شرح مسائل الجاهلية  88

شرح مسائل الجاهلية 88

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 88، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

اتخاذ آثار الأنبياء مساجد وتحذيرات عمر

يتناول المقطع مسألة اتخاذ آثار الأنبياء والصالحين مساجد ويوضح أنها من خصال أهل الجاهلية، كما ناقش تحذير عمر بن الخطاب من اتباع آثار الأنبياء والصالحين وتحويلها إلى أماكن للعبادة.

حكم زيارة الأماكن المرتبطة بتاريخ الأنبياء

المقطع يشرح أن زيارة الأماكن التي كان يتعبد فيها النبي قبل البعثة ليست مشروعة، كما فرق العلماء بين الأماكن التي قصدها النبي عمدًا والتي نزلها اتفاقًا أو لحاجة.

ختام الدرس والدعاء

المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثانية والثمانون في اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد، كما ذكر عن عمر رضي الله تعالى عنه. مواصل إخواني في الله مع هذه الرسالة مسائل الجاهلية، ونحن في هذه الفقرة وهي الثانية والثمانين، ويقول رحمه الله تعالى: اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد، قد يقول قائل: وهل هناك فرق بين هذه الفقرة وبين التي تلت وسبقت وخلت؟ نعم، هناك فرق، فقد فرق العلماء بين هذه الفقرة وبين ما مضى. أن الفقرة الأولى كانت عبارة عن الغلو والتعلق بالأشخاص، أي التعلق بالذوات، فالفقرة السابقة: اتخاذ قبور أنبيائهم وصالِحِيهم مساجد، فالفقرة الماضية كانت متعلقة بذات النبي وبذات الصالح أن يتخذ عليه مسجدًا، وأما الثاني، قال رحمه الله تعالى: اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد، فهنا اتخاذ الآثار، فهناك الذوات، أما الثاني فهي آثار الذوات، آثار الذوات تتخذ مسجدًا. وقال علماء: أن آثار الأنبياء هنا هي الآثار، جمع أثر، وهو المكان والمنزل الذي صلى فيه نبي أو رجل صالح، صلى فيه، جلس فيه، مكث فيه، هذا يسمى أثره، فكان من خصال أهل الجاهلية، وخاصة من أهل الكتابين اليهود والنصارى، أنهم يتتبعون الآثار، فيتخذونها مساجد، فيأتون إلى بقعة معينة يقال: في هذه البقعة مكث فيها فلان بن فلان، إما نبي وإما رجل صالح، فماذا يفعل عند هذا المحل؟ يبنى عليه قبة، يبنى عليه مزار، يبنى عليه مسجد. وأكثر من يفعل هذا الذي لم يستطع أن يصل إلى ذات نبي أو إلى ذات ولي أو رجل صالح، فإنه يستعوض عن الذات بالآثار، الناس إخواني في الله في باب التعبد وفي باب التبرك يحتاجون إلى أمر ملموس، فإذا كانت الذات موجودة فهي غنية، فعليها يعكفون وعليها يلتمسون وبها يتبركون، لكن إن لم يكن له ذات، فماذا يفعل؟ تخيل رجل على هذا المنهج المنحرف يريد أن يتبرك بذات الأنبياء بذوات الأنبياء والأولياء، وهو في المشرق وهم في المغرب، فأن يصل إليهم لا يمكنه، فماذا يفعل؟ فيستعوض بهذه الذات أن يبحث عن أثر، يبحث عن أثر ملموس به يظهر تبركه بهذه الذات عن طريق هذه الآثار. وهذا كله من الابتداع في دين الله جل وعلا، وقد جاءت النقولات عن علمائنا بالمنع من هذا الفعل، وأنه لا يجوز تتبع الآثار بقصد التبرك، وذلك إخواني في الله حماية لحيمة التوحيد، ويكون يظهر كذلك فيما وقع في هذه الأمة من ذهب إلى أرض الحرمين، ولإيجاد بعض الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كغار ثور وغار حراء، فهي من الأماكن التي نزلها نبينا صلى الله عليه وسلم. فغار حراء كان يتعبد فيه النبي صلوات ربي وسلامه عليه، فبعض الناس يذهب إلى مناسك الحج والعمرة، فزار المدينة، فإنه يتجشم العناء بالذهاب إلى سفح الجبل لكي يدخل إلى فم