الدرس في كتاب البيوع 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الرهن جائز في كل ما يجوز بيعه إذا استقر الدين في الذمة، وللراهن الرجوع في الرهن ما لم يقبضه المرتهن. الرهن وثيقة بدين يتمكن المرتهن من أخذ دينه من العين المرهونة إذا لم يسدد المدين.
المرتهن لا يضمن الرهن إلا في حالة التعدي أو التفريط. الحجر على التصرف في المال يمنع ست فئات من التصرف في أموالهم، وهم: الصبي، والمجنون، والسفيه، والمبذر، والمفلس، والمريض المخوف عليه فيما زاد على الثلث.
الحجر على بعض الأشخاص مثل الصبي والمجنون والسفيه والمفلس والمريض والعبد يمنعهم من التصرف في أموالهم أو يقيد تصرفاتهم بحسب الحالة. يشمل ذلك شرح أسباب الحجر وآثاره على تصرفاتهم المالية.
إذا أعتق العبد، فإن صاحب الحق يطالب بالمال الذي تصرف فيه العبد بعد عتقه. المال موقوف على عتق العبد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال قاضي أبو سعيد الأصفهاني رحمه الله في كتابه «غاية التقريب»: فصل، وكل ما جاز بيعه جاز رهنه في الديون إذا استقر ثبوتها في الذمة، وللراهن الرجوع فيه ما لم يقبضه، ولا يضمنه المرتهن إلا بالتعدي. وإذا قبض بعض الحق لم يخرج شيء من الرهن حتى يقضي جميعه. هذا الفصل في ذلك ما يتعلق بالرهن، والرهن في اللغة الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي راكد، ونعمة راهنة، أي دائمة. وقيل: معناه الحبس، كما في قوله جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أي محبوسة بما قدمته. وفي الشرع: جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدين، بحيث يتمكن أخذ الدين أو أخذ بعضه من تلك العين. فصورة الرهن الآن: يأتي إنسان، زيد، إلى عمر، يقول: يا عمر، أنا أريد منك دينًا، أريد مثلا منك مئة ألف، فيقول عمر لزيد: أبشر أعطيك، لكن أريد شيئًا أوثق به هذا الدين. فيأتي له مثلا بذهب، يقول: هذا الذهب رهن عندك. فيضع عنده الذهب، ويعطيه الدين. أصبح لنا هذا الذهب توثيقة لهذا الدين، بحيث أنه لو جاء وقت السداد، وزيدًا يأتي بالدين، فهنا يتصرف في هذه العين التي هي الذهب، يقول: الآن هذا الذهب يلا نذهب نبيعه، تعطيني حقي الدين الذي لي، والباقي أخذه صاحبه. هذه الفائدة في الرهن أولًا: تأكيد يعني رجوع الدين، وكذلك الاستيفاء منه إذا لم يسدد المرتهن. الراهن إذا لم يسدد الدين الذي عليه، فالمرتهن يأخذ حقه من هذا الرهن. نعم، ولهذا لا بد أن يكون الراهن يعني قيمته مساوية للدين أو أكثر، حتى يستطيع أن يستوفي حقه منه. قال: فصل، وكل ما جاز بيعه جاز رهنه في الديون. كل ما جاز رهنه، كل ما جاز بيعه جاز رهنه في الديون، فكل شيء يجوز بيعه، فإنه يجوز أن يرهن، يجوز أن تجعله رهنا مقابل الدين. والأصل في جواز الرهن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ والآية لا تختص في السفر، بل يجوز الرهن في السفر وفي الحضر، لكن ذكر في السفر يعني عظم الحاجة إلى ذلك، وإلا فيجوز حتى في الحضر. ويدل عليه حديث عائشة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهون عند يهودي على ثلاثين صاعًا من شعير. وإذا حديث أنس: أن النبي اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد. فدل هذا على جواز الرهن في السفر وفي الحضر. طيب، قلنا: كله ما جاز بيعه جاز رهنه. وعلى هذا فلا يجوز رهن الخمر أو خنزير أو رهن أصنام أو غير ذلك من الأمور المحرمة، أو كذلك أن يرهن وقفًا، لا يجوز؛ لأن