الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 34، ألقاها
يشرح المقطع حديث نبوي وآية قرآنية متعلقة بشج رأس النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. الأمر كله لله وحده.
دعوة الأنبياء كانت إلى توحيد الله وحده لا شريك له، وأمر أمتهم بذلك. النبي صلى الله عليه وسلم بين أن لا ينفع أحدا إلا الله، ولا يملك الضر إلا الله.
المشركون أقرّوا بتوحيد الربوبية لكنهم لم يوثقوا الله توحيد الألوهية، مما أدى إلى شركهم بالله. الشرك بالله يحبط الأعمال ويمنع النجاة من عذاب الله.
التعلق بغير الله يعتبر شركًا بالله، حيث يُعتقد أن له قدرة على النفع والضر. هذا الشرك واضح في بعض القصائد التي يمدح فيها الشعراء النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبون منه المغفرة والرحمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه "قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين"، وهو في صدد شرح باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. وقد مضى معنا الكلام على بعض المسائل المتعلقة بالباب، وتوقفنا عند قوله رحمه الله تعالى. قوله في الصحيح عن أنس قال: شجّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. قوله: شجّ أو شجّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، أي شجّ رأسه صلى الله عليه وسلم، شجه المشركون في يوم أحد وكسرت رباعيته. والرباعية بوزن الثمانية، وهي السن التي بين الثنية والناب، بين الثنية والناب، يعني أول أسنان في المقدمة يقال لها ثنية، وبجانبها يقال لها رباعية، وبجانبها يقال له الناب، ثم بعد ذلك الضرس. فقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. قال: وفيه أي في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم لعن فلانا وفلانا» بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وفي رواية: «يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمر والحارث بن هشام» فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وفي رواية: «يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمر والحارث بن هشام» فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وأسلم هؤلاء وحسنا إسلامهم. قوله في الصحيح، أي الصحيحين، علقه البخاري عن حميد وثابت عن أنس، ووصله أحمد والترمذي والشافعي عن حميد عن أنس، وإسناده صحيح. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة. والمقصود أن الذي له الأمر كله والملك كله لا يستحق غيره شيئا من العبادة. ولهذا المعنى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فالذي قال الله تعالى في حقه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهو خيرة الله من خلقه، ما زال يدعو الناس أن يخلصوا العبادة للذي له الأمر كله، وهو الله تعالى. فهذا دينه صلى الله عليه وسلم الذي بعث به، وأمر أن يبلغه أمته ويدعوهم إليه، كما تقدم في باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فإياك أن تتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين الذي شرعه الله ورسوله لهم وخصهم به. الشاهد من هذا أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذكر هذا الحديث تحت هذا الباب، وهو كما ترون، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم شجّ يوم أحد وكسرت رباعيته، وكسرت البيضة على رأسه صلى الله عليه وسلم. وهذا إن دل على شيء، دل على أن نبينا صلى الله عليه وسلم وهو أكرم خلق الله على الله وأعز خلق الله على الله وأحب خلق الله إلى الله جل وعلا، وهو سيد الأولين والآخرين، آدم فمن بعده من ذريته، كلهم داخلون تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، صاحب المقام المحمود وصاحب الشفاعة والحوض المورود، إلى غير ذلك من الخصائص والمناقب والفضائل. ومع هذا أخبر الله جل وعلا بأنه لا يملك لنفسه شيئا ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئا. فكما سمعتم حصل له ما حصل من الأذى، وما ذاك إلا لأنه بشر صلى الله عليه وسلم، يحصل له ما يحصل للبشر، إلا أن الله جل وعلا عصمه بعصمته له جل وعلا، كما أخبر بذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. فبينا صلى الله عليه وسلم حصل له من الأذى ما حصل، حتى كسرت رباعيته وشج رأسه الكريم صلى الله عليه وسلم. فإذا علم هذا، علم أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن أن يملك لغيره نفعا أو ضرا، لأن الأمر كله لله جل وعلا، والأمر بيد الله جل وعلا وحده لا شريك له، الذي يقول للشيء: «كن» فيكون. ولذا حينما دعا نبينا صلى الله عليه وسلم على