الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 18، ألقاها
يتناول الدرس تفسير كلمة التوحيد واستدلاله بآيات من القرآن الكريم، ويشرح معانيها ودلالاتها على التوحيد. كما يبين أهمية تحقيق لا إله إلا الله وإخلاص العبادة لله وحده.
يشرح المقطع معنى اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، ويبين أن طاعة العلماء والرهبان في تحليل الحرام وتحريم الحلال يعد شركا بالله. كما يحذر من الشرك وعبادة غير الله.
يشرح المقطع أهمية محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وتقديمها على محبة النفس والمال والولد. كما يبين أن المحبة لله تعالى هي من أعظم عرى الإيمان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، فأولاً، قبل أن ندخل في درسنا الجديد، بالنسبة للغظة التي أشكلت علينا في الدرس الماضي، وسألنا هل هناك نسخة غير هذه النسخة، وهي في قوله رحمه الله: «فتدبر ما قص الله تعالى في كتابه مما دعت إليه الرسل وما أوقع بمن عصاهم، فإن الله تعالى أقام به» إذا كان أمثل، هناك في نسخة «بهم»، فما أحد ذكر أن عنده في نسخة غير هذه النسخة. وراجعنا كذلك في مخطوط، فوجدناه كذلك بهذا اللفظ، أي «به»، بلفظ «بهم»، فيكون عائداً على قوله: «فتدبر ما قص الله تعالى في كتابه»، فإن الله تعالى أقام به، فيكون الضمير عائداً على كتاب الله جل وعلا. الضمير يكون عائداً على كتاب الله جل وعلا. ذكرنا في الدرس الماضي أن الأظهر أن يقال «به»، باعتبار أن الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور «هم» الرسل، ودعوة الرسل الذين دعوا قومهم. فالحاصل أن كلا المعنيين صحيح، أن كلا المعنيين صحيح، أي إذا وجد في نسخة «به»، يكون المعنى صحيح، ويكون الضمير عائداً على الرسل، وإن لم يوجد إلا هذه النسخة، أي «به»، كذلك المعنى صحيح، ويكون الضمير عائداً على كتاب الله جل وعلا. ففيه الحجة على من خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن عاقبة المخالفين والمعاندين للرسل كانت خسرانا. قال رحمه الله تعالى: وقوله -قول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- في استدلاله بهذه الآية تحت باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، قال: «وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 26-28]، قال: هي لا إله إلا الله بإجماع أهل العلم». أي: هذه الكلمة التي جعلها إبراهيم عليه السلام في عقبه لعلهم يرجعون، هذه الكلمة هي لا إله إلا الله، كما ذكر بإجماع أهل العلم، وكما سيأتي معنا أن فيها -أي هذه الكلمة التي هي كلمة التوحيد- فسرها إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 26-27]، قالوا: الكلمة، أو قال الشارح: «الكلمة هي لا إله إلا الله بإجماع أهل العلم، وقد عبر عنها الخليل عليه السلام بمعناها الذي أريد بها، ووضعت له -أي معناها الحقيقي الشرعي الذي أراده الله جل وعلا والذي فهمته كذلك الرسل وبلغته إلى قومهم- قال: فعبر عن المنفي بها بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26]، أي: عبر عن لا إله بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26]، وعبر عما أثبتته -أي بقوله إلا الله- بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 27]، قال: فقصر العبادة على الله وحده، ونفاها عن كل ما سواه ببراءته من ذلك، فما أحسن هذا التفسير لهذه الكلمة، وما أعظمه! أي: تفسير الخليل إبراهيم عليه السلام لهذه الكلمة العظيمة. ووجه الشاهد منها واضح وظاهر، إذ أنه تفسير للتوحيد وللا إله إلا الله. قال رحمه الله تعالى: قال العماد بن كثير في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: 28]، أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، قال: «وهي لا إله إلا الله»، جعلها في ذريته يقتدي بها فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم عليه السلام ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 28]، أي: إليها، يرجعون إليها، أي: إلى لا إله إلا الله، وإلى توحيد الله جل وعلا. قال: قال عكرمة ومجاهد، والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: 28]، يعني لا إله إلا الله، لا يزال في ذرية إبراهيم عليه السلام من يقولها. لا يزال في ذرية إبراهيم عليه السلام، أي: في ذرية إبراهيم عليه السلام من يقولها، أي: من يقول لا إله إلا الله. والآثار المذكورة عن هؤلاء منها ما هو ثابت، ومنها ما ليس كذلك. فأثر عكرمة لم نقف له فيه على إسناد، وكذلك يعني أثر مجاهد، فيه ضعف؛ لأنه من طريق ليس بثقة، وفيه ضعف عن مجاهد. وطريق الضحاك كذلك لم نقف عليه. وأثر قتادة حسن بمجموع طرقه؛ فإنه جاء من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وجاء من طريق معمر بن راشد عن قتادة. وحديث سعيد بن أبي عروبة في التفسير عن قتادة خاصة فيه ضعف؛ لأنه لم يسمع من التفسير، كما نص على ذلك أبو حاتم الرازي. ومعمر كذلك في رواية عن البصريين مقال، لكن بمجموع الطريقين يرتقي إلى الحسن، كلاهما رواهما الطبري. وكذلك عبد الرزاق رواه الثاني، أي: طريق معمر. وأثر السدي كذلك فيه ضعف؛ لأنه من طريق أسباط بن نصر، وفيه ضعف. لكن المعنى صحيح، المعنى صحيح. وجعلها كلمة باقية في عقب، أي: يعني لا إله إلا الله، ولا يزال في ذرية إبراهيم عليه السلام من يقول لا إله إلا الله، من يقول لا إله إلا الله. قبل هذا -يعني كما ذكرنا- أن الشاهد من ذكر هذه الآية، الشاهد من ذكر هذه الآية هاهنا، هو تفسير لا إله إلا الله، ومعنى لا إله إلا الله. وأن معنى لا إله إلا الله هو ما قاله الخليل إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26]، أي: لا يتحقق التوحيد، ولا تتحقق كلمة لا إله إلا الله إلا بالبراءة من الشرك، والبراءة من أهله. وإخلاص العبادة لله رب العالمين وحده لا شريك له. فمن قال لا إله إلا الله، وأشرك مع الله جل وعلا به غيره، فإنه لم يحقق لا إله إلا الله، ولم يعلم معنى لا إله إلا الله. ولم يعلم معنى لا إله إلا الله، وأن حقيقتها البراءة من الشرك والمشركين. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، قال: «الأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد». قال: «وهذه الآية قد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم»، وذلك أنه لما جاء مسلماً -أي عدي بن حاتم- وكان قد تنصر -كان أولاً مشركاً، ثم انتقل إلى الشام فتنصر، ثم منَّ الله جل وعلا عليه بالإسلام، فأسلم، وحسن إسلامه، رضي الله عنه وأرضاه- فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه هذه الآية، قال: «فقلت: إنهم لم يعبدوهم»، أي: قال عدي بن حاتم: يقول: أنا كنت نصرانياً، ولم يكن أولئك ممن عبد هؤلاء، أي: الأحبار والرهبان. قال: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وحللوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم». وجاء في بعض الروايات أنه قال: «أليس يحلون الحرام فيتبعون؟ قال: بلى، قال: أليس يحرمون الحلال فيتبعون؟ قال: نعم -أو قال: بلى- فقال: فذلك عبادتهم إياهم». والحديث -كما ذكر- رواه أحمد، والترمذي، وحسنه، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني من طرق. والحديث بمجموع طرقه حسن. وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في «الصحيحة» برقم (93، 233، 300). والشاهد منه واضح، الشاهد منه: أن هؤلاء، أن هؤلاء بطاعتهم لكبرائهم في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، تكون تلك الطاعة العمياء لهؤلاء من اتخاذهم أربابا من دون الله جل وعلا؛ إذ أن التحليل والتحريم حكم خاص بالله رب العالمين جل وعلا لا شريك له. فمن اتخذ الأحبار والرهبان