شرح الجوهرة الفريدة 3

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 3، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

البراءة من الجهمية وأهل الجدل ومخاطر الجدل في الدين

يتحدث عن براءة المؤلف من الجهمية وأهل الجدل، ويشرح خطر الجدل في الدين وآثاره السلبية. كما يبين أن أهل السنة يحذرون من الجدل والخصومات في الدين.

حكم مناظرة أهل البدع والمجادلة معهم والآداب الشرعية لذلك

يناقش حكم مناظرة أهل البدع والمجادلة معهم، ويشير إلى أن الأصل هو عدم مناظرتهم إلا إذا رأى المناظر مصلحة في ذلك. يستدل بآية ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ ويحذر من الجدال الذي يؤدي إلى الضلال.

التحذير من فرق الضلال كالجهمية والمشبهة وعقائدهم الباطلة

يناقش مذهب الجهمية الذين عطلوا أسماء الله وصفاته، والمشبهة الذين مثلوا صفات الخالق بصفات المخلوقين. يحذر من هذه العقائد الباطلة التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله.

الرد على المعطلة الجهمية وإثبات أسماء الله وصفاته من الكتاب والسنة

يتم الرد على المعطلة الجهمية من خلال نفي المثلية عن الله تعالى باستخدام الآيات القرآنية وإثبات الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة. يستخدم الآيات مثل ﴿ليس كمثله شيء﴾ و﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى- في منظومته «الجوهرة الفريدة»: «قال والله لست بجهمي أخا جدل، يقول في الله قولا غير ما يريد، كذبوا بأسماء الإله وأوصاف له، بل لذات الله قد جحدوا». بعد أن تبرأ المؤلف -رحمه الله تعالى- من الأهواء وأهل البدع وبدعهم على وجه الإجمال، تبرأ -رحمه الله تعالى- على وجه التفصيل فتبرأ هنا من الجهمية، فقال: «والله لست بجهمي». وهذا فيه البراءة من عقيدة الجهمية ومن مذهب الجهم بن صفوان، وهو رأس الجهمية الذي أظهر بدعة التجسيم والتعطيل، أو أظهر بدعة التعطيل. وهكذا قال في الله -جل وعلا- أقوالا باطلة. فتبرأ -رحمه الله تعالى- من مذهب الجهمية الذين هم أهل جدل، فالجهم بن صفوان كان صاحب جدل، حتى إنه قد جادل مرة في وجود الله -جل وعلا-، جادله بعض الضالين في وجود الله -جل وعلا-، فترك الجهم الصلاة أربعين يوما، ترك الجهم الصلاة أربعين يوما شاكا في وجود الله بسبب مناظرته لذلك الملحد. وهذا يدلنا على خطر الجدل على أصحابه، فالجدل مذموم، ولذلك حذر النبي -عليه الصلاة والسلام- من الجدل. قال -عليه الصلاة والسلام-، كما في حديث أبي أمامة عند أبي داود، صححه العلامة الألباني -رحمه الله- قال -عليه الصلاة والسلام-: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا». بمن ترك المراء -يعني الجدال-. وهكذا قال -عليه الصلاة والسلام-: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ولذلك كتب أهل السنة طافحة بالحذر من الجدال في الدين والخصومات. فإذا نظرت في كتب السلف، كتب العقيدة، كتب المناهج، تجد هذا الأصل وهو ترك الجدل والخصومات في الدين؛ لأن الجدل -والعياذ بالله- سبب للنزاعات وسبب للشقاقات وغير ذلك، إلا بحق وهو في ظروف ضيقة وفي أحوال معينة. هذا الإمام مالك -رحمه الله- يأتيه الرجل ويقول له: يا إمام ناظرني، فيقول له: لا. يا إمام ناظرني، يا إمام ناظرني، يريد أن يناظر الإمام مالك -رحمه الله- إمام دار الهجرة