الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 98، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
المانع هو حكم وضعي ينتفي به الحكم، وهو نوعان: مانع يمنع من الابتداء والدوام، ومانع يمنع من الابتداء فقط. يُشرح ذلك من خلال أمثلة مثل الكفر والحدث.
يُفصل الفرق بين الموانع التي تمنع العمل ابتداءً ودوامًا، وتلك التي تمنع ابتداء العمل فقط. يُوضح ذلك من خلال أمثلة متعددة مثل الإحرام والنكاح وكفارة الظهار أو القتل الخطأ.
يُصنف الموانع التي تمنع صحة الأعمال والأحكام إلى نوعين: مانع تحت قدرة المكلف ومانع ليس تحت قدرته، مع تقديم أمثلة على كل نوع لتوضيح الفروق بينهما.
تم ختام الدرس بالتأكيد على وجود مانع ليس تحت قدرة المكلف، مع الإشارة إلى أن هذا الموضوع سيتم تناوله في الدرس اللاحق، واختتم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، ولهم ما بعد. فقد كان آخر الكلام عند قول الناظم رحمه الله تعالى: «وما به ينتفي حكم فمانعه وعكسه سبب يدريه مجتهد». في هذا البيت ذكر رحمه الله تعالى حكمين وضعيين: الحكم الأول المانع، الثاني السبب. المانع حكم وضعي، والسبب والشرط كما سيأتي، والصحيح والباطل، كل هذه أحكام وضعية. وتقدم معنا أن المانع في اللغة: المنع من منع يمنع منعًا. ويعرفه الأصوليون بأنه: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. وهكذا هي تعاريف المنطقيين، فيها شيء من التعقيد. وإلا كما ذكر هنا الناظم رحمه الله هذا التعريف السهل للمانع، قالوا: «ما به ينتفي حكم فمانعه» هذا سهل ويسير. المانع ما ينتفي به الحكم، كلمات يسيرة وسهلة وقليلة. لكن تعريف أهل الأصول الذي عليه عامة أهل الأصول: «ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته»، مطول. وهو معنى هذا الكلام: ما يلزم من وجوده العدم، يعني إذا وجد انتفى الحكم. إذن يكفي في هذا أن نقول كما قال الناظم رحمه الله تعالى: المانع هو الذي ما به ينتفي الحكم. المانع يمنع الحكم، ينفي الحكم إذا وجد. مثال ذلك: إذا وجد الحائض منع الصلاة، لا تصلي الحائض لماذا؟ لوجود مانع. فلما وجد هذا المانع انتفى الحكم. وجود النفاس، النفاس مانع. وجود الرضاع، الرضاع مانع من النكاح. الرق مانع من الإرث، اختلاف الدين مانع من الإرث. وهكذا، فيلزم من وجوده العدم، يعني إذا وجد المانع ينتفي الحكم. وتقدم معنا أن المانع على نوعين: مانع يمنع من الابتداء والدوام، ومانع ابتداء فقط. مثال الكفر مانع، الكفر مانع من قبول الطاعات ومن قبول النفقات والصدقات على الابتداء والدوام. لا يقبل من كافر أي عمل. ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله﴾، قبول هذه الأعمال وهذه النفقات ممتنع. من الذي جعلها ممتنعة غير مقبولة؟ الكفر، فهو مانع من قبول نفقات الكفار وبرهم بوالديهم وإحسانهم إلى جيرانهم. كل هذه الخصال من خصال الخير، لكن إذا فعلها الكافر لا تقبل منه لوجود مانع وهو الكفر. فالكفر مانع ابتداء ودوامًا، لا يمكن أن يصح وأن يقبل من كافر أي عمل لوجود هذا المانع، فهو مانع ابتداء ودوام. كذلك أيضًا الطهارة شرط للصلاة، النجاسة والحدث، الحدث مانع يمنع صحة الصلاة ابتداء ودوامًا. إنسان أراد أن يصلي وهو محدث، يقول: لا تصح الصلاة لوجود المانع وهو الحدث، لا تصح ابتداء، لا يمكن أن تصح الصلاة ما دام أنه محدث. وهكذا لا تصح دوامًا، بمعنى أنه مثلًا إذا صلى على طهارة، لكن أحدث أثناء الصلاة، أحدث أثناء الصلاة، تقول: تبطل الصلاة، تبطل الصلاة لماذا؟ يوجد هذا المانع وهو الحدث، فهو يمنع صحة هذه الصلاة ابتداء ويمنع صحتها دوامًا. ولو ابتدأ الصلاة بطهارة، لكن حدث الحدث بعد ذلك، تبطل الصلاة. فهذا المانع يمنع صحة العمل ويمنع قبول العمل وصحة العمل ابتداء ودوامًا. الرضاع كذلك من الموانع التي تمنع العمل ابتداء ودوامًا. يريد أن يتزوج أختها من الرضاعة، ابتداء لا يصح لوجود الرضاعة مانع صحة النكاح. تزوجها لا يدري أنها أخته، لكن بعد سنوات يبطل هذا النكاح، يبطل هذا النكاح ويلغى لوجود المانع وهو الرضاع. ومانع يمنع صحة هذا العمل ابتداء ودوامًا. وهكذا الرق مانع ابتداء ودوامًا من الإرث، ماذا؟ الرق موجود. وهكذا اختلاف الدين، وقتل المورث، وهكذا، فهذه موانع تمنع قبول العمل ابتداء ودوامًا. لكن هناك موانع تمنع الابتداء ولا تمنع الدوام، تمنع