الغار، وهناك يحاول أنه يتلمس وأنه يتبرك وأنه يدعو وأنه يفعل أي شيء، وهكذا منهم من لم يستطع إلى غار حراء لصعوده ولصعوبة العروج عليه، يذهب بعضهم إلى غار ثور الذي سار عليه نبينا وبات فيه في أيام هجرته عليه الصلاة والسلام، فيذهب إلى هنالك ويجلس فيه ويمكث فيه ويتلمس ويلتمس ويتبرك بجدرانه، ومنهم من يتصور ويأتي بعدة صور في تلك الأماكن، ومنهم من يطيبها ومنهم من يضع أموالًا في هذا المحل. هذا كله لا يجوز، هذا كله من تتبع آثار الأنبياء، وهذا قد جاءت النقولات كما ذكرنا عن سلفنا الصالح بالمنع من ذلك. وهنا إخواني في الله الدليل على أن هذه الأشياء غير مشروعة ولا تجوز شرعًا، أن نبينا عليه الصلاة والسلام وهو الذي قد زار هذه المحلات لم يرجع إليها، فغار حراء الذي كان يتعبد الله فيه عليه الصلاة والسلام بعدما جاءت البعثة نزل عليه الوحي، ما ذهب إلى غار حراء، إذن انتهى أمره، فكيف بعد ذلك يفتح المجال لمن بعده عليه الصلاة والسلام بالذهاب والإياب وأن يتجشم العناء لكي يصعد ويتبرك في ذاك المكان؟ هذا ليس من دين النبي عليه الصلاة والسلام وليس من طريقته وليس من هديه. وهكذا قل في غار ثور، عندما فتحت المدينة وأصبحت مكة كذلك دار إسلام، لم يذهب نبينا عليه الصلاة والسلام ثانية إلى غار ثور فيلتمس به البركة أو حث الناس عليه، بل كان سلفنا صالح لم يبالوا بمثل هذه الأماكن لأنها لم يشرع زيارتها ولا القصد إليها. ومن هنا فرق العلماء في الأماكن التي قصدها ونزلها نبينا صلى الله عليه وسلم، فالأماكن التي نزلها نبينا تنقسم إلى قسمين: أماكن ذهب إليها نبينا وقصدها عمدًا، فهنا يشرع زيارتها، وأماكن نزل فيها نبينا وما نزلها إلا لحاجة أو اتفاقًا ووفاقًا، فهذه لا يشرع زيارتها. فمثل الأماكن التي ذهب إليها نبينا وقصد الذهاب إليها مثل قباء، مسجد قباء كان يذهب له نبينا في كل سبت، يخرج من المدينة ويذهب إلى قباء ماشيًا وراكبًا يصلي ويرجع في كل سبت، يذهب ويرجع، إذن ذهاب إلى قباء تشريع، لهذا من ذهب إلى المدينة يشرع له أن يذهب إلى قباء اقتداءً بنبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا أنك تصلي خلف المقام بعد الطواف، تذهب خلف المقام، لماذا؟ لأن نبينا كان إذا طاف عليه الصلاة والمطاف ذهب إلى مقام إبراهيم خلف المقام وصل فيه، وكان يتلو قول ربنا جل وعلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، إذن هذا قصد قصد من نبينا إلى نزول في هذه الأماكن التي نزلها، فهذه تشريع. أما النزول في الأماكن التي جاءته إنما وفاقًا واتفاقًا أو لحاجة كاستراحة، فهذا لا يشرع لأحد أن يزورها أو أن يقصدها، فلا يجوز هذا، وبهذا إخواني في الله نفرق بين هذا وبين ذاك. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد كما ذكر عن عمر، أي أن عمر رضي الله تعالى عنه يذكر عنه أن من خصال أهل الجاهلية أنهم كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم. بقي مسألة: ما هو المقصود بالمأثور عن عمر رضي الله تعالى عنه؟ لأنه قد جاء عن عمر عدة آثار، وفيها هذه المقالة، فنذكر إخواني في الله المقالات التي نقلت عن عمر في هذا الصدد، لأن منها الضعيف ومنها الثابت الصحيح. فمما أثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى الناس يذهبون ويتتبعون شجرة البيعة، إلى شجرة البيعة أي بيعة الرضوان الذي بايع رسول الله تحت الشجرة، فبعض الناس علموا بهذه الشجرة فكان يتعمد ويذهب إليها، مع أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما عقد البيعة تحت الشجرة لم يكن يقصد هذه الشجرة