الوقف لا يجوز بيعه، لا يجوز بيع الوقف، فلا يجوز رهنه. قال: إذا استقر ثبوتها في الذمة، يعني هذه العينة يريد رهنها مما يجوز بيعها، لابد أن تكون مستقرة في الديون. إذا استقر ثبوتها في الذمة، يعني استقرار هذه الديون في الذمة، لابد أن تكون مستقرة. قال: وللراهن الرجوع فيه ما لم يقبضه. وللراهن الرجوع فيه ما لم يقبضه، يعني الرجوع في الرهن إذا لم يقبضه المرتهن، بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فدل هذا على أنه إن لم تقبض فإنها لا يلزم. وبهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله، وجمهور أهل العلم، فالراهن له أن يرجع في الرهن ما لم يقبضه المرتهن. قال: ولا يضمنه المرتهن إلا بالتعدي. الآن، وضعت الرهن عند المرتهن، طبعًا المرتهن هو صاحب الحق، صاحب المال، والراهن المستدين الذي أخذ الدين. وضعت الرهن عند المرتهن إذا حصل له تلف، فهل يضمن هذا المرتهن أو لا يضمن؟ مثلا رهنت عنده ناقة فماتت، أو رهنت عنده سيارة فتكسرت، طيب هل يضمن أو لا يضمن؟ يقول: ولا يضمن المرتهن إلا بالتعدي. إذا تعدى يعني في الاستعمال، والتعدي هو فعل ما لا يجوز. والتفريط ترك ما يجب، والتعدي فعل ما لا يجوز، فلا يضمن المرتهن إلا إذا تعدى أو فرط. إذا تعدى أو فرط، فمثلا عنده ناقة رهن فأهملها، مثلا أو نقول بدل الناقة يعني شاء مثلا أو مواشي فأهملها وتركها بلا طعام حتى ماتت، هذا يعتبر تفريط منه، فيضمن. قال: وإذا قبض بعض الحق لم يخرج شيء من الرهن حتى يقضي جميعه. يعني إذا سدد الراهن بعض الدين، إذا سدد بعض الدين، فهل يفك الرهن بهذا البعض؟ الجواب: لا، لا يفك الرهن إلا بقضاء الدين كله، حتى يسدد الدين كله. يعني مثلا الدين مئة ألف، أعطاه خمسين ألف، هل يفك الرهن؟ الجواب: لا، لا يفكره، حتى يكمل ما عليه من الدين. قال: فصل، والحجر على ستة: الصبي، والمجنون، والسفيه، والمبذر لماله، والمفلس الذي ارتكبته الديون، والمريض المخوف عليه فيما زاد على الثلث، والعبد الذي لم يؤذن له في التجارة. وتصرف الصبي والمجنون والسفيه غير صحيح. وتصرف المفلس يصح في ذمته دون أعيان ماله. وتصرف المريض فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة من بعده. وتصرف العبد يكون في ذمته، يتبع به بعد عتقه. هذا الفصل فيما يتعلق بالحجر، أو الحجر. والحجر معناه: منع الإنسان من التصرف في ماله، منع الإنسان من التصرف في ماله لفلس أو سفه، هذا في الشرع. وأما في اللغة: بمعنى المنع، بمعنى المنع. فالحجر ينقسم إلى قسمين: حجر حجر لسفه، وحجر لفلس. وبعض يقسمه إلى قسمين: يعني فيقول حجر لمصلحة الإنسان نفسه، وحجر لمصلحة الغير. فيقول: والحجر على ستة، يعني يمنعون من تصرف أموالهم، ستة: الصبي، الصبي يعني من كان دون البلوغ، من كان دون البلوغ، فإنه يمنع من التصرف في ماله، يمنع من البيع والشراء، يعني في الأشياء الكبيرة أو الثمينة التي لم تجر العادة أن يبيع مثلها. وكذلك أيضًا المجنون، كذلك المجنون يمنع من التصرف في ماله إذا كان عنده أموال وهو مجنون لا عقل له، فهذا يمنع، يحجر عليه حتى لا يعبث ماله، فيمنع من تصرف أمواله في البيع والشراء ونحو ذلك. والسفيه المبذر لماله، السفيه قد يكون يعني بالغًا، وقد يكون عاقلًا، قد يكون بالغًا عاقلًا، لكنه لا يحسن تصرف، لا يحسن تصرف، يبذر المال إما بشراء يعني المحرمات، كمن يصرف أمواله في التخزين، شراء القات، الدخان، أو في شرب المسكرات، أو كذلك في أنواع اللهو واللعب، أو