الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 81، ألقاها
يناقش تفسير آية الأعراف وتحريم التسمية بأسماء تعبد لغير الله، ويوضح أن التسمية بغير أسماء الله أو تعبيد الأسماء لغير الله يعتبر من الشرك. يستدل على ذلك بأقوال العلماء وتفسيراتهم للآية.
يناقش شرح معنى الشرك في العبادة مستندًا إلى تفسير ابن القيم وابن كثير، ويوضح أن الشرك المذكور في الآية يعود إلى ذرية آدم. يستشهد بأساليب القرآن في الانتقال من العين إلى الجنس.
يناقش مفهوم العبودية في الإسلام ويقسمها إلى عبودية عامة وخاصة، ويُفصل في تحريم التسمية بأسماء تعبد لغير الله مثل عبد المطلب. يُوضح أن هذا التحريم يشمل جميع الأسماء التي تعبد لغير الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن محمد بن عبد الوهاب، عليه رحمة الله، في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قال قوله -أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى- في كتابه «التوحيد»: قال قوله، باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال رحمه الله: باب قول الله تعالى، أي أنه بوَّب لهذا الباب في كتاب التوحيد بهذه الآية، والمقصود من هذا الباب بيانه: أن تعبيد الأسماء لغير الله جل وعلا، أن هذا من الشرك الأصغر الذي ينافي كمال التوحيد، هذا إذا كان مجرد تسمية، إذا كان مجرد تسمية لم يكن المقصود التعبيد والتأليه. أما إن كان المقصود من ذلك التسمية أو التعبيد لغير الله جل وعلا، بالتسمية مع تعمد وقصد التعبيد لغير الله جل وعلا، أي بأن ولده عبد لفلان، للولي الفلاني أو لسيد الفلاني أو ما شابه ذلك، فإن هذا من قبيل الشرك الأكبر، والعياذ بالله، كما كان عليه المشركون الأول، فكانوا يتسمون بأسماء آلهتهم: عبد مناة، عبد العزة، وما شابه ذلك، على سبيل التعبيد، على سبيل التعبيد لغير الله جل وعلا. فإذا سمي أو عبد الإسم لغير الله جل وعلا، وإنما كان ذلك على سبيل التسمية دون النظر إلى المعنى، فإن هذا من الشرك المنافي لكمال التوحيد، وإن كان المقصد من ذلك التعبيد لغير الله جل وعلا، فإن هذا من قبيل الشرك الأكبر. وهذا الأول: وهي التسمية بغير أسماء الله جل وعلا، أو لغير أسماء التعبيد في التسمية لغير أسماء الله جل وعلا، موجود إلى زمننا هذا، فكم نسمع ونقرأ من سمي بعبد الرسول أو بعبد النبي أو ما شابه ذلك، وهذه الأسماء من الأسماء التي يجب تغييرها، لأنها تسمية محرمة، تسمية محرمة منافية لكمال التوحيد. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، في معنى هذه الآية: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمورة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث، فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره». وذكر الشيخ الشارح رحمه الله تعالى لهذا الحديث، مفسرًا به هذه الآية: أن الذين جعل له شركاء فيما آتاهما هما آدم وحواء، وهذا القول هو أحد التفاسير لهذه الآية، أي أن الله جل وعلا أنزل هذه الآية في آدم وحواء، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. واستدل من استدل لهذا القول أو على هذا القول: بأن المقصود بهذه الآية أو بهذه الآيات المذكورة آدم وحواء، بهذا الحديث، وما جاء عن جماعة من المفسرين تفسير الآية بهذا المعنى، وأن ذلك الأمر وقع من آدم وحواء. وهذا القول كما سمعتم: أحد الأقوال في المسألة، وهو قول ضعيف، لأمور: أولها أن هذا الحديث لا يثبت، لأنه من رواية عمر بن إبراهيم عن قتادة، وروايته عن قتادة ضعيفة، بل له مناكير في رواية عن قتادة، وهذا منها، كما صرح بذلك الحافظ ابن عدي رحمه الله تعالى في كتابه «الكامل»، حيث ذكر هذا الحديث من جملة مناكير عمر بن إبراهيم. وأما الآثار المذكورة عن بعض السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله، فكثير منها لا يثبت، كثير منها لا يثبت، عن ابن عباس لم يثبت، وجاء عن غيره كذلك، بأساني لم تثبت، وما ثبت منها، فإنه يدور على أحد أمرين أو أحد احتمالين: أولها أن يكون ذلك القول متلقى من أهل الكتاب، كما نص على ذلك بعض أهل العلم، منهم الحافظ ابن كثير رحمه الله. والأمر الثاني أو الاحتمال الثاني: أن يكون تفسيرًا من التفاسير، أخطأ فيه ذلك المفسر في تفسيره لهذه الآية، يدل على أنه خطأ، أمور منها: أولًا أن آدم عليه السلام نبي من أنبياء الله جل وعلا، معصوم من الوقوع في الكبائر، وهل أكبر من الوقوع في الشرك الأصغر؟ الشرك الأصغر كما مر معنا مرارًا: أنه كبير من الكبائر، بل نص غير واحد من العلماء رحمهم الله تعالى: بأنه أكبر من الكبائر، وإن كان دون الشرك الأكبر. فمن المحال غاية المحال: أن يكون وقع ذلك من آدم عليه السلام، هذا على الفرض بأن المراد بالشرك هاهنا التسمية، كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى، لا شرك الطاعة، وإن كان ظاهر الآية في قول الله جل وعلا في آخر الآية: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، المراد به الشرك على إطلاقه، إذ أن الشرك إذا أطلق في كتاب الله جل وعلا: إنما هو من قبيل الشرك الأكبر. لكن على الفرض أن المراد بالشرك هاهنا الشرك الأصغر، فهذا محال من أن يقع من آدم عليه السلام، لأنه نبي معصوم، ومن باب أولى أن يقع منه الشرك الأكبر. ومن هاهنا نعلم خطأ من قال: إن إنكار من أنكر أن آدم عليه السلام وقع منه ذلك، ماذا يقول في خطيئة آدم الأولى؟ فالجواب أن يقال: بأن آدم وقع من الخطيئة الأولى، وبعد تلك الخطيئة التي وقعت منه، تاب الله جل وعلا عليه واجتباه، تاب الله جل وعلا عليه واجتباه، وبعد التوبة والإجتباء، أي الإصطفاء والاختيار، فإنه معصوم من ذلك. لذا قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «روضة المحبين»: قال بعد أن ذكر الآية: «فالنفس الواحدة -أي في قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ إلى آخر الآيات- قال: فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، قال: واللذان جعل له شركاء فيما آتاهما، المشركون من أولادهما». وهذا التفسير الثاني لهذه الآية: أن المراد بهما الذرية ممن وقع منهم الشرك، وليس المراد آدم وحواء، ينبغي التنبه لهذا الأمر، فالصحيح هو ما سمعتموه: من أن قول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، المقصود من ذلك الذرية ممن وقع منهم الشرك، لا أن آدم عليه السلام وقع منه الشرك. ولا يقول قائل: فما نقول في أول السورة أو في أول الآية في قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتِئْنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فالجواب: كما أجاب بذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أن هذا أسلوب من أساليب القرآن، أن هذا أسلوب من أساليب القرآن، وهو أسلوب عربي، وهو الانتقال من العين إلى الجنس، الانتقال من العين إلى الجنس. كان الكلام في البداية على من؟ على العين، على آدم، على عين آدم وحواء: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، آدم خلقه الله جل وعلا، وخلق حواء من آدم، قال: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ إلى آخر الآيات، هذا في حق ماذا؟ في حق الذرية، كما في قول الله جل وعلا في الآية الأخرى، كما نبه على ذلك العلامة أيضًا ابن القيم رحمه الله تعالى، حيث ذكر: أن من أقسام القرآن في كتاب «التبيان»: أن يستطرد من الشخص إلى النوع، أي من العين إلى النوع، من الشخص إلى النوع. قال: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾، الأول: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، عيد إلى من؟ إلى آدم عليه السلام، ثم في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾، انتقال إلى ماذا؟ إلى الجنس، فجنس بني آدم خلق من ماذا؟ من نطفة، بخلاف آدم عليه السلام الأب، فإنه خلق من ماذا؟ من طين. إذن: انتقال من الشخص إلى النوع، وكذلك القول في هذه الآية: انتقال من الشخص، أي من آدم وحواء في أول الآية، إلى النوع الذين هم الذرية في الآيات الأخيرة. قال رحمه الله تعالى: وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، وابن وكيع هاهنا هو سفيان، وابن وكيع فيه ضعف، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمر، عن الحسن، قال: «جعل له شركاء فيما آتهما، كان هذا في بعض الملل، ولم يكن بآدم». وهذا التفسير هو أصح التفاسير: أن ذلك كان ممن من الذرية ممن وقع منهم الشرك، ولم يكن من آدم، وهذا التفسير أو هذه الطريق، وإن كان فيها ضعف، إلا أن لهذا الأثر عن الحسن البصري رضي الله عنه ورحمه الله: أساني كثيرة صحيحة بهذا المعنى، وهو أن المراد: بأن الشرك وقع من الذرية ممن وقع منهم الشرك، لا أن آدم عليه السلام وقع منه الشرك. وهذا أحسن التفاسير وأولاها، كما قال ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وغير واحد من العلماء. قال رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس، قال: «كانت حواء لا تلد لآدم عليه السلام أولادًا، فأتاه إبليس، وآدم، فقال: أما إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش، فولدت رجلا فسمياه عبد الحارث، ففيه أنزلت: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية». وهذا التفسير من ابن عباس رضي الله عنهما: لا يصح، إسناده ضعيف، فيه علل ثلاث: العلة الأولى: أنه من رواية محمد بن حميد الرازي، وهو قد اتهم بالكذب، الثانية: أن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس وقد عنعن، العلة الثالثة: أنه من رواية داود بن الحصين، عن عكرمة، وروايته عن عكرمة مضطربة منكرة. فهذه علل ثلاث لهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما، فهو أثر لا يصح عن ابن عباس. قال قوله: قال ابن حزم، هو عالم الأندلس، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، صاحب التصانيف، توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة، وهو عالم مشهور. قال قوله: «اتفق على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاش عبد المطلب»، أي أنه مستثنى من ذلك. قال حكى رحمه الله: أي حكى ابن حزم رحمه الله: اتفاق العلماء على تحريم كل ما عبد لغير الله، لأنه شرك في الربوبية والإلهية، لأن الخلق كلهم ملك لله وعبيد له، ملك لله خلق لله وعبيد له، أي أنهم يجب أن يكونوا عبيدًا لله جل وعلا، يعبدون الله جل وعلا وحده لا شريك له، استعبدهم بعبادته وحده وتوحيده في ربوبيته وإلهيته. فمنهم من عبد الله وحده في ربوبيته وإلهيته، ومنهم من أشرك به في إلهيته، وأقر له بربوبيته وأسماء وصفاته، قالوا: «أحكام القدرية جارية عليهم ولا بد»، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. ومعنى هذا: أن قوله «أحكام القدرية جارية عليهم ولا بد»، أي أنهم عبيد لله جل وعلا، العبادة أو العبودية العامة التي هي عبودية القهر والملك والسلطان، كما في الآية المذكورة: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. لقد أحصاهم وعدهم عدًا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا. قال رحمه الله: قال: «فهذه العبودية العامة، وأما العبودية الخاصة فإنها تختص بأهل الإخلاص والطاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ونحوها». إذن: العبودية عبودية عامة شاملة لجميع الخلق، فالكل عبيدون لله جل وعلا، عبودية القهر والخلق والملك، إلى غير ذلك من معاني الربوبية، فالكل عبيد لله جل وعلا بهذا المعنى. وأما العبودية الخاصة: وهي التي أمرهم الله جل وعلا بها، وأنزل بها الكتب، وأرسل بها الرسل، في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وفي قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. فهذه العبودية: العبودية الخاصة التي لا تكون إلا لله جل وعلا، ولا يجوز صرفها لغير الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى قوله: «حاش عبد المطلب»، هذا استثناء من العموم، قال: لأنه ليس المقصود منه عبودية الرق، لأنه ليس المقصود منه عبودية الرق، وإنما هو اسم علق به. قال: وإنما هو اسم علق به لما أتى به عمه المطلب من عند أخواله بني النجار من المدينة، وهو صبي، فرآته قريش حين جاء به، وقد تغير لونه من السفر، فقالوا: «عبد المطلب»، أي عبد للمطلب، لما رأوا عبد المطلب، وكان صغيرًا، جاء مع عمه المطلب، جاء مع عمه المطلب. لأن عبد المطلب في الحقيقة اسمه شيبة، شيبة بن هاشم، هاشم أخو المطلب، هاشم توفي، وكان عبد