الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 27، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبيّن المقطع أن أهل السنة يتعصبون للنبي صلى الله عليه وسلم وينتمون إليه لكونه معصوماً مبلغاً عن الله، ويغارون على أصحابه وأهل العلم المتمسكين بالكتاب والسنة. ويستدل بآية المحبة وحديث محبة النبي لتقديم طاعته على الهوى والنفس، لأن الفلاح والنجاة مربوطان باتباعه.
يؤكد المقطع أن الإيمان الحق يتجلى في تقديم محبة الله ورسوله على محبة النفس والأهل والمال، مستشهداً بهجرة الصحابة. ويسرد واقعة رجوع ابن عباس عن فتواه عند سماع الحديث النبوي، مما يعكس حرص الصحابة على اتباع السنة.
يذكر المقطع رجوع ابن عباس عن رأيه امتثالاً لنهي النبي، مبيناً أن الصحابة كانوا يتراجعون عن فتواهم عند ورود النص النبوي. وينتقد التعصب الحزبي الحديث الذي يقدم ولاء القادة على اتباع السنة، داعياً إلى التعصب للنبي وحده.
يشير المقطع إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تأسست على بنود حزبية تجعل أتباعها يتعصبون لقياداتهم أكثر من تمسكهم بحديث النبي. ويؤكد أن الانتماء والتعصب يجب أن يكون للنبي الكريم وحده.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف حفظه الله في الباب السادس عشر من لمعة الدراري من القول المأثور: "التعصب والانتماء للنبي صلى الله عليه وسلم، والغيرة لأصحابه وأصحاب الحديث". وهذا باب عظيم يبين المؤلف حفظه الله تعالى أن أهل السنة والجماعة يتعصبون وينتمون للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد عصمه الله، فهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. كما أنهم يغارون على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل العلم المتمسكين بالكتاب والسنة. ففيه الاتباع لرسول الله عليه الصلاة والسلام ومحبته، ويتعصبون لذلك أشد التعصب، وينتمون لذلك أشد الانتماء. قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. هذه الآية كما جاء عن العلماء أنها آية الامتحان والاختبار، ممن زعم محبة الله جل وعلا، وزعم كذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ابتلاهم الله عز وجل بهذه الآية: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾، أي اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام مبلغ عن ربه، ويعلم ما يحبه الله سبحانه وتعالى، وما يكرهه الله جل وعلا ويبغضه. فلهذا ينبغي على كل مسلم زعم أنه يحب الله والدار الآخرة، فإنه عليه اتباع النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وهذه أيضًا اختبار منه عليه الصلاة والسلام لإيمان المؤمنين. فالذي يزعم أنه مؤمن بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فينبغي عليه أن يحبه، وينبغي كذلك عليه أن يقدم قوله على هواه؛ لأن النفس هذه تختلجها الأهواء، تختلجها وتتداخل معها الأهواء، فقد يتعارض معك ما تحبه نفسك مع قول رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن تقدم؟ فلا شك المؤمن الحق يقدم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالًا لأمر الله عز وجل في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾، لا تقدموا قولًا على قوله كائنًا من كان. وكذلك أنت تحب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لما جاء عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى من نفسك يا عمر». تحب النبي عليه الصلاة والسلام أكثر مما تحب نفسك، وتحب والدك والديك، وتحب كذلك أبناءك. فالنبي عليه الصلاة والسلام محبته فوق محبة هؤلاء، تفديه بنفسك ومالك وكل ما لديك، تفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفدونه، فيقولون: في ذاك أبي وأمي يا رسول الله. لأن سعادة المسلم والمؤمن، سعادته وفلاحه ونجاته ونجاحه كلها مرتبطة بالنبي عليه الصلاة والسلام. فمن قدم محبته على محبة نفسه وأهله وماله، فذاك المؤمن الحق، فذاك المؤمن الحق. وهكذا من قدم اتباعه وقوله على هواه، فذاك المؤمن الحق. لهذا عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يؤمن أحدكم أبدًا، لا يؤمن حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»، والناس أجمعين. فقد كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يحبونه عليه الصلاة والسلام على آبائهم وأمهاتهم. فكم فارقوا الأوطان، وكم تركوا الأهل والعشيرة، تركوا الأبناء، تركوا الزوجات، تركوا الوالدين حال كفرهم، حال كفرهم تركوهم، وأهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تركوا الدنيا بأسرها محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. لما أمرهم بالهجرة، فقد كان لهم أهل وعشيرة: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ ﴾، أولئك هم المؤمنون حقًا، يقدمون محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كل ما سواهما من الوالدين، وكذلك الأبناء والأهل والإخوان والعشيرة. قال سليمان بن يسار رحمه الله: بينما أنا عند ابن عباس، دخل علينا أبو سعيد الخدري وسعد بن مالك بن سنان الأنصاري رضي الله عنه. قال: فدخل رجل من الصيارفة، عن الذين يشتغلون بالصرف، فقال: يا أبا عباس، يا أبا عباس - وهو عبد الله بن عباس، كنيته أبو العباس - ما ترى صرف الذهب وزنًا بوزن، والورق بالورق زيادة؟ فقال ابن عباس: ليس بذلك بأس إذا كان يدًا بيد. قد كان ابن عباس يخطئ أن الفضل في أن الربا في النسيئة. فقال أبو سعيد: ليس كذلك، أي قد يكون كذلك الربا في الزيادة؛ لأن الربا ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل وربا النسيئة. فقال أبو سعيد الخدري: ليس كذلك، نهى عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عباس: نحن أعلم بهذا منك، إنما كان الربا لنا، يعني نحن أهل قريش، يعني القرشيون كان عندهم هذا يبيعون ويتصارفون بهذا، يعني فيهم كان هذا موجود. فقوله: نحن أعلم بذلك منك، أي المهاجرون وأهل قريش. فقال أبو سعيد وهو أنصاري: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن نفسك؟ لا يجمعني وإياك سقف بيت أبدًا. وهذا الحديث أثر صحيح، لكن الصحيح أن ابن عباس تراجع عن الفتوى ورجع لقول أبي سعيد. وهذا يدل على خوفهم ومكانتهم. فابن عباس تراجع عن الفتوى بأنه يجوز في ذلك وهو ربا الفضل إذا كان يدًا بيد. لكن ابن عباس لما نبه إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وزنًا بوزن، ومثلًا بمثل، ويدًا بيد» فإنه يكون حلالًا، أما إذا تفاضل أحدهما فإنه يكون حرامًا لا يجوز، أي في الذهب والفضة، في الذهب والفضة. فتراجع رضي الله عنه. وهذه إحدى الصور من رجوع الصحابة إذا علموا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. لهذا المؤلف هنا في الحاشية ذكر ذلك، فقال: "تنبيه: لقد ثبت رجوع ابن عباس رضي الله عنهما عن هذا القول بعد أن راجعه أبو سعيد الخدري، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي". ذكره الحافظ في الفتح. وهذا هو الصحيح والصواب: أن ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن قوله بذلك امتثالًا لأمر رسول الله، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فهذا فيه التعصب لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، والرجوع إليه. المسلم إذا نبه عن خطأ قد وقع فيه، أو أفتى به عن غير علم أو عن اجتهاد، ثم نبه إليه بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يستغفر الله عز وجل ويتوب إليه، ويتراجع عن ذلك، وبعد ذلك يرجع إلى الحق وإلى الصواب فيفتي به. وكم من صور كثيرة تراجع فيها أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عن فتواهم. فمنهم من يفتي في الفرائض بكذا، ثم لما يؤتى إليه فيقال له: إن النبي عليه الصلاة والسلام قد أفتى بكذا، فيرجع عن هذا القول الذي أفتى به. قد يجتهد هذا العالم، يجتهد الصحابي، وهم أهل للاجتهاد بما سمعوا من حديث النبي عليه الصلاة والسلام وبما بلغهم. ثم بعد ذلك إذا علموا أنهم في فتواهم قد أخطأوا في فتواهم، ونبهوا إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام وسمعوا ذلك، فإنهم يتراجعون. ومسائل التراجع كثيرة، تراجع الصحابة. وإن دل على شيء فإنما يدل على مكانتهم وعلو منزلتهم وعلى قدرهم. هكذا ينبغي أن يكون المؤمن: أنه يتراجع، لا عيب ولا غضاضة. وكما قال أحد السلف: «لأن أكون ذنبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل». يعني يتراجع عن مسألة ويكون تابعًا فيها لغيره، وهذا أفضل من أن يكون رأسًا في باطل ويجادل عن باطل. فينبغي على المسلم أن يكون كذلك. قال المؤلف: الله أكبر، ما هذا التعصب وهذا الاتباع! فيا ليت متعصبي زماننا للرجال اليوم يفقهون هذا. والدعوة موجهة للجميع، وليكن تعصبنا للنبي صلى الله عليه وسلم، وترك ما عليه فرق هذا الزمان، الجماعات، وأن لا نرضى الدنيا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث أصبح التعصب اليوم والولاء لقادتها أكثر منه للسنة وحملتها، فالله المستعان. الآن في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفرق وكثرت فيه الجماعات، ترى الكثير منهم يتعصب لجماعته، ويتعصب كذلك لقائد هذه الجماعة ومؤسس هذه الجماعة. بل قد يقول بعضهم: ما خالف بنود هذه الجماعة وما توافقت وتواطأت عليه نرده. يعني: كم ردوا من آيات، وكم ردوا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بسبب تعصبهم لقائد الحزب، تعصبهم لقائد الحزب. حتى تشتهر عنهم تلك المقولة: «نفذ ثم ناقش»، نفذ أولًا، يعني: نفذ ما يقول لك قائد الحزب، وما تقول له تلك الجماعة في أسسها. وأشدهم في هذا الزمان تعصبًا لقادتهم: الإخوان المسلمون. إخوان المسلمون، هذه الجماعة لهم بنود أسسوا عليها الحزب، أسسه حسن البنا، فكانوا يتعصبون للقادة في أحزاب، في أحزابهم، أشد من تمسكهم وتعصبهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا باب كبير، باب عظيم، وهو باب الانتماء للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتعصب له. فهذا الذي ينبغي. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.