أولئك الأقوام، وقد فعلوا ما فعلوا بنبي الله جل وعلا، أنزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، أي أن الأمر لله وحده لا شريك له. النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن دعا على مشركين بما دعا عليهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فتاب الله على أولئك فأسلموا. وهذا إن دل على شيء، دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، كما قال الله جل وعلا له: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، لأن الأمر بيد الله جل وعلا وحده لا شريك له. فإذا علم هذا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق على الله جل وعلا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيره، فكيف بعد هذا يدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يستغاث به، أو يدعى من هو دون رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأولياء، زعم أو من الأشجار أو من الأحجار أو من الأوثان أو من الشمس أو القمر أو غير ذلك؟ هذا من باب أولى أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فضلا عن أن يستجيبوا دعاء من دعاهم أو يكشفوا كروبا من التجأ إليهم، لأن الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له. فالشاهد من إيراد الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الحديث هو تقرير هذه المسألة، وهي كما قال الله جل وعلا: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. إذن نبينا صلى الله عليه وسلم، فضلا عن من هو دونه، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وهو مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيره ممن هو دونه في المكان والمنزلة عند الله رب العالمين جل وعلا. ومع هذا فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم البيان الواضح لكل ذي لب سليم وقلب مستقيم، أنه لا ينفع أحدا إلا الله، ولا يملك الضر إلا الله جل وعلا. بل ربى على ذلك غلمان الصحابة، فضلا عن كبرائهم: «يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» كما في حديث ابن عباس عند الترمذي وغيره. فهذا وغيره يدلنا على ما كان عليه دعوة الأنبياء، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، لأنهم هم المبعوثون والمرسلون من الله جل وعلا بتوحيد الله جل وعلا وحده لا شريك له. كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿فَاعْبُدْهُ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فربنا جل وعلا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر أمته بذلك، بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا. «أمرتهم أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» كما جاء في حديث عمار في الصحيح البخاري، وجاء من حديث أبي هريرة في الصحيحين، وجاء من حديث ابن عمر، وجاء من حديث غيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ودعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم إلى هذا المعنى وإلى هذه الكلمة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فالرسل من أولهم إلى آخرهم داعون إلى الله وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: قوله وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال: يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، لا أغني عنكم من الله شيئا، قال: يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا». قوله في صحيح البخاري، وحديث في الصحيحين، واختلف في اسم أبي هريرة، وصحح النووي أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، وهو دوسي من حفاظ الصحابة، حفظ من الحديث ما لم يحفظه غيره. والحاصل يعني في اسم أبي هريرة، ذكر بعض أهل العلم أنها بلغت أي الاختلاف إلى أن ذكروا ثلاثين اسما، أي في تعيين اسم أبي هريرة. وكما ذكر من ذكر من العلماء أنه لا يثبت من هذه الأسماء شيء من حيث الإسناد، ولكن من حيث الشهرة، أي كما ذكر النووي رحمه الله تعالى وغيره أنها أشهرها. أما من حيث الصحة، فإنه لم يثبت تعيين اسم أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وإنما عرف وعلم بكنيته. قال: حفظ من الحديث ما لم يحفظه غيره، وقد ذكروا أنه حفظ أكثر من خمسة آلاف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر بعض أهل العلم أن أبا هريرة حفظ ثلاثة أسفار رضي الله عنه وأرضاه. قال: كما في صحيح البخاري عن واهب بن منبه عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: «ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب ولا أكتب». ومعنى