الدرس في التعليق على شرح تفسير كلمة التوحيد 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع كيف انحرفت فرق الجهمية والمعتزلة والحزبيون المعاصرون في فهم «لا إله إلا الله» فجعلوها نفياً للأسماء والصفات أو حاكمية سياسية فقط. وهذا يخالف منهج أهل السنة والجماعة الذي يثبت الصفات ويجعل التوحيد شاملاً للعبادة كلها.
يبين المقطع أن معنى الكلمة عند أهل السنة هو «لا معبود بحق إلا الله» مستدلاً بالآية، ثم يحذر من صرف العبادة للأولياء تحت مسمى السر والولاية مع تعظيمهم والذبح لهم. هذا الانحراف يعد شركاً مبطناً يخالف توحيد الألوهية.
يوضح المقطع أن بعض الناس يمتنعون عن الحلف بالولي كذباً بينما لا يتورعون عن الحلف بالله كاذبين، دليل على رفع منزلة الولي إلى مرتبة الألوهية. وينبه المؤلف إلى خطورة هذا الشرك ويدعو إلى إفراد الله بالتوحيد.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: ففي الدرس الماضي قرأنا شرح الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى على بعض ما جاء في رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تفسير كلمة التوحيد، فوقفنا عند ذكر الشارح حفظه الله تعالى لتفسير العلماء، أو تفسير «لا إله إلا الله» عند بعض أهل الضلال. فأخذنا معنا تفسير علماء الكلام، وأنهم فسروا «لا إله إلا الله» بـ: لا قادرة على الاختراع والخلق والتدبير والإيجاد إلا الله. وأخذنا كذلك تفسير أهل وحدة الوجود، وأنهم فسروها بأنه: لا معبود إلا الله، أي: كل ما عُبد، أو كل ما عُبد في هذه الدنيا فهو الله. وبينا فساد هذين التفسيرين. ثالثًا: تفسير «لا إله إلا الله» عند الجهمية والمعتزلة، وهما فرقتان ضالتان ضلتا في مسائل كثيرة، ومنها في كلمة التوحيد. قال: تفسير «لا إله إلا الله» عند الجهمية والمعتزلة، ومن سار على نهجهم، هو نفي الأسماء والصفات؛ لأن من أثبت الأسماء والصفات عندهم يكون مشركًا، والتوحيد عندهم هو نفي الأسماء والصفات، وهذا هو عين الضلال. فعندهم من أثبت الأسماء والصفات كأهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة يثبتون الصفات كما وردت، كما ورد بها الكتاب والسنة، لا يعطلون ولا يمثلون ولا يحرفون ولا يشبهون. فهؤلاء عندهم التوحيد نفي هذه الأسماء والصفات. منهم من نفى الأسماء والصفات في الجملة، ومنهم من أثبت الأسماء ونفى الصفات، ومنهم من أثبت الأسماء وأثبت بعض الصفات ونفى بعضها الآخر. رابعًا: تفسير الحزبيين والإخوانيين اليوم. الحزبيون هم الذين تحزبوا على باطل، وعلى أصول وقواعد تخالف منهج أهل السنة. فالحزبي هو الذي يخالف أصلًا من أصول أهل السنة والجماعة، سواء أكان في الحاكمية، أو في البيعة، أو في السرية، أو غير ذلك مما هو موجود عند هؤلاء. فيتحزبون على هذه الأصول الباطلة، ويعادون ويوالون من أجلها، هذا هو الحزبي. ويريد بهم طوائف في عصرنا هذا؛ لأنه قال: «اليوم»، فيدخل فيهم السرورية، أتباع محمد سرور زين العابدين، الذين يكفرون الحكام ويخرجون عليهم. ويدخل في هؤلاء القطبية، أتباع سيد قطب، ومنهم السرورية، ومنهم الإخوان المسلمون. ويدخل في هذا أيضًا الإخوان المسلمون، وإن تعددت أسماؤهم، سواء باسم الإصلاح أو باسم غيره. فهؤلاء أيضًا ضلوا في مسألة تفسير «لا إله إلا الله». قالوا: «لا إله إلا الله» أي: لا حاكمية إلا لله. فيفسرون «لا إله إلا الله» بهذا: «لا حاكمية إلا لله». وبناء على هذا جعلوا جل جهدهم، وجعلوا غاية أمرهم الاهتمام بأمر الحاكم. فتحزبوا من أجل ذلك، وأيضًا حثوا وحرضوا الناس على الخروج عليه في خطبهم، وفي محاضراتهم، وفي كتاباتهم، وفي أشرطتهم؛ بأنهم اعتقدوا هذا المعتقد الفاسد: «لا إله إلا الله» عندهم: «لا حاكمية إلا لله». ولذلك ينكرون على أهل السنة اهتمامهم بأمر التوحيد الحق، والاهتمام بدعوة الناس إلى أن يعبدوا الله وحده في الدعاء، وفي النذر، وفي الذبح، وفي الاستغاثة، وفي الاستعانة، وفي الحلف، وغير ذلك مما يدعو إليه أهل السنة؛ لأنه من معنى «لا إله إلا الله». وأذكر مرة كنا في صنعاء، وطلبنا من أحدهم، وهو محمد البيضاني، أن يعمل لنا درسًا في «القول المفيد من أدلة التوحيد». هذا قديمًا، قبل أن تتبين أمورهم، أو قبل أن تتبين أمورهم، فقال لنا: «لا، هذا الكتاب ما هو وقته الآن، الآن الذي نحن بحاجة إليه هو توحيد الحاكمية؛ لأن شرك القبور اندرس، وظهر لنا هؤلاء الطغاة، فينبغي علينا أن ندرس توحيد الحاكمية». فالحمد لله كان من إخواننا من هو متفطن لهذه الأمور، فقال له: «نحن نريد دراسة هذا الكتاب، وما سندرس عندك لا هذا ولا هذا». فغضب، وقال: «لو كان شيخ الإسلام ابن تيمية في عصرنا هذا لما كتب في توحيد القبور، بل اهتم وكتب في توحيد الحاكمية». فانظروا كيف يهولون هذا الأمر، ويجعلون «لا إله إلا الله» بمعنى «لا حاكمية إلا لله». والحكم هو جزء من التوحيد، ليس هو توحيد الألوهية. أهل السنة ما يقولون أن الحاكمية ليست لله، لا، الحاكمية لله، ويحذرون من الحكم بغير الله، بغير شرع الله، وبغير دين الله سبحانه وتعالى. ولكن هؤلاء، لفساد معتقدهم، غلوا في هذا الجانب، جانب توحيد الحاكمية. فذكر ذلك ليتنبه المسلمون. ولذلك تجد هؤلاء الحركيين والحزبيين ما يهتمون بأمر توحيد الألوهية، لا في كتاباتهم، ولا في محاضراتهم، ولا في دروسهم، بل يزهدون من كتب العقيدة، كما قال محمد سرور زين العابدين: «كتب العقيدة التي جاءتنا من السلف الصالح فيها جفاء، فيها جفاء»، تحذيرًا منه لهذه الكتب، أو من هذه الكتب. وبعضهم يقول: «توحيد الألوهية يمكن ندرسه في خمس دقائق، أو في عشر دقائق»، تزهيدًا في هذا الجانب. فالحذر من أمثال هؤلاء. قال: والحاكمية كما يسمونها جزء من معنى «لا إله إلا الله»؛ لأن معناها شامل لكل أنواع العبادات. هكذا يقولون: يقولون الحاكمية شامل لكل أنواع العبادات. فهم يفسرون «لا إله إلا الله» بـ: «لا حاكمية إلا لله». ولذلك بعضهم يقول: أن دعوتنا، أي دعوتهم للسنة، للتوحيد الألوهية، بمعنى أن يدعى الله وحده، وأن يذبح له وحده، وأن يستغاث به وحده، يقولون: هذا من توحيد الحاكمية. كيف قالوا؟ لأن هذا حكم الله. انظروا كيف دخلوا: قالوا: أنت لما تقول للناس: «اذبحوا لله وحده»، هذا الحكم من من؟ من الله. إذن هذا حاكمية، توحيد الحاكمية. أنت حكمت في هذا: الله سبحانه وتعالى وحده. وهم يجعلون توحيد الحاكمية شاملًا هذا في المعنى، لكن في واقعهم وفي مقصدهم يريدون الحاكم وحده. ولذلك ترى في كتاباتهم، وفي محاضراتهم، وفي دعوتهم التركيز على هذا الجانب، جانب الحاكم. فهم خرجوا بهذا عن التفسير الصحيح لمعنى «لا إله إلا الله». فهم لا يقولون: «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله، بل: «لا حاكمية إلا لله». وهم يجعلون هذا اللفظ شاملًا، وهذا خلاف ما عليه أهل الحق، أهل السنة والجماعة، كما سيأتي. قال الشارح: فنقول لهم: وأين بقية العبادات؟ أين الركوع والسجود والذبح والنذر وبقية العبادات؟ لما تقولون: «لا حاكمية إلا لله»، أين بقية الأمور؟ قال: هل العبادة هي الحاكمية فقط؟ إذا كان معناها عندكم الحاكمية فقط، وأين ما تنفونه من أنواع الشرك؟ يا سبحان الله، ينبغي التنبه لهذه الأمور؛ لأن هذه كلمة عظيمة هي المنجية من النار لمن حققها، وكل الدين ينبني عليها من أوله إلى آخره، ودعوة الرسل والكتب المنزلة كلها مبنية على هذه الكلمة. فإذا يحذر المسلم من أن يفسر هذه الكلمة بغير تفسيرها الصحيح، بل ينبغي عليه أن يفسرها بتفسيرها الصحيح الذي عليه أهل الحق، أهل السنة والجماعة، وأن يعلم معناها، وأن يعلم ما يغضها هذه الكلمة، وما يخدش في هذه الكلمة، وما ينقض هذه الكلمة. خامسًا: تفسير أهل السنة والجماعة: أن «لا إله إلا الله» معناها: لا معبود بحق إلا الله. لأن المعبودات كثيرة، فلا بد من إضافة كلمة «بحق»؛ لأن هناك من يعبد من دون الله عز وجل، لكن عبادته بباطل، فلا بد من الإتيان بكلمة «بحق». قال: ولكن المعبود بحق هو الله وحده، وما سواه فعبادته باطلة، كما قال الله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ وأن ما يدعون من دونه هو الباطل. فكل ما عُبد من دون الله سبحانه وتعالى فقد عُبد بباطل. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في متن رسالته: «فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا: السر والولاية». قال الشارح الفوزان حفظه الله: أن يعتقدونها في الأولياء. العامة العامة يعتقدون الألوهية، أي: العبادة، في أوليائهم، وهذه هي عبادة السر، عبادة السر، أي: عبادة القلب. فإن هؤلاء قد عظموا الأولياء في قلوبهم تعظيمًا، ربما كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ﴾. فهذا هو معنى قول العامة: «السر والولاية»، «السر والولاية». فهم يعتقدون في هذه الأولياء من التعظيم، ومن كذلك الإجلال، ومن الخوف، وإلى غير ذلك. ولذلك تجدهم حتى إذا رأوا الباطل بأعينهم من قبل هؤلاء ممن يسمونهم بأولياء، يلتمسون لهم الأعذار، يلتمسون لهم الأعذار؛ لأنهم جعلوهم بمنزلة الإله. فيقولون: الإله، وإن رأيت بعينك ما هو باطل، وما هو كذلك منكر، لا تظن فيه هذا الظاهر، ظن فيه ظنا حسنا. حتى لو رأيته يزني، أو رأيته يركب على دابة، أعزكم الله، فلا تأخذ هذا الفعل على الظاهر، لا تأخذه على الظاهر. هناك مقولة عند بعض أهل القرى الذين يعظمون هذه الأولياء، يقولون: «إذا رأيت تعكيس فلا يغرك إبليس». «إذا رأيت تعكيس فلا يغرك إبليس». إيش معنى هذا الكلام؟ يعني: إذا رأيت من هذا الولي أمر منكر، ليس من الفطرة، بل هو معاكس للفطرة، لا يغرك إبليس، وتترك هذا الولي لأنه وقع في هذا المنكر. لا، لا يزال هذا ولي، وهذا المنكر ورآه أشياء أنت ما تعلمها. بل أن بعضهم أنكر لما رأى هذا الولي يركب على دابة، أعزكم الله، فأنكر، قال: «كيف هذا يفعل هذا؟» قال لهم: «أسكت، أما تدري أن هذا الآن ينقذ سفينة كادت أن تغرق بهذا الفعل، الآن ينقذ سفينة كادت أن تغرق». سبحان الله، وهذا معنى المقولة المتقدمة، معنى المقولة المتقدمة: «إذا رأيت تعكيس فلا يغرك إبليس». لا تقول: هذا فعله، وهذا فعله، لا، ظن فيه ظن حسن. فهذا هو معنى التي تسميه العامة: «السر والولاية»، كما قال هنا الشارح: أن يعتقدونها في الأولياء، أي: الألوهية، يعتقدون في الأولياء، ويقولون: إن هذا الولي فيه سر، وفيه ولاية، فيتقربون إليه بالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة؛ لأنه فيه سر، وفيه ولاية، وفيه ولاية. ولذلك يعظمون، وكذلك يخافون منهم كتعظيمهم لله، وكخوفهم منهم، بل ربما أعظم من خوفهم من الله سبحانه وتعالى. ربما أحدهم إذا قلت له في أمر هو كاذب فيه: «احلف بالله»، لحلف بالله وهو كاذب. لكن إذا قيل له: «احلف بالولي الفلاني»، ما يحلف، ما يحلف بالولي الفلاني. هان عليه الحلف بالله عز وجل كاذبًا، ولم يهن عليه الحلف بوليه كاذبًا. فانظروا كيف هؤلاء جعلوا الألوهية لهؤلاء الأولياء، وعظمون، وعظمون، وهكذا جعلوهم بمنزلة الإله، سبحانه وتعالى. فهذا مما أراد التنبيه عليه المؤلف رحمه الله تعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى عنا. الله أكبر، الله أكبر، شررا شررا