بذاتها، لكن تم ذلك وفاقًا، بدلال أن نبينا بعد ذلك ما زارها وما قصدها وما حث عليها. لكن يوجد من بعض الناس في عهد عمر من كان يتتبع هذه الشجرة، فيمكث فيها وذاك يصلي فيها إلى آخره، فلما سأل عمر عن ذلك نهاهم، فكان من قوله رضي الله تعالى عنه قال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم»، فهذه مقالة عن عمر، أثبت فيها أن هلاك من كان قبلنا كان من هذا الصنيع بتتبع آثار من مضى، ثم أمر عمر رضي الله تعالى عنه بقطع الشجرة، أمر بقطع الشجرة. هذا الأثر حكم إخواني في الله ينبغي أن نعلم أنه جاء من عدة طرق، فقد رواه ابن وضاح رحمه الله تعالى في كتابه البدع والنهي عنها، رواه من طريق عيسى بن يونس، وجاء كذلك في مصنف ابن أبي شيبة من طريق معاذ بن معاذ، وكلاهما رواه من طريق عون بن عبد الله بن عون عن نافع عن عمر، أن عمر بلغه القصة أن الناس كانوا يبتدرون إلى شجرة الرضوان فقطعها. هذا الحديث إخواني بهذا السياق ضعيف، لماذا؟ لأن نافعًا لم يدرك، لم يسمع من عمر، نافع لم يسمع من عمر، فهذا الأثر فيه انقطاع. بقي عندي أثر آخر كذلك جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه، وهو ما نقل أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان في بعض أسفاره، يرى أن الناس يذهبون إلى محل، فسأل عن هذا وما عليه الناس من ذهاب إلى ذاك المحل، فقيل له: أنه مكان قد صلى فيه رسول الله، أي أن رسول الله كان في سفره فنزل، فصلى في أحد أسفاره نزل في محل فصلى فيه ثم مضى. فبلغ بعض الناس أن نبينا كان يصلي في هذا المحل، فكان عمر في أحد الأسفار الناس ينسلون من بين يديه ثم يذهبون إلى ذاك المكان فيصلون فيه، فلما سأل عمر عن هذا الصنيع الذي كان منهم فأخبروه بهذا الخبر، فقال عمر حينها: «من عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض»، أي ما في داعي للتعمد هذا المكان، أنت فيه سفر، فإن حانت وقت الصلاة في أي محل فصلي ثم تمضي، أما أنك تريد أن تجعل سفرك يوافق ذاك المحل حتى تصلي فيه عمدًا وقصدًا فلا. ثم قال: «فإنما أهلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس»، إنما أهلك من كان قبلكم من أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس، هذا إذن المقالة الثانية وفيها كذلك من عمر أن هلاك من كان مضى أنهم كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم. وهذا الأثر رواه سعيد بن منصور رحمه الله تعالى في سننه، وهكذا ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في مصنفه من طريق الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر، ثم ذكر القصة أنه كان يرى الناس يفتديرون إلى ذاك المكان، ثم قال: «من عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض»، الحديث أو الأثر المنقول عن عمر. وهذا الأثر وهذه القصة بهذا السياق رجاله ثقات، وقد صححه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وقوى في مجموع الفتاوى، وهكذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قوى هذا الإسناد في الفتح، وهكذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في تحذير الساجد. إذن قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في هذه الرسالة: اتخاذ آثار أنبياء مساجد كما ذكر عن عمر، يحمل هذا المأثور الأثر الثاني لأنه سليم وليس عليه غمز ولا مطعن ولا قدح في إسناده، ففيه كذلك بيان أن عمر أخبر أن هلاك من مضى كان بتتبع آثار ماذا؟ صالحيهم وأنبيائهم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.