المطلب في المدينة عند أخواله من بني النجار، فبعد زمن انطلق المطلب للإتيان بولد أخيه معه، فلما جاء به وقد أثر عليه الشمس، أثرت عليه الشمس والسفر، رآه من رآه، فظن أنه عبد للمطلب، فقالوا: «هذا عبد المطلب»، أي عبد للمطلب. فهم في الحقيقة لم يريدوا التسمية، وإنما أرادوا الإخبار بأن هذا عبد للمطلب، فلذا يقول الشارح رحمه الله تعالى: «يقول: هذا استثناء من العموم، لأنه ليس المقصود منه عبودية الرق، وإنما هو اسم علق به، لما أتى به عمه المطلب من عند أخواله من بني النجار من المدينة، وهو صبي، فرأته قريش حين جاء به، وقد تغير لونه من السفر، فقالوا: عبد المطلب، ثم تبين لهم أنه ابن أخيه هاشم». فصارت العبودية في هذا الاسم لا حقيقة لها ولا قصد، كأنهم يقولون: «هذا عبد لزيد، هذا عبد للمطلب»، فقالوا: «هذا عبد المطلب»، ففي الحقيقة لم يريدوا التسمية، وإنما أرادوا الإخبار عن هذا الذي جاء مع المطلب. لذا قال: «فصارت العبودية في هذا الاسم أي خاصة لا حقيقة لها ولا قصد، لكن غالب عليه، فصار لا يسمى إلا به، وإلا فاسمه في الأصل شيبة الحمد، وإنما عبد المطلب لقب، ولكنه اشتهر به حتى صار لا يعرف إلا به». وهذا الاستثناء في قول: «حاش عبد المطلب»، ينبغي أن ننبه فيه على أمر، وهو أن قوله رحمه الله تعالى: يقول ابن حزم: «حاش عبد المطلب»، في قول: «اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاش عبد المطلب»، ليس معنى هذا استثناء عبد المطلب من جواز التسمية به، أي ليس معنى هذا أنه يجوز التسمية بعبد المطلب. بل لا يجوز التسمية لا بعبد المطلب، ولا بغيره من الأسماء التي تعبد لغير الله جل وعلا، بل لا يجوز أن يعبد في التسمية إلا لله رب العالمين جل وعلا، وذكر أو كما ذكر: أنه لا يجوز التسمية بعبد المطلب، كغيره من الأسماء، وذلك لأمور: أولها لعموم النهي عن ذلك، فلا يجوز التسمية أو التعبيد في التسمية لغير الله جل وعلا مطلقًا، لا عبد المطلب، ولا غيره. الأمر الثاني: أن الاستثناء عبد المطلب ليس لأنه يجوز التسمية به، أي في كلام ابن حزم، ليس لأنه يجوز التسمية به، بل لأنه لقب، لقب به، لم يريد حقيقة التعبيد، كما بيّنه الشارح قريبًا. الأمر الثالث: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، ليس فيه إقرار لجواز التسمية بهذا الاسم، وإنما أراد الإخبار به عن نفسه، بما عرف به واشتهر بين الناس، مع التنبيه أن عبد المطلب في الأصل إنما اسمه شيبة الحامد. فالحاصل من هذا التنبيه: أنه لا يجوز أن يسمى بعبد المطلب، ولا بغيرها من الأسماء التي تعبد لغير الله جل وعلا، وكلام ابن حزم يحمل على ما ذكر. قال: وقد صار عبد المطلب معظما في قريش والعرب، فهو سيد قريش، وأشرف في جاهليته، وهو الذي حفر زمزم، وما جرى له في حفرها مذكور في السير وكتب الحديث، وصارت سقاية له في ذريته. قال شيخنا: في معنى قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾، قال: «إن هذا الشرك بمجرد تسميته لم يقصد حقيقته التي أرادها إبليس منهما»، أي كما تقدم: أن الشرك الذي وقع منهما -أي من آدم وحواء- إنما هو في مجرد تسمية، لم يقصد حقيقته التي أرادها إبليس منهما، وهو الشرك بالله جل وعلا، الشرك الأكبر، من التعبيد. قال الشارح: «وهذا يزيل الإشكال، وهذا معنى قول قتادة: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته»، وهذا الأثر كذلك من قتادة لا يصح، لأنه من طريق سعيد بن أبي عروة، عن قتادة، ورواية التفسير عن قتادة فيها ضعف. وقول: «وهذا يزيل الإشكال»، في الحقيقة لا يزيل الإشكال، ولكن الجواب هو ما تقدم ذكره، الجواب هو ما تقدم ذكره: من أن لو قلنا بأن هذا من قبيل الشرك الأصغر، والشرك الأصغر من أكبر الكبائر، والأنبياء بإجماع معصومون من الكبائر، فهذا لا يليق بحق آدم عليه السلام. فالإشكال على القول بأن هذا في حق آدم باق ولا محالة، والصواب: ومنه نعلم أن الصواب في تفسير هذه الآية هو ما تقدم ذكره عن الحسن البصري رحمه الله تعالى ورضي الله عنه، وهو الذي اختاره الحافظ ابن كثير، والعلامة ابن القيم، وغيرهما من الأئمة رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.