للمدينة، ومع هذا يقول له: لا. حتى لما رآه يكرر هذا، قال له: فإن غلبتني قال تتبعني، قال: فإن غلبتك قال أتبعك، قال: فإذا جاء آخر وغلبنا قال اتبعه، قال: اذهب، فأنت تتنقل، أنت تتنقل، ليست لك أصول تسير عليها وثابتة، وإنما مع كل أحد. ومعنى هذا أن هذا الإمام -رحمه الله- بين له أن الجدال ليس من طريق أهل الحق والأئمة، ما حفلت بينهم من مجادلات ومناظرات، إنما دعوا إليها وألزموا بها، ألزم الأئمة -مثل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وغيره من أئمة أهل الإسلام- لمناظرة أهل البدع. وإلا فقال: لا، لا يريدون التناظر مع أهل البدع، لكن هذا الباب من ناظر فيه من أهل العلم، فإما لمصلحة رآها من المناظرة والمجادلة، وإلا فالأصل عندهم عدم مناظرة أهل البدع وعدم مجادلة أهل البدع، إلا من رأوا فيه خيرا، فبينوا له بالدليل الشرعي. وذلك حتى مع الكفار، ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾. بعضهم العلم أنه يرى أن آية السيف ناسخة للجدال مع الكفار، فلا جدال معهم، وإنما الدخول في الإسلام، وإما الجزية -أي يدفعوا الجزية- وإما القتال، كما يرى بذلك قتادة وغيره من أهل العلم. لكن الصواب أن الآية ليست منسوخة، وإنما هي باقية إلى يوم القيامة، وأن المجادلة مع أهل الكتاب قائمة، من علم من أهل الكتاب أنه يريد الحق ويريد أن يتعرف على الدين، وعنده شيء من الشبه، فلا بأس أن يجادل في هذا، ولكن الجدال بالتي هي أحسن. فإذا حصل الجدال فيكون بالتي هي أحسن، حتى مع المخالف، حتى مع الكافر، ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾. وهذا مع من يظن أنه ينتفع بهذا الجدال وينتفع بمثل هذا. أما أهل التعصب، وإما أهل الشبه الذين إنما يريدون بث الشبه بين الأمة لتظهر وتنتشر، وعلموا أن ذلك لا يتأتى إلا من خلال من يناظرهم، فينتشر ذلك، وربما من الناس من لم يعلم ذلك فيعلم، فلهم مكر في هذا، فلذلك هل العلم ينتبهون لأهل البدع في هذا الباب فلا يجادلون. فالجدال مذموم في دين الله -جل وعلا- إلا إذا كان بحق، فله أوقات معلومة وأوقات مضيقة، ولمصالح رآها ذلك المناظر من أهل السنة. أما من يظن أن المناظرة من منهج أهل السنة، هو يستعرض العضلات: من سيأتي من يناظر؟ يأتي من كذا، من كذا، هذا ليس من أهل السنة. عند العوام يقولون: الله، هذا الشجاع، هذا فعلا هذا العالم، انظروا كيف يتحدى، مثلا. ليست -يعني- هي تحدي وغير ذلك، لا، الأمر دين، والأمر اتباع. فالمجادلة لها ظروف ضيقة وأحوال معروفة عند أهل السنة والجماعة، تبعا لنصوص الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة. فحذر -رحمه الله تعالى- من الجهمية الذين هم أصحاب جدل، وبسبب جدالهم وقعوا في الضلال العظيم. والجهمية في باب الإيمان مرجئة، الجهمية في باب الإيمان مرجئة، وفي باب القدر جبرية، وفي باب الأسماء والصفات معطلة، فهم معطلة، وهم جبرية، وهم كذلك مرجئة. فالجهم بن صفوان عطل الأسماء والصفات، والجهمية على نوعين: غلاة وغير غلاة. فالغير غلاة هم المعتزلة، فهم جهمية لتعطيلهم الصفات وإثباتهم الأسماء، ومنهم من حتى عطل الأسماء. والجهمية الغلاة هم الذين عطلوا الأسماء والصفات. فقال -رحمه الله تعالى-: «والله لست بجهمي أخا جدل، يقول في الله قولا غير ما يريد، يكذبون بأسماء الإله وأوصاف له، بل لذات الله قد جحدوا». يعني