كتاب الزكاة 8

كتاب الزكاة 8

الدرس في كتاب الزكاة 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أصناف الأغنياء الذين تحل لهم الصدقة

يشرح المقطع حديث «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة» مبيناً أصنافهم الخمسة، ومنهم العامل عليها والغازي في سبيل الله. ويرجح أن الغارم المقصود هو من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين فيستحق الزكاة وإن كان غنياً.

أحكام إعطاء الزكاة للغازي وهدية المسكين

يُبيّن المقطع جواز إعطاء الزكاة للمجاهد في سبيل الله وإن كان غنياً، وجواز أكل الغني من هدية المسكين المتصدق بها عليه. ويستدل بحديث الرجلين الجلدين لتعريف الغني والمسكين والفقير، وبيان منع الصدقة عن القوي المكتسب القادر على الكسب.

أصناف المستحقين من المساكين وحديث قبيصة

يبيّن المقطع أن الموظف ذا الراتب غير الكافي والعامل العاطل الراغب في العمل يُعدّون من المساكين المستحقين للزكاة. ثم يستعرض حديث قبيصة الذي حصر المسألة في ثلاثة أصناف: المتحمل حمالة، والمصاب بجائحة، والفقير بعد غنى، محذراً من أن ما سوى ذلك سحت حرام.

