الدرس في كتاب الزكاة 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الزكاة ركن من أركان الإسلام وواجبة على كل مسلم حر ملك نصابا. من جحد وجوبها فهو كافر، ومن تركها تكاسلا أو بخلا فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب.
الزكاة واجبة على كل مسلم حر يملك نصابا من المال، ويشترط في وجوبها مرور الحول على المال إلا الخارج من الأرض. جمهور أهل العلم يوجبون الزكاة في مال الصبي والمجنون.
يشترط حولان الحول لوجوب الزكاة في الأموال إلا في الخارج من الأرض. نماء النصاب وربح التجارة يتبعان الأصل في حولان الحول.
المقطع يشير إلى أن الأصناف التي تجب فيها الزكاة سيتم تناولها في الدرس القادم. الدرس ينتهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "منج السالكين"، كتاب الزكاة: قال: وهي واجبة على كل مسلم حر ملك نصابا. ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، إلا الخارج من الأرض، وما كان تابعا للأصل كنماء النصاب وربح التجارة، فإن حولهما حول أصلهما. ولا تجب الزكاة إلا في أربعة أنواع: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة، إلى آخر ما ذكر في هذا الكتاب. الزكاة في اللغة: النماء والطهارة، يقال: زكا الزرع إذا نمى، ويقال: زكاة النفس إذا طهرت. وفي الشرع: هو إخراج مال مقصوص في زمن مقصوص، بشرائط مقصوصة. والزكاة واجبة، كما قال رحمه الله: وهي واجبة، بل هي ركن من أركان الإسلام ومبانيه العظام. قال الله جل وعلا: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾. وفي حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: "بني الإسلام على خمس"، وذكر منها: "وإيتاء الزكاة". ومن جحد وجوبها فهو كافر، من جحد وجوب الزكاة فهو كافر، إلا يكون حديث عهد بإسلام، أو ممن يعيش في بادية بعيدة عن المسلمين، فهذا يعذر ويبين له، فإن أصر على جحدها بعد ذلك حكم عليه بالكفر. وأما من تركها تكاسلا، مع اعتقاد وجوبها، تركها بخلا، ما اعتقاد أنها واجبة، فهذا مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ولا يكفر بذلك. ويدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح، حين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بعذاب مانع الزكاة، قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاة، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". فدل هذا على أنه لا يكفر بالبخل بإخراجها. ومن امتنع من أداء الزكاة وله شوكة ومنعة وقوة، فإنه يقاتل على منعها، إنهم يقاتلون على منعها، لحديث ابن عمر، بقوله عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام". ولأن أبا بكر رضي الله عنه قاتل مانع الزكاة حين امتنعوا من أدائها. ومن منع الزكاة وقبض عليه، هل يؤخذ شطر ماله؟ هل يؤخذ شطر ماله من باب العقوبة والتعزير؟ في هذا قولان لأهل العلم. جمهور أهل العلم على أنه لا يؤخذ شطر ماله، فمنهم من ضعف الحديث الوارد في ذلك، ومنهم من صححه، لكن قال: بأنه منسوخ. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الحاكم، ولي الأمر، إن رأى المصلحة في ذلك من باب التعزير، أن يأخذ شطر ماله، فله ذلك. وهو ترجيح الإمام ابن القيم رحمه الله. لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: "من منعها، فإن آخذوها وشطر ماله، عزمه من عزمات ربنا، لا تحل لمحمد ولا لآل محمد منها شيء". والحديث الصحيح أنه صحيح. ويرجع ذلك، كما سمعنا، إلى اجتهاد الحاكم، من رأى المصلحة بالتعزير بذلك، فهو يعتبر من التعزير بالمال. والله تعالى أعلم. قال: وهي واجبة على كل مسلم، الزكاة فرضت في مكة، وتفاصيلها في المدينة. هي واجبة على كل مسلم، سواء كان ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، لأن الأدلة التي فيها الأمر بالزكاة، خوطب بها أهل الإسلام. فكل من كان عنده مال توفرت فيه شروط الزكاة، وجب عليه أن يزكيه، ولو كان صبيا. ولو كان من عنده المال صبيا، أو كان مجنونا غير عاقل، فإنه يجب الزكاة في ماله، هذا قول جمهور أهل العلم، لأن الزكاة متعلقة بالمال. وفرق بين الصلاة وبين الزكاة، الصلاة حق لله، فلهذا لم تجب إلا على من كان بالغا عاقلا. وأما الزكاة، ففيها حق لله، وحق للمساكين، فلذلك وجبت في مال الصبي والمجنون. ولأن كذلك الصبي والمجنون، تؤخذ منهم أروش الجنايات وقيم المتلفات، مع عدم تكليفهم، فكذلك أيضا تؤخذ منهم الزكاة. قال: حر، على كل مسلم حر، أن يكون هذا المسلم حرا، ليس عبدا مملوكا. وهذا قول جمهور أهل العلم، لماذا؟ لأن العبد المملوك لا يملك شيئا، ما معه من مال فهو لسيده. قال: ملك نصابا، لا بد في هذا المال الذي عند المسلم الحر، أن يكون قد بلغ النصاب، الذي حدده الشرع لوجوب الزكاة فيه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة". والحديث في الصحيح، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. فدل هذا الحديث على وجوب النصاب، أو اشتراط بلوغ المال النصاب، حتى تجب فيه الزكاة. وسأتي ذكر تفاصيل الأموال التي تجب فيها الزكاة، لكن هنا نعلم أن الزكاة لا تجب في المال إلا إذا بلغ نصابا. أما إذا كان دون النصاب، فليس فيه زكاة. فمثلا نصاب الإبل في وجوب الزكاة فيها خمس، فإذا كانت أقل من خمس، فليس فيها زكاة. قال: ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، إلا الخارج من الأرض، يشترط في وجوب الزكاة في المال أن يحول عليه الحول، معنى يحول عليه الحول: تدور عليه السنة كاملة، منذ أن بلغ المال النصاب، فلابد من مرور سنة كاملة، سنة قمرية. إذا مرت سنة كاملة، حينئذ وجبت الزكاة في هذا المال. وردت أحاديث في اشتراط الحول في زكاة المال، جاءت من حديث عائشة، وحديث عمر، وحديث علي، عند أهل السنن، وفيها شيء من الضعف. بعض أهل العلم حسنها بمجموع طرقها، كشيخ الألباني رحمه الله. ونقل الإجماع على اشتراط حولان الحول لوجوب الزكاة. قال: إلا الخارج من الأرض، الخارج من الأرض لا يجب فيه حولان الحول، لا يشترط فيه حولان الحول، بل متى ما حصد وجب فيه الزكاة. إنسان عنده مزرعة بر، إذا حصد البر وبلغ هذا البر النصاب، فحينئذ يجب عليه أن يزكيه. فالخارج من الأرض لا يشترط فيه حولان الحول، لقول الله جل وعلا: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. قال: وما كان تابعا للأصل كنماء النصاب وربح التجارة، فإن حولهما حول أصلهما. ما كان تابعا للأصل كنماء النصاب، إنسان عنده مئة من الغنم، فيها شاة، من أربعين إلى مائة وعشرين، ففيها شاة. في أثناء الحول تكاثرت هذه الغنم، فلما تم الحول صار عددها مئة وثمانين مثلا، هي كانت مئة في أول الحول، وتكاثرت حتى صارت في آخر الحول أكثر من مئة وعشرين، مثلاً صارت مئة وثلاثين، فهل يخرج شاة واحدة أو يخرج شاتين؟ الجواب يخرج شاتين، لأن نماء النصاب ونتاج هذه الأغنام التي نتجت في أثناء الحول، حولها هو تبع لأصلها، تبع لأمهاتها. فما دام أن الأم، أمهات هذه الأغنام، قد بلغت النصاب وحال عليها الحول، فهي تبع لها. واضح، فإذا تم الحول فيزكي، يحسب الجميع، يحسب الكبار والصغار، التي تم عليها الحول وهي الأصل، وما لم يتم عليها الحول وهي الفرع، فالجميع يحسبها ثم يزكي عنها جميعا. هذا معنى قوله: كنماء النصاب. وهذا القول قول جمهور أهل العلم. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث السعاة الذين يجمعون الزكاة، ولا يأمرهم عليه الصلاة والسلام بالتفريق بين الكبار وبين الصغار، وبين ما تم حولها من الأصل وما لم يتم حولها من الفرع. ولو كان هذه النتاج لا تجب فيها الزكاة، لبين ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وكذلك أيضا نستدل به بعض الآثار عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يقول لسعاته حين يبعثهم إلى أخذ الزكاة: "احسبوا الصغار مع أصولها، ولا تأخذوها منهم". قال: وربح التجارة كذلك، ربح التجارة المال الذي أعده الإنسان للتجارة، سواء عروض التجارة أو الأموال التي تاجر فيها، فإنها كذلك يزكي الجميع عند حولان الحول. مثلاً الإنسان عنده مليون من المال، وهو يتاجر في هذا المال، المال يدخل ويخرج، يأخذ منه ويدخل مالا آخر في أثناء الحول، يزيد المال مما يربحه، فإذا تم الحول ووجد أن المال قد بلغ مليونين مثلا، فهل يزكي المليون فقط أو يزكي المليونين؟ الجواب يزكي المليونين، يزكي المال كله، لأن ربح التجارة هو تبع لأصله، ما دام أن أصل المال قد بلغ النصاب وتم حوله، فهذا المال الذي ربحه هو تبع لأصله، فيزكي الجميع. ثم ذكر الأصناف التي تجب فيها الزكاة، نترك ذلك إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.