هذا أنه من حيث الحفظ كان أبا هريرة أحفظ، ومن حيث الكتابة والإكثار كان عبد الله بن عمر أكثر. قال: مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وهو كما ذكر رحمه الله تعالى حافظ الصحابة، بل كما ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه "الموقظة" بأنه حافظ الأمة رضي الله عنه وأرضاه. قال: وهذا الحديث له طرق كثيرة في الصحيحين والمسند والسنن وغيرها. قوله: «يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم» أي بالإيمان بالله ورسوله واتباعه فيما جاءكم به مما أنزل عليه من توحيد الله تعالى في العبادة، وترك ما كنتم تعبدونه من دونه من الأوثان والأصنام. فإنهم بذلك الشرك صاروا عبيدا لمن لا يضر ولا ينفع ولا يستجيب ولا يسمع، وهم قد عرفوا أن ما كانوا يفعلونه من عبادة غير الله شرك بالله. فإنهم كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك» كما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا فيه دلالة على أن المشركين كانوا يقرون بأن الملك والمالك المطلق هو لله، أن المالك المطلق هو الله جل وعلا، وأن الملك المطلق لله وحده لا شريك له. لذا كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك» أي تملك الشريك وتملك ما يملكه ذلك الشريك. فالملك المطلق لله وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون غير الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعبدونهم، يعلمون أنهم يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم، ولكن لماذا يعبدونهم؟ قالوا: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله» أي نعبدهم لأجل أن يشفعوا لنا عند الله، فنحن نتقرب إليهم لأجل أن يقربوا إلى الله جل وعلا. قال رحمه الله: فسبحان الله، كيف جاز في عقولهم أن المملوك يكون شريكا لمالكه؟ أي هم أثبتوا أن من أشركوا به مع الله جل وعلا أقر بأنه مملوك لله ومخلوق لله، فكيف بعد هذا يقولون بأنه يستحق العبادة مع الله؟ وهم يقرون بأنه مملوك لله رب العالمين جل وعلا، وأنه مخلوق لله رب العالمين جل وعلا. كيف ساغ لهم أن يعبدوه مع الله فيعبد المالك وما ملك؟ وهل هذا إلا من سفه عقولهم وطيشهم وذهاب ما عندهم من روح الإيمان والتوحيد، إن كان موجودا؟ أي توحيد الربوبية كان موجودا، بمعنى الإقرار بتوحيد الربوبية كان موجودا، لكن ما نفعهم ولا أثمر معهم، لأن من لوازم توحيد الربوبية توحيد الألوهية. فانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، فهم استفادوا من هذا أنهم لم يوحدوا الله جل وعلا توحيد الربوبية حق توحيده، وإن أقروا بتوحيد الربوبية. هم أقروا بتوحيد الربوبية، ولكن ما وحدوا الله توحيد الربوبية، إذ لو وحدوا الله توحيد الربوبية لحصلت الثمرة وثبت لهم لازمه، وهو توحيد الألوهية. فالحاصل كما قال رحمه الله: فسبحان الله، كيف جاز في عقولهم أن المملوك يكون شريكا لمالكه؟ وقد قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم، فمن يهدي من أضل الله؟ وما لهم من ناصرين. وهذا مثل ضربه الله جل وعلا لحال هؤلاء، ضرب لكم مثلا من أنفسكم: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء؟ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون. بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم، فمن يهدي من أضل الله؟ وما لهم من ناصرين. قوله: «لا أغني عنكم من الله شيئا» قال: هذا هو معنى ما تقدم، وهذا كما سمعتم أيضا الشاهد من الترجمة من ذكر هذا الحديث في هذا الباب. «لا أغني عنكم من الله شيئا» قال: هذا هو معنى ما تقدم من أنه تعالى هو المتصرف في خلقه بما شاء مما اقتضته حكمته في خلقه وعلمه بهم، والعبد لا يعلم إلا ما علمه الله، ولا ينجو أحد من عذابه وعقابه إلا بإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه. كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، بل الله جل وعلا قال في حق نبيه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿فَاعْبُدْهُ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾. فإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول له ربنا جل وعلا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فكيف بمن هو دون نبينا صلى الله عليه وسلم يأمن على نفسه يقع في الشرك ويعبد غير الله ويدعو غير الله ويستغيث بغير الله ويلجأ إلى غير الله ويعلق قلبه بغير الله جل وعلا، ويعتقد في غير الله جل وعلا أن له نفعا وضرا مطلقا؟ ثم يريد النجاح. قال رحمه الله تعالى: والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنذر الأقربين نذارة خاصة، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، وبلغهم وأعذر إليهم. فأنذر قريشا ببطونها وقبائل العرب في مواسمها، وأنذر عمه وعمته وابنته، وهم أقرب الناس إليه، وأخبر أنهم لا يغني عنهم من الله شيئا إذا لم يؤمنوا به ولم يقبلوا ما جاء به من التوحيد وترك الشرك به. قال رحمه الله تعالى: قولهم: «سليني مما شئت» أي لفاطمة رضي الله عنها، قال: لأن هذا هو الذي يقدر عليه صلى الله عليه وسلم، وما كان أمره إلى الله سبحانه فلا قدرة لأحد عليه، كما في الحديث. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سليني مما شئت» في إشارة إلى هذا الأمر، إلى أن الإنسان يجوز له أن يسأل غيره شيئا يقدر عليه ذلك الغير. للانسان أن يسأل غيره، لاسيما مثل الإبن مع أبيه والأب مع ولده، وكذلك في أمر الاستغاثة في أمر الاستعانة في أمر الدعاء لإنسان يسأل إنسانا شيئا يقدر عليه، بشروطه السابقة إليه، ذكرت في الاستغاثة: أن يكون قادرا، أن يكون حيا موجودا، في أمر ظاهر حسي واعتيادي. فهذا جائز، لذا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «سليني مما شئت» لأن هذا مما أقدر عليه، أما شيئا لا أقدر عليه فلا أغني عنك من الله شيئا. ولا يجوز لإنسان أن يسأل غير الله جل وعلا شيئا لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، لأن هذا من قبيل الشرك، كأن يسأل إنسان إنسانا أن يرزقه الولد أو المدد أو العافية أو الجنة أو ما شابه ذلك، هذا من الشرك الأكبر، لأن هذه الأمور لا يقدر عليها إلا الله رب العالمين جل وعلا. فمن سأل إنسانا شيئا لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا فهذا من السؤال الشركي. فقوله صلى الله عليه وسلم: «سليني مما شئت» كما ذكر، قال: أن هذا هو الذي يقدر عليه، وما كان أمره إلى الله أي وما كان من شيء لا يقدر عليه إلا الله فلا قدرة لأحد عليه إلا الله جل وعلا، كما في هذا الحديث. قال: ولما مات أبو طالب وكان يحوط رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحميه، ولم ينكر ملة عبد المطلب من الشرك بالله. وقال صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك» كما في الصحيحين من حديث المسيب بن حزن وارث سعيد المسيب. فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. إذن المشرك لا تنفعه شفاعة الشافعين، إلا أبو طالب فإنه نفعته شفاعة خاصة، وليس شفاعة مطلقة، شفاعة خاصة من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس شفاعة مطلقة، أي شفاعة خاصة بتخفيف العذاب عنه، لا شفاعة مطلقة بإخراجه من النار وإدخاله الجنة، لماذا؟ لأنه مات على الشرك، والشرك لا يغفره الله جل وعلا أبدا، وصاحبه لا تنفعه شفاعة الشافعين. فلا تخلصه شفاعة الشافعين من عذاب الله جل وعلا، ولا من سخطه، وإنما خص أبو طالب بشفاعة مخصوصة، وهذه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب فقط. قال: فأخبر أن أبا طالب من أصحاب النار، لما مات على غير شهادة أن لا إله إلا الله، فلم تنفعه حمايته للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون من المشركين، ولا الاعتراف بأن النبي صلى الله عليه وسلم على الحق، بدون البراءة من الشرك، لأنه لم يبرأ من ملة أبيه. وكما تقدم معنا مرارا أن من شرط لا إله إلا الله الكفر بما يعبد من دون الله، كما جاء في حديث طارق بن أشيم في صحيح مسلم: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله دخل الجنة». إذن لابد من هذا الشرط، وكفر بما يعبد من دون الله دخل الجنة. بل الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فلا بد من اجتناب الطاغوت. وكما قال الله جل وعلا عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. قال رحمه الله تعالى: فكل تعلق على غير الله من طلب لشفاعة أو غيرها شرك بالله. فكل تعلق ومعنى التعلق أن يتعلق قلب العبد بغير الله جل وعلا، بأن يعلق العبد قلبه بذلك الغير فيلجأ إليه ويعتصم به ويتوكل عليه. وإذا نزل به الضر توجه إليه لا يتوجه إلى الله، وإذا كان كذلك في وقته السراء والنعماء توجه كذلك إلى ذلك الغير. هذا كله من الشرك بالله جل وعلا، ولو كان هذا الغير نبيا مرسلا، بل لو كان جبريل عليه السلام. فكان من الشرك بالله لو علق إنسان قلبه برسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقد أنه له قدرة على النفع والضر وعلى إدخال الجنة وإخراج النار، فإن هذا من الشرك الأكبر. وهل ممكن أن يكون هذا؟ أن يعلق إنسان قلبه بغير الله جل وعلا أو برسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يدخله الجنة أو يباعد وجهه عن النار؟ هذا ممكن، بل واقع. وتأمل إلى قصيدة البوصيري ماذا قال فيها: «يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم». قال: «إن لم تكن في معادي آخذا بيدي فضلا وإلا فقل يا زلة القدم». يعني الآن انظر يقول: «يا أكرم الخلق ما لي سواك أو ما لمن ألوذ به سواك عند حلول أو عند حدوث الحادث العمم». إذا نزلت به المصائب ونزلت به المدلهمات والنكبات والأزمات، رجع إلى من؟ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. «ما لي سواك» ثم قال ماذا؟ «إن لم تكن في معادي آخذا بيدي فضلا وإلا فقل يا زلة القدم». ثم قال: «فإن من جودك الجنة، فإن من جودك الدنيا وضرتها، فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». يعني كما ذكر من ذكر من الأئمة رحمهم الله تعالى كابن كثير وابن رجب وغيرهم من حفاظ، قالوا: إذا كان من جود النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا وضرتها، فماذا أبقى لله رب العالمين جل وعلا؟ يا جماعة، إن كان من جود النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا وضرتها، أي الآخرة، الدنيا والآخرة، هذا من فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا أبقى لله رب العالمين جل وعلا؟ فأشهد من هذا أن هذا الشرك واقع. وذكروا كذلك يعني كما يقال: الشيء بالشيء يذكر، ذكروا كذلك عن بعض هؤلاء القبورية، رجل في زمن من الأزمان، يعني قبل قرون، يقال له عبد الرحيم البرعي، أيضا مليم، يعني مليم له قصيدة أيضا فيها. وكما ذكر من ذكر من العلماء الشرك الصراح منها أنه قال: يعني يقول أيضا، ويعني ملتجئا متضرعا مستغيثا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول بعد أن ذكر أبياتا يقول: «وحل عقدة كرب يا محمد منه، وحل عقدة كرب». رجل عنده عقدة وكرب فيستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا محمد» ماذا؟ «وحل عقدة كرب يا محمد منه». هم على خطرات القلب مضطرد، أرجوك في سكرات الموت تشهد، يعني يريد النبي صلى الله عليه وسلم يشهده متى؟ يا جماعة في سكرات الموت. قال: «كيما يهون إذ الأنفاس في صعد، وإن نزلت ضريحا لا أنيس به فكن أنيس وحيد فيه منفرد». وارحم يعني الآن طب الرحمن من؟ يا جماعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. «وارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن يليه من أجله، وانعشه وافتقد». وإن دعا الآن يدعى، يقول لمن؟ يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم. «وإن دعا فأجبهم، وحم جانبهم من حاسد شامت أو ظالم نكيد». هذا في حق من؟ في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وماذا أبقى الله رب العالمين جل وعلا؟ ولو قصيدة أخرى يقول فيها كذلك: «يا سيدي يا رسول الله، يا أمل، يا موئلي، يا ملاذ يوم يلقان، هبني بجاهك ما قدمت من زلل، جودا ورجح بفضل منك ميزان». رجح ماذا؟ يا جماعة بفضل منك رجح ماذا؟ ميزان. قال: «واسمع دعائي، واكشف ما يساورني من الخطوب، ونفس كل أحزان». هذا من؟ يا جماعة يريد من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «فأنت أقرب من ترجع واطفه، عندي وإن بعدت داري وأوطاني، إني دعوتك من نيابات برع، وأنت أسمع من يدعوه ذو شاني». وأنت أسمع، أي لأن معناه بأن لرسول الله أيش؟ يا جماعة سمع محيط، سمع محيط يسمع أصوات داعيه. وهذا من خصائص من؟ من خصائص الله رب العالمين جل وعلا وحده لا شريك له. وهذا يقول ماذا؟ يقول: «إني دعوتك من نيابة برع، وأنت أسمع». أسمع أفعل تفضيل، هيا يا جماعة ماذا أبقى الله رب العالمين جل وعلا؟ «أنت أسمع ليس فقط تسمع، أسمع من ماذا؟ من يدعوه ذو شاني». قال: «فامنع جنابي، وأكرمني، وصل النسب برحمة وكرامات وغفراني». يريد من؟ من هذا؟ يا جماعة يريدها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله جل وعلا كما سمعتم ومر معنا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لقرابته، بل لأقرب قرابة لفاطمة، وللعباس، ولعمته صفية: «لا أغني عنكم من الله شيئا، أنقدوا أنفسكم من النار، لا أغني عنكم من الله شيئا». وهؤلاء يقولون ماذا؟ المغفرة بيدك، والرحمة بيدك، وتتقي الميزان وترجيح الميزان بيدك، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك من الشرك الصراح والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: فكل تعلق على غير الله من طلب لشفاعة أو غيرها شرك بالله، يكون عليه وبالا في الدنيا والآخرة. والشفاعة لا تكون إلا لأهل الإخلاص خاصة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذلك الأحاديث. والله أعلم، وسيأتي في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى، أي سيأتي مزيد كلام في باب الشفاعة بإذن الله جل وعلا. والشاهد من هذا أن الشيخ