مشرعين مع الله جل وعلا، فقد أشرك بالله جل وعلا معه غيره في الحكم. وهذا من أفراد الربوبية. وهو باعتبار ما قام في قلوب أولئك من التعظيم والإجلال والمحبة والرهبة من أولئك العلماء والرهبان، كان فيه كذلك معنى من معاني شرك العبادة، وشرك الإلهية. قال رحمه الله تعالى: قال السدي: «استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم»، أي: رأوا القرآن -أو رأوا كتاب الله جل وعلا الذي أنزل عليهم- يحل لهم الشيء، فلا يقتنعون بكتاب الله، بل يرجعون إلى أحبارهم ورهبانهم. فإذا قالوا لهم: ذلك الشيء الذي أحله الله حرام، اتبعوهم. والعكس بالعكس، إذا قالوا لهم في الشيء الذي حرمه الله: بأنه حلال، أيضاً، ماذا؟ اتبعوهم. قال: «ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]»، أي: في قول الله جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، قال: «فصار ذلك عبادة لهم»، فصار ذلك عبادة لهم، أي: فصار ذلك الأمر عبادة لهم. أي: صاروا به لهم أربابا من دون الله؛ إذ أنهم جعلوا لهم الحكم في التشريع، جعلوا لهم الحكم في التشريع من دون الله جل وعلا، فكانوا لهم أربابا من دون الله جل وعلا. قال: «وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 80]». إلى آخره. والمسيح بن مريم، أي: اتخذوه ربا بعبادتهم له من دون الله، أي: اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، والمسيح ابن مريم، والمسيح ابن مريم اتخذوه كذلك ربا من دون الله جل وعلا. وهذا في الأول في حق اليهود، وفي الثاني في حق النصارى. قال: «وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 116-117]». قال: «فمن تدبر هذه الآيات تبين له معنى لا إله إلا الله، وتبين له التوحيد الذي جحده أكثر من يدعي العلم في هذه القرون، وما قبلها من متأخري هذه الأمة». يقول رحمه الله: «فمن تدبر هذه الآيات -اليهود والنصارى- من أهل الكتاب ممن يقول لا إله إلا الله بألسنتهم، وهم لا يعلمون لا إله إلا الله، لا يعلمون معنى لا إله إلا الله، ولا يعلمون تفسير لا إله إلا الله؛ لذا وقع منهم الشرك بالله جل وعلا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». لذا -كما جاء في حديث عدي بن حاتم الطائي، رضي الله عنه- أنه قال: «يا رسول الله، ما اتخذوهم أربابا من دون الله؟» لماذا؟ أنكر ذلك؛ لأنه كان على ما تعلمهم من دين النصارى أنهم لم يعبدوهم بذلك، وإنما أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، أو في تحريم ما أحل الله. وظن أن ذلك التحليل والتحريم من حقوق أولئك الرهبان، وكذلك الأحبار. فلم يعتقد أن ذلك من الشرك بالله جل وعلا. وهذا حال كثير من متأخري هذه الأمة -من متأخري هذه الأمة- يقول لا إله إلا الله بلسانه، ولا يعلم حقيقة لا إله إلا الله. فاتخذ علماء السوء محللين لهم فيما حرمه الله جل وعلا، محللين لهم فيما حرمه الله جل وعلا. فزينوا لهم الشرك، وقالوا لهم: أن عبادة هذه القبور، التقرب إلى أولئك المقبورين بأنواع القرب -بطاعتهم ومحبتهم وإجلالهم وتعظيمهم، وتقريب القرب إليهم- من الذبائح والنذر، والاستغاثات، والأدعية، إلى غير ذلك: أن هذا من المشروع، أن هذا شيء مشروع وجائز. فأحل لهم ما حرمه الله جل وعلا، فاتبعوهم. فما أشبه الليلة بالبارحة! يعني: كما لو جيء اليوم بإنسان من هؤلاء القبورية -من هؤلاء القبورية الذين يتعبدون أصحاب القبور- يتعبدون لهم بأنواع العبادات: استغاثات، ذبح، نذر، بل وسجود وركوع وطواف، إلى غير ذلك. إذا قيل له: بأنك بهذا الفعل تشرك بالله جل وعلا، وتتخذ هؤلاء أربابا من دون الله جل وعلا. قال: «سبحان الله، ما اتخذناهم أربابا من دون الله». فيقال له: «أليس تتقرب إليهم بأنواع العبادات؟ بالذبح والنذر والاستغاثة والرغبة والرهبة، بل بالسجود والركوع والطواف، إلى غير ذلك من الأمور؟ أليس تفعل ذلك؟» فإن قال: «نعم». فيقال له: «فتلك عبادتكم إياهم». وأيضاً، باعتبار علماء السوء الذين أفتوا لهم بذلك، وزينوا لهم ذلك المنكر. فقالوا لهم: «أن هذا من واجبات، ومن حقوق الأولياء»، أن هذا الأمر ليس مشروعا فحسب، بل هو من الواجبات: أن يتقرب الإنسان إلى الولي الفلاني بأنواع القرب. ويخوفونهم بالذين من دونه، يقولون لهم: «إن لم تتقرب إليهم، إن لم تذبح له ذبيحة، إن لم تنذر له نذر، وتفعل ما تفعل، سيصيبك -سيصيبك ذلك السيد- سيصيبك ذلك السيد». ومن سمع كلام هؤلاء الجهال، عجب. بعض الناس يذهب بالذبيحة، يذبحها إلى ذلك السيد. لماذا؟ قال: «أخشى أن يحدث بشيء -أو بأموالي أو بأولادي- من السيد إذا غضب علي». أي: من ذلك المقبور الذي قد مات، وصال رفاتا. لماذا؟ لأن قلوبهم قد ملئت محبة وتعظيماً، وخوفاً من أولئك المقبورين. وإذا قيل لهم: «هذا هو الشرك بعينه الذي نهت عنه الرسل». قالوا: «لسنا بمشركين». قالوا: «لسنا بمشركين». فمن هنا نعلم هذا الاستدلال الذي استدل به الشيخ رحمه الله تعالى تحت هذا الباب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: 31]. قال رحمه الله تعالى: «فمن تدبر هذه الآيات تبين له معنى لا إله إلا الله، وتبين له التوحيد الذي جحده، وتبين له التوحيد -التوحيد الذي جحده- أكثر من يدعي العلم في هذه القرون، وما قبلها من متأخري هذه الأمة». وقد عمت البلوى بالجهل به بعد القرون الثلاثة المفضلة؛ لما وقع الغلو في قبور أهل البيت وغيرهم، وبنيت عليها المساجد. لما وقع الغلو في قبور أهل البيت وغيرهم. ومعلوم أن أكثر القبور يقول هؤلاء: «سادة»، هؤلاء من آل البيت. سواء كانوا -كان الغلو من قبل الشيعة أو من قبل المتصوفة- فهم الطائفتان الغاليات في هذه الأبواب. ومن شاكلهم. قال: «وبنيت عليها المساجد، وبنيت لهم المشاهد، فاتسع الأمر، وعظمت الفتنة في الشرك، وانطمست معالم التوحيد؛ لما حدث الغلو في الأموات، وتعظيمهم بالعبادة». فبهذه الأمور التي وقع فيها الأكثر، عاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا. والبدعة سنة، والبدعة سنة، والسنة بدعة. نشأ على هذا الصغير، وهرم عليها الكبير. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ -أو يصلحون إذا فسد الناس-». وبعضهم يضبطها بالضم: «الذين يصلحون إذا فسد الناس». وكل الأمرين معتبر. أي: أن هؤلاء الغرباء في كل زمان ومكان يصلحون ما أفسد الناس. وكذلك يصلحون إذا فسد الناس. وهذا الحديث -كما ذكر- بأنه صحيح من حديث عبد الله بن مسعود. وجاء كذلك في صحيح مسلم دون زيادة الأخيرة من حديث ابن عمر، وغيره. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». ما جاء في حديث معاوية، وبنحو من حديث المغيرة. قال: «وفي رواية: يصلحون ما أفسد الناس». وهذه الرواية من حيث الإسناد، إسنادها ضعيف؛ جاء من حديث عوف بن مالك، رضي الله عنه وأرضاه. والحديث من طريق كثير عن عبد الله. وكثير عن عبد الله في ضعف، بل هو ضعيف جداً. لكن معناه صحيح -كما تقدم- معناه صحيح كما تقدم. والشاهد من هذه الآية -كما تقدم- هو بيان معنى التوحيد: أن من قال لا إله إلا الله، وهو قائم على الإشراك بالله جل وعلا، فإنه لم يعلم معنى لا إله إلا الله، ولا تنفعه كذلك لا إله إلا الله. لماذا؟ لأنه أتى بما يناقضها، أتى بما يناقضها؛ فإنه لم يحقق لا إله؛ لأنه اتخذ مع الله إلها، ولم يحقق إلا الله؛ لأنه كذلك اتخذ مع الله جل وعلا إلها. فهو لم يحقق لا إله إلا الله بجزئيها. قال: وقوله -أي عطفا على الباب- وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165] الآية، قال: «الأنداد: الأمثال، والنظراء»، كما قال عماد بن كثير، وغيره من المفسرين. أي: معنى الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]، أي: نظراء، مثل يصرفون لهم من العبادة مثل ما يصرفون لله جل وعلا. نظراء وأمثال. