كتاب الطهارة 75

كتاب الطهارة 75

الدرس في كتاب الطهارة 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مدة النفاس وأقوال الفقهاء فيها

اختلف الفقهاء في مدة النفاس، حيث تراوحت أقوالهم بين أربعين يوما وستين يوما وسبعين يوما. وأقل النفاس لا حد له إذا خرج دم بعد الولادة.

بيان أقصى مدة النفاس عند الفقهاء

ذهب بعض الفقهاء إلى أن أقصى مدة النفاس ستون يوما، بينما ذهب البعض الآخر إلى سبعين يوما. والراجح هو اعتبار ستين يوما إذا استمر الدم ولم يتغير.

حكم المرأة إذا عاودها الدم بعد الطهر في النفاس

إذا طهرت المرأة من النفاس ثم عاودها الدم، اختلف العلماء في حكمها بين اعتباره نفاسا أو حيضا، وتختلف الأحكام تبعا لذلك. مثل قضاء الصيام وجواز وطء الزوج لها.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: واختلفوا في أكثره، واختلفوا في أكثر النفاس. فقال أبو حنيفة وأحمد: أربعون يوما. وقال مالك والشافعي: ستون يوما. وقال الليث: سبعون يوما، وهو أيضا مذهب الحسن البصري. وجاء عن الليث أيضا أنه أربعون يوما. قال رحمه الله: هذه الآن مسألة أكثر النفاس، فأما أقل النفاس، فالعلم على أن أقل النفاس، ولو كان شيئا قليلا، لم يحدد بزمن. هذا أقل، أنه لو خرج دم قليل من المرأة، يعتبر نفاسا بعد الولادة. وإذا لم يخرج شيء، لا شيء عليها، معنى أنها تصلي وتصوم. إذا لم يخرج شيء من الدم، فإنها تصلي وتصوم. مثلا إذا كان عندها عملية، وخرج شيء يسير مع الطفل، ثم أغلق ذلك المكان، فلم يخرج شيء بعد ذلك، فإذا لم يخرج شيء، فليس عليها نفاس، أن تصلي وتصوم، ومعنى تفعل فعل الطاهر. وأما أكثر النفاس، فجاء حديث أم سلمة، حديث أم سلمة الذي أخرجته السنن، أنها قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما». وهذا الحديث أكثر العلم على صحته، لكن اختلفوا في مفهومه. فمنهم من أخذ هذا المفهوم على أن هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على اطلاع به، وأنها تجلس المرأة أربعين يوما. ومن أهل العلم من قال: إن هذا الحديث ليس نصا، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تجلس المرأة كذلك، وإنما حكت أم سلمة واقع النساء في ذلك الوقت في المدينة. حكت أم سلمة واقع النساء في هذا الأمر، معنى أنها كانت غالب النساء، غالب ما تجلس أربعين يوما، معنى أنها يأتيها النفاس أربعين يوما، ولا يزيد على ذلك. هذا بما كانت تعرفه أم سلمة رضي الله عنها، بمن كانت تعرفه من النساء. وكأن الأمر إنما بالتجربة والعادة، والأمر أصلا بنزول الدم، بنزول الدم، وليس بالتحديد. فلهذا قال بعض العلماء، كمالك والشافعي: إنه أكثر من ذلك. فأخذوا بالخبرة وبسؤال النساء، وكذا، على أنها تجلس المرأة إلى ستين، كما ذكر ذلك الإمام الشافعي رحمه الله، أنه أخذ هذا عن تجربة. يقول: كانت النساء في اليمن يجلسن إلى ستين، يجلسن إلى ستين يوما. فأدل على أن هذا أيضا مما يحصل لبعض النساء. فلهذا، فالصحيح أن كلام أم سلمة ليس نصا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان قالت: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، المراد أنه كانت النساء يجلسن كذلك على عادتهن، وليس أمرا من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يقال: إن بعد الأربعين لا يكون نفاسا. لأن الدم نفسه، لا فرق بين الدم الذي ينزل في الأربعين وفي الواحد والأربعين. فكيف يقال: هذا نفاس، وهذا ليس بنفاس؟ لكن أخذ العلماء إلى أعلى شيء كانت النساء يجلسنه. فأخذ مالك والشافعي إلى ستين، فقالوا: هذا أعلى شيء يجلسنه النساء. وإلا، فالأصل أنه ليس له حد، لأنه لم يحدده الشرع. لم يحدده الشرع، وإنما أخذوا ذلك من الاستقرار والعرف. والعرف عند العلماء: ما اعتبر إذا لم يحدد الشرع. إذا لم يأت الحد من الشرع، فقال كما قال الشاعر: «فبالعرف حَدُّهُ». أي: بالعرف جعلهم حدا. فهم أداهم اجتهادهم، رحمهم الله، إلى أن أغلب النساء ما يتجاوزن الستين. ما يتجاوزن الستين، فقالوا: ستين. وجاء عن بعض العلماء، منهم من يذكر أنه الحسن، منهم من يذكر الليث، أنه كان يقول: سبعين، سبعين يوما. لكن أغلب ما يذكر، أو قد يكون هذا السبعين نادرا. والنادر لا حكم له. فلهذا أكثر حد وجده العلماء هو ستين، وهذا هو الصحيح. أن المرأة إذا استمر بها الدم بعد الأربعين، تجلس حتى تستكمل الستين يوما. هذا إذا كان نفس الدم، معنى دم النفاس، أنه لم يتغير إلى دم آخر، دم استحاضة. فإذا كان نفس الدم، فإنها تجلس إلى الستين، كما قال الإمام الشافعي، وكذلك مالك. أحيانا مثلا إذا طهرت قبل الأربعين، فلا شك ولا خلاف بين العلماء أنها تغتسل. بعض النساء تجد أنها تجلس إلى الأربعين، أنها عندها أن الاغتسال إنما يكون بعد الأربعين. لكن ليس المراد أن المرأة تجلس ولا تغتسل غسل الطهارة إلا إذا جاءت إلى الأربعين. لا، ليس هذا المراد، وإنما المراد أنها جلوسها كذلك. لكن إذا طهرت، متى ما طهرت، تغتسل، ولو كان عدة أيام، كما قلنا، ولو كان أيضا دفعة واحدة. وطهرت المرأة، فتغتسل وتصلي وتصوم. وأما إذا بقي فيها الدم، فتبقى إلى ستين يوما. فإن ذهب ذلك الدم مثلا في الثلاثين، ثم رجع بعد الأربعين، فكيف تعمل المرأة؟ فهنا العلماء يقولون: إما أن يكون هذا تابعا للنفاس، وإما أن يكون حيضا. لأن المرأة قد تحيض إذا طهرت مثلا في الثلاثين، ثم بقيت عشرة أيام أو أكثر، ممكن يأتيها الحيض. فتجلس فلا تصوم ولا تصلي حتى يذهب ذلك الدم. لكن إذا كان نفاسا، استشكل العلماء: إذا كان نفاسا، كيف تفعل في الأيام التي صامت؟ هل تقضي الصوم أم لا؟ الصلاة فلا تقضيها، لا خلاف أنها لا تقضي الصلاة. لكن الصيام مثلا إذا كان هذا الأمر في رمضان، حصل لها هذا الأمر، طهرت مثلا بالثلاثين، ثم جلست أياما على طهارة، فصامت وصلت، ثم جاءها الدم مرة أخرى. فعند الشافعي رحمه الله يقول: أنها تقضي الصيام. وفقهاء الشافعية يسمون هذا «السحب». السحب هذا أن الأيام التي طهرت فيها، ما تكون إلا أيام نفاس، ينسحب ذلك الأيام في أيام النفاس. فيقولون: أنها تقضي الصيام. وأما عند مالك وأحمد: أنها تأخذ بطهارتها، ما دام أنها قد طهرت، فهي تأخذ بطهارتها، وصامت وصلت على أنها طاهرة. فتبقى على ذلك، وصيامها صحيح، وليس عليها قضاء. فالجعلون وقت الحيض والنفاس حيض ونفاس، ووقت الطهر طهر. ما دام أنها فيها طهر، خلاص تصلي وتصوم وتفعل كل ما يجوز للطاهر. وكذلك أيضا لا تقضي الصيام، بل تكون معنا صيامها صحيح. قال: وإذا قطع دمها، جاز وطؤها عند الثلاثة. وقال أحمد: يكره قبل الأربعين. يقول هنا: إذا قطع الدم قبل الأربعين، هل يجوز لزوجها أن يأتيها أو لا؟ فيقول: إن الثلاثة، أي مالك وأبو حنيفة والشافعي، قالوا: إنه يجوز ولا يكره. وقال أحمد: إنه يكره قبل الأربعين. يكره قبل الأربعين، أما إذا بعد الأربعين، لا يكره. واستدل الإمام أحمد ببعض الآثار، وجاءت رواية عنه أيضا أنه لا يكره وطؤها مطلقا. وهذا والصحيح لعدم الدليل على ذلك. فما دام أنها طاهرة، فيجوز. وكما قال ابن عباس: «الصلاة أعظم»، فما دام الصلاة حلت، فغيرها أحل. فهذا ما يذكر، ونكتفي به. والله تعالى أعلم.