كذلك لا يحسن تصرف البيع والشراء، فيشتري يعني الشيء الزهيد بالثمن الكبير، ويبيع الشيء الكبير بالثمن الزهيد، فهذا أيضًا يعتبر سفيهًا، فيحجر عليه. والدليل على الحجر على هؤلاء قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ فالله عز وجل هنا نهى القائم على أموال هؤلاء من الصبي والمجنون أن يعطيهم المال يتصرفون فيه. قال: والمفلس الذي ارتكبته الديون، هذا النوع الثاني، هذا القسم الأول: الحجر لمصلحة الإنسان نفسه، والقسم الثاني: الحجر لمصلحة الغير. الحجر على السفيه، المفلس الذي ارتكبته الديون، إنسان يعني استدان من فلان وفلان وفلان، تراكمت عليه الديون، جاء أصحاب الديون يطالبونه بديونهم، وإذا المال الذي عنده ما يكفي، أصبح مفلسًا، هذا يسمى مفلسًا، فيحجر عليه، ويمنع من التصرف في ماله. قال: والمريض المخوف عليه، يعني المريض مرض يخاف عليه من الموت، فهذا يحجر عليه فيما زاد على الثلث، يعني لا يتصرف في ماله فيما زاد على الثلث، لو يتصرف في الثلث فما دون، يتصرف في الثلث فما دون، أما فيما زاد على الثلث فليس له حق أن يتصرف. لحديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين، لما زاره النبي عليه الصلاة والسلام بحجة الوداع وقد مرض واشتد به الوجع، فقال: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا رجل ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فالنص؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث، وثلث كثير. قال: والعبد الذي لم يؤذن له في التجارة، العبد الذي لم يؤذن له في التجارة، يعني لم يؤذن له السيد، فإنه يحجر عليه لحق السيد، يحجر عليه لحق السيد. أما إذا أذن له العبد، فلا بأس أن يبيع ويشتري بما أذن له سيده. قال: تصرف الصبي والمجنون والسفيه غير صحيح. تصرف الصبي إذا تصرف في المال بالبيع والشراء غير صحيح، هذا كما ذكرنا إذا كان في شيء لم يجز له أو مثله أن يبيع ويشتري فيه. قال: وتصرف المفلس يصح في ذمته دون أعيان ماله. تصرف المفلس يصح في ذمته دون أعيان ماله، يعني أعيان المال عنده ما يجوز يتصرف فيها، عنده سيارة، عنده أراضي، لا يجوز لو أن يبيعها، يتصرف فيها، لكن يتصرف في شيء في ذمته، ممكن كان يبيع مثلا بيع سلم، أو يشتري شيئًا بثمن في الذمة، هذا لا بأس، شيء يتعلق في الذمة، ليس متعلقًا بأعيان ماله التي عنده، فهذه هو محجور عليها تصرف فيها. قال: وتصرف المريض فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة من بعده، أي بعد موته. المريض إذا تصرف فيما زاد على الثلث، لو أوصى مثلا بأكثر من الثلث، نقول: هذا موقوف على الورثة، إن أجاز الورثة ذلك؛ لأن ما زاد على الثلث من حقهم، إذا أجازوا، تنازلوا عن حقهم، فلا بأس، وإذا لم يجيزوا، فلا يتصرف، أو لا ينفذ من هذه الوصية إلا قدر الثلث فقط. قال: وتصرف العبد يكون في ذمته، يتبع به بعد عتقه. تصرف العبد يكون في ذمته، يتبع به بعد عتقه، يعني تصرف العبد فيما يؤذن له فيه من التصرف، كالبيع والإجارة ونحو ذلك، فهذا ما ذون له فيه. وأما ما لم يؤذن له فيه، إذا تصرف بشيء لم يؤذن له فيه، بيع أو شراء أو إجارة، فحينئذ لا يصح هذا تصرف من العبد؛ لأنه محجور عليه لحق السيد. وهذا التصرف الذي تصرف به يكون في ذمة العبد، متى يطالبه صاحبه؟ إذا أعتق، إذا أعتق العبد، فحينئذ صاحب الحق هذا يطالبه بهذا المال الذي تصرف فيه، فهو موقوف على عتقه. صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.