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: 74]، ويقول الله جل وعلا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]، وقال الله جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على نفي السمي والنظير والمثيل عن الله رب العالمين جل وعلا. قال: «فكل من صرف من العبادة شيئا لغير الله -رغبة إليه، أو رهبة منه- فقد اتخذه ندا لله؛ لأنه أشرك مع الله فيما لا يستحقه غيره -فيما لا يستحقه غير الله جل وعلا-». فمن صرف نوعا من أنواع العبادة لغير الله جل وعلا: سجد سجدة لغير الله جل وعلا، متقربا إلى غير الله، يكون أشرك بالله. أو ذبح إلى غير الله جل وعلا ذبيحة واحدة، متقربا بها إلى غير الله جل وعلا، فإنه أشرك بالله؛ لأنه صرف شيئا من العبادة لغير الله جل وعلا. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «فتوحيد المحبوب: ألا يعدد محبوبه -أي مع الله بعبادته له- توحيد المحبوب، أي: المحبة بمعنى ما يقوم بقلب العبد من الحب، لا يجوز أن يتعدد. لا يجوز أن يتعدد أن يتعدد ذلك الحب الذي هو حب العبادة -الذي هو حب العبادة- لا يجوز أن يتعدد ذلك الحب القائم في قلب العبد». قال: «فتوحيد المحبوب: ألا يعدد محبوبه -أي مع الله بعبادته له- وتوحيد الحب: ألا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له». قال: «فهذا الحب -وإن سماه عشقا- فهو غاية صلاح العبد، ونعيمه، وقرة عينه. وليس لقلبه صلاح، ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن لا تكون محبته لغير الله -فلا يحب إلا لله- كما في الحديث الصحيح: «ثلاث من كن فيه -أي وجد بهن- حلاوة الإيمان» الحديث». فابن القيم رحمه الله تعالى، وسعة كلامه تتم له. يقول: «فتوحيد المحبوب -توحيد المحبوب- أي: توحيد الرب جل وعلا، قال: أن لا يعدد محبوبه -أي مع الله بعبادته- لأنه لا يعبد إلا الله، لا يعبد إلا الله». ثم قال: «وتوحيد الحب -توحيد الحب- أي: القائم في قلب، ماذا؟ في قلب العبد. وتوحيد الحب: أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له -حتى يبذلها له-». وهذا إن وقع من العبد، فإنه يكون بذلك حقق التوحيد في هذا الباب، أي: في محبة الله جل وعلا فوق كل محبوب. في محبة الله جل وعلا فوق كل محبوب. قال رحمه الله: «ومحبة رسوله هي من محبته». ومن هنا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحب لذاته. الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحب لذاته، وإنما يحب لله رب العالمين جل وعلا. فلا أحد يحب لذاته محبة عبادة إلا الرب جل وعلا. وكل ما سواه، فإنه إنما يحب لله. كل ما سواه ممن محبته عبادة إنما تكون عبادة؛ لأنها محبة لله، أنها محبة لله وفي الله جل وعلا. فالرسول صلى الله عليه وسلم -كما ذكر- بأنه يحب لله جل وعلا. فمن حب العبد لله: أنه أحب رسوله. ومن محبة العبد لله جل وعلا: أنه أحب رسوله، وأحب أولياء الله جل وعلا الطائعين، وأحب عباده الصالحين، محبة لله جل وعلا، وتقربا إلى الله جل وعلا بهذه المحبة. قال: «ومحبة رسوله هي من محبته -أي من محبة الله- ومحبة المرء إن كانت لله، فهي من محبته -أي محبة المرء كائن من كان- إن أحب الإنسان أخاه في الله، لله، لا لدنيا زائفة، ولا مصالح منقطعة، إنما أحبه لله جل وعلا، فإن هذه المحبة عبادة. بل كما جاء في الحديث: أنها من أوثق عرى الإيمان: «الحب في الله، والبغض في الله»، كما جاء في حديث ابن عباس، وحديث غيره بإسناد حسن. قال: «وإن كانت لغير الله، فهي منقصة لمحبة الله، مضعفة لها». أي: إن أحب الإنسان إنسانا لأجل مصلحة من مصالح الدنيا، لأجل غرض منقطع ثاني، فإن هذه منقصة من محبة الله. لماذا؟ لأنه بمحبة هذا الإنسان محبة ليست لله، قد فرغ قلبه بشيء من المحبة لغير الله جل وعلا. قد فرغ قلبه -أو فرغ قلبه- بشيء من المحبة لغير الله جل وعلا، وليست لله جل وعلا. قد يقول قائل: «فمحبة الرجل لزوجته، محبة الرجل لأولاده، وما شابه ذلك». فالجواب: أن هذه المحبة -كما يقول العلماء- محبة طبيعية. ويكمل إيمان العبد وتوحيده إن أحب الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم فوق محبة النفس والمال والولد. ها هنا يحقق ماذا؟ الإيمان والتوحيد، والمحبة الكاملة لله جل وعلا. كما في الحديث: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ -أو قال: مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ- وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». فقال عمر: «يا رسول الله، فإني أحبك أكثر من مالي -أو قال: من ولدي وأهلي- إلا من نفسي». قال: «لا يا عمر». قال: «فإني الآن أحبك أعظم من نفسه». قال: «لا يا عمر، قال: فإني الآن أحبك أعظم من نفسي». قال: «الآن يا عمر». فهذا من كمال التوحيد والإيمان -من كمال التوحيد والإيمان- فكلما كمل إيمان العبد، كلما أحب الله جل وعلا محبة فوق محبة النفس والأهل والولد. قال رحمه الله تعالى: «ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة؛ فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه شيئا». نعم. قال: «ومحبة رسوله من محبته، ومحبة المرء إن كانت لله، فهي من محبته، وإن كانت لغير الله، فهي منقصة لمحبة الله، مضعفة لها». ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه -وهو الكفر- بمنزلة كراهته لإلقائه في النار، أو أشد. وهذا من كمال الإيمان: أنه يحب ما أحب الله جل وعلا، ويكره ما يكره الله جل وعلا. حتى إن العبد يكره الشرك والوقوع فيه أشد من كراهته -أشد من كراهته- من الوقوع في النار. أي: لو أنه خير: إما أن تشرك بالله، وإما أن تلقى في النار، لألقى نفسه في النار، ولا يشرك بالله جل وعلا شيئا. قال: «ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة؛ فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه شيئا». فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه -بحيث لو خير بين الكفر، وإلقائه في النار، لاختار أن يلقى في النار، ولا يكفر- كان أحب إليه من نفسه. كان أحب إليه من نفسه. كان الله جل وعلا ورسوله أحب إليه من نفسه. قال: «وهذه المحبة هي فوق -وهذه المحبة هي فوق- ما يجده العشاق من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة». أي: أن فوق محبة العشاق -أي وإن سماها العشاق بأنها محبة- لكن هذه المحبة فوق محبتهم. وكما ذكر -يعني الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى- في بعض كتبه: أن وصف العبد محبته لله جل وعلا بأنها عشق، هذا ليس بصحيح. لأن الصحيح في حد العشق -وهو من أنواع المحبة- أنه حب مصحوب بشهوة. قال: «وهذا لا يليق بحق الله جل وعلا». وهذا لا يليق بحق الله جل وعلا. فيقول رحمه الله: «وهذه المحبة هي فوق ما يجده العشاق من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة؛ كما لا مثل لمن تعلقت به». وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة، والانقياد الظاهر وباطنا -أي لله رب العالمين جل وعلا-. وهذا لا نظير له في محبة مخلوق. ولو كان المخلوق من كان -أي لا يكون هذا في محبة المخلوق- ولو بلغ في قلب العبد محبة المخلوق ما بلغ؛ فإنه لا يبلغ محبة العبد لغير الله جل وعلا مبلغ العبد المحب لله جل وعلا. لا يبلغ أبدا. لذا يقول رحمه الله: «وهذا لا نظير له في محبة مخلوق، ولو كان المخلوق من كان». ولهذا: من أشرك بين الله وبين غيره في المحبة الخاصة -أي المحبة العبادة، المحبة الخاصة -أي محبة العبادة- وهي المشربة بنوع تعظيم وإجلال وخوف -محبة العبادة- وهي المشربة بمعنى الإجلال والخوف والتعظيم. قال رحمه الله: «وبين غيره في المحبة الخاصة، كان شركا لا يغفره الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