عطلوا الأسماء والصفات، حتى الذات لم يثبتوها لله -جل وعلا-. فالجهمية إنما يثبتون وجودا مطلقا بشرط الإطلاق، وهذا الوجود الذي يثبته الجهمية لا وجود له في الواقع، وإنما هو في الأذهان، لا يمكن أن يكون الشيء موجودا بشرط الإطلاق، معناه موجود ولا وجود له في الواقع، فإذا إنما هو وجود في الأذهان، فهذا غاية التعطيل، غاية التعطيل الذي وقع فيه الجهمية. وقد تقدم معنا في دروس تقريب التدمرية مذهب الجهمية، والمراد بقولهم: موجود بشرط الإطلاق. فقالوا في الله قولا غير ما يريدوا، فهذا الجهم يقول: الله -جل وعلا- سميع بلا سمع، ويقول: عليم بلا علم، وبصير بلا بصر، وقدير بلا قدرة. فكل هذا التعطيل. ومر أعرابي ذات مرة والجهم يقرر هذه القضية، وهي قضية التعطيل، فلما سمع هذا الأعرابي الجهم يقول هذا الكلام، ارتجز قصيدة فأنكر فيها على الجهم، فقال: ألا إن جهما كافر قد بان كفره، ومن قال يوما قول جهم فقد كفر، لقد جن جهم إذ يسمي إلهه سميعا بلا سمع، بصيرا بلا بصر، جوادا بلا جود، عليما بلا علم، خبيرا بلا خبر. أيرضيك يا جهم أن لو قال: يا جهم قائل أبوك امرؤ حر خطير بلا خطر، خطير بلا خطر، جواد أو قال وفي بلا وفا، رضي بلا رضا، طويل بلا طول يخالفه القصر، حليما بلا حلم. وفي حليم بلا حلم، وفي بلا وفا، طويل بلا طول. طيب، ثم قال -رحمه الله تعالى-: وفي بلا وفا فبالعلم موصوف، وبالجهل مشتهر، أمدح تراه أم هجاء وسبة وهزأ، كفاك الله يا أحمق البشر، فإنك شيطان بعث لأمة تصيرهم عما قريب إلى سقر. فأنكر عليه هذا الأمر، وهذه العقيدة الباطلة، وهي عقيدة التعطيل. عليم بلا علم، كيف يكون عليما وهو بلا علم؟ كيف يسمى عليما وهو غير موصوف بعلم؟ كيف يسمى بصيرا وهو غير موصوف ببصر؟ كيف يسمى قديرا وهو غير موصوف بقدرة؟ كيف يسمى حليما وهو غير موصوف بحلم؟ فهذه عقيدة الجهمية الذين عطلوا أسماء الله -جل وعلا- وصفات الرب -سبحانه وتعالى-، وقالوا في الله -جل وعلا- أقوالا باطلة تخالف كتاب الله وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فعطلوا الأسماء وعطلوا الصفات، بل حتى جحدوا ذات الرب -جل وعلا-. وهذا مذهب باطل بنصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف. ثم قال هنا -تعالى-: «كلا ولست لربي من مشبهة، إذ من يشبهه معبوده جسده». وهنا فيه الإنكار من الممثلة، المشبهة الذين مثلوا صفات الخالق بصفات المخلوقين. والممثلة هؤلاء منهم الرافضة، أتباع هشام بن الحكم الرافضي، ومنهم الكرامية، أتباع محمد بن كرام، ومنهم كذلك السالمية، أتباع محمد بن سلام. هذه فرق مثلت صفات الخالق بصفات المخلوقين، كانوا يقولون: لله -جل وعلا- يد كأيدينا، ووجه كوجوهنا. فهم بهذا إنما يعبدون جسدا. ولذلك صدق من قال: المعطل يعبد عدم، والممثل يعبد صنما، ويعبد جسما، وجسدا. فحذر -بعد أن حذر من المعطلة- حذر من مذهب أهل التمثيل الذين مثلوا صفات الخالق وصفات المخلوقين. والأدلة كثيرة في الرد عليهم: ﴿ليس كمثله شيء﴾، فلا تضرب لله الأمثال، فلا تجعل الله أندادا، ﴿هل تعلم له سمية﴾، ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. فكل هذه النصوص تنفي المثلية عن الله -جل وعلا-. والرد على المعطلة الجهمية إثبات ما ثبت من الأسماء والصفات الكثيرة في الكتاب والسنة. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.