تحريم الكسب الحرام وعقوبة أكل السحت

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أي جسم نما من مال حرام (سحت) فالأولى به النار. ثم أنهى المتحدث المجلس بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: باب قسم الصدقات. قال: حديث السابع والسبعين بعد السبعمائة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني». رواه أبو داود. قال: وصححه ابن حبان، وأُعلَّ بالإرسال. نعم، علَّق على الحديث أبو حاتم وأبو زرعة كما في علل ابن أبي حاتم أنه سألهما عن هذا الحديث فعلَّاه بالإرسال، قد أرسله عطاء بن يسار. ومع ذلك فمعناه صحيح. فقوله: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة»، يعني: الأصل أن الصدقة لا تحل لغني، كما سيأتي في حديث عبد الله بن عدي بن الخيار، الأصل أنها لا تحل للغني، إنما هي للفقير والمسكين، إلا خمسة، يعني: تحل لهم الزكاة، خمسة من الأغنياء. الأول: العامل عليها، أي: العامل على الزكاة ممن يجمع الصدقة ويقوم بحفظها أو يرعاها، فإنه يحل له أن يأخذ من الزكاة لقوله تعالى: ﴿ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾. وهذا صحيح. الثاني: أو رجل اشتراها بماله، يعني: رجل غني اشتراها الزكاة من الفقير، فتحل له. واضح: تصدق على مسكين مثلاً، وأهدى له شاة صدقة زكاة، فباع هذه الشاة واشتراها غني، هل تحل له؟ الجواب: نعم تحل لهذا الغني لأنه اشتراها بماله. الثالث: أو غارم. الغارم: يعني صاحب الدين، والغرم على نوعين: غرم يكون لمصلحة الإنسان نفسه، كأن يكون عليه دين فلم يستطع أن يسدده، فيجوز أن يعطى من الزكاة، وهذا طبعاً يكون في حكم الفقراء والمساكين. أو تكون عليه ديون قبل توبته من أشياء محرمة، ثم يتوب وتبقى هذه الديون في ذمته، فيجوز أن يعطى من الزكاة ما يسدد به هذه الديون إعانة له على التوبة. النوع الثاني من الغرم: أن يكون لمصلحة الغير، أن يتدين لمصلحة الغير، كالذي يتحمل حمالة ليصلح بين الطائفتين وقبيلتين، فيتحمل الدية مثلاً، فهذا يجوز له أن يسأل من الزكاة ويعطى من الزكاة ما يسدد به هذه الحمالة، ولو كان غنياً. وعلى هذا يحمل قوله: «أو غارم»، يعني: الذي غرم لمصلحة الغير، فيعطى من الزكاة ولو كان غنياً. الرابع: أو غاز في سبيل الله، أي: مجاهد في سبيل الله، فهذا يعطى من الزكاة ولو كان غنياً، إذا لم يكن له راتب من الدولة، فيجوز أن يعطى من الزكاة ما يستعين به على جهاده، ما يسد حاجة أهله وأولاده ونفقته في سفره، وما يحتاج إليه من سلاح إلى آخر ذلك. الخامس: أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني. نعم، مسكين تصدق عليه بصدقة فأهدى لغني من هذه الصدقة، فيجوز لهذا الغني أن يأكلها، يجوز لهذا الغني أن يأكل من هدية هذا المسكين، فحينئذ تحل للغني. قال: حديث الثامن والسبعين بعد السبعمائة، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب». رواه أبو داود. فقال أحمد: ما أجوده من حديث! الحديث صحيح. جاء رجلان إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، جاء ينظر إليهما، وإذا بهما يعني رجلان قويان، جلدين، يستطيعان العمل والتكسب، فقال - يعني النبي صلى الله عليه وسلم -: فرآهما جلدين، يعني قويين، قال: «إن شئتما أعطيتكما»، لكن نبههما على أمر، وهو قوله: «ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب». أي: لا حظ للزكاة لمن كان غنياً، ولمن كان قوياً مكتسباً. فهذان الصنفان لا تحل لهما الزكاة. الصنف الأول: الغني. من هو الغني؟ قال أهل العلم: الغني من عنده ما يغنيه، من عنده ما يغنيه في المأكل والمشرب والملبس إلى آخر ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه». يعني: الذي عنده غنى يغنيه، هذا ليس المسكين. من هذا ممكن أن يقال: أن الغني الذي عنده الكفاية الكاملة، هذا هو الغني، والذي عنده نصف الكفاية وزيادة لكن ليس عنده الكفاية الكاملة هو المسكين، والذي عنده أقل من نصف الكفاية هو الفقير. فالغني لا تحله الزكاة. الصنف الثاني: ولا لقوي مكتسب. قوي: يعني في بدنه يستطيع أن يعمل، ومكتسب: يعني عنده العمل الذي يكتسب به، عنده العمل الذي يكتسب به. لكن أيضاً يُزاد أمره: أن هذا الذي يكتسبه يكفيه. قد يكون قوياً مكتسباً لكن ما يكتسبه لا يكفيه ولا يسد حاجته، مثلاً، فهذا يستحق من الزكاة. مثل: من كان موظفاً في الدولة ويستلم راتباً ضعيفاً ما يسد حاجته، هذا يعتبر مسكيناً ولو كان عنده راتب. أو قوي مكتسب يعمل لكن هذا العمل وما يجده من أجره لا يسد حاجته، فهذا يستحق من الزكاة كذلك. إذا كان قوياً لكن غير مكتسب، ما وجد عملاً، يقول: يا أيها الناس شغلوني، أنا مستعد أعمل، ما وجد من يشغله، هذا يستحق من الزكاة. فـ «القوي المكتسب» متى يكون غير مستحق للزكاء؟ إذا كان ما يكتسبه يكفيه ويسد حاجته، فهذا لا يعطى من الزكاة. قال: حديث التاسع والسبعين بعد السبعمائة، عن قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش. فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحت». رواه مسلم. في هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، تحمل حمالة يعني: تحمل ديون أو ديات، أصلح بين طائفتين وتحمل ما بينهم من دية حتى يصلح ما بينهما ويحقن الدماء، فله أن يذهب ويسأل من الزكاة حتى يعني يصيب ما تحمله. قال: «فحلت له المسألة حتى يصيبها»، يعني: يصيب هذه الحمالة، «ثم يمسك»، أي: عن المسألة، إذا وجد إذا وجد حاجته مما تحمله يمسك عن المسألة. الثاني: ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش. رياح، عواصف، سيول، فأهلكت ماله، فهذا تحله المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، يعني: ما يقوم به عيشه من مأكل ومشرب وملبس إلى آخره، ثم يمسك. الثالث: رجل أصابته فاقة، يعني: أصابه فقر، وكان قبل ذلك غنياً، ولهذا قال: «حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه»، يعني: من العقلاء، ذوي الحجى أي: ذوي العقول، «لقد أصابت فلاناً فاقة»، يشهدون له بأنه افتقر بعد أن كان غنياً، «فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش»، أي: ما يقوم به عيشه وحياته. هذه الثلاثة، أولا: الثلاثة الذين يحل لهم المسألة. «فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحت». سحت: يعني حرام. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما جسم نبت من سحت فالنار أولى به». طيب، نقف هنا إن شاء الله. إلى هنا. صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.