفعلونها، وبعد ذلك يدعون أنهم يريدون ماذا؟ خلافة إسلامية. فيقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان. قال الشاطبي الإمام في الاعتصام: «فبين أولا اجتهادهم، ثم بين آخرا بعدهم من الله تعالى». أي النبي عليه الصلاة والسلام بين أنهم مجتهدون، الخوارج، ثم بين أنهم ماذا؟ أنهم يبتعدون عن الله سبحانه وتعالى ببدعتهم. قال: وهو بين أيضا من جهة أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، والمراد بالصرف والعدل: الفريضة والنافلة. فكل عمل يعمله على البدعة فكما لو لم يعمله، ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعا، والفساد الداخل على الناس به في أصل الشريعة، وفي فروع الأعمال والاعتقادات. وهو يظن مع ذلك أن بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة. وقد ثبت النقل الصحيح الصريح بأنه لا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع. ما يقربك أيها المسلم إلا العمل بما شرع سبحانه وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا هو الذي يقربك. فكلما أنت تمسكت بالسنة تقربت إلى الله، كما في الحديث القدسي المعروف: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به...» إلى آخر الحديث. ففيه أن العبد إذا عمل الصالحات على وفق الشريعة يقرب من الله، ويقرب الله سبحانه وتعالى منه بحسب القرب. فكلما قرب من الله سبحانه وتعالى كان الله عز وجل أقرب إليه. قال: وقد ثبت النقل الصحيح الصريح بأنه لا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذي شرع، وأن البدع تحبط الأعمال، وأن البدع تحبط ماذا؟ الأعمال، والعياذ بالله. فصاحب البدعة لا ينال أجرا على بدعته التي عملها، ويظن نفسه أنه يقرب من الله سبحانه وتعالى. وبهذا الأثر نكون انتهينا من هذا الباب النافع، وهو باب ذم الأهواء والبدع وأهلها. ثم بعده باب مهم أيضا. فإذا علمنا أن النبي عليه الصلاة والسلام ذم الأهواء والبدع وذم أهلها، ينبغي علينا أن نحذر من مجالسة أهل الأهواء والبدع، أو مخالطتهم، أو المشي معهم، ونحو ذلك. وهذا فيه أيضا أدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح رحمهم الله تعالى. وإن شاء الله يكون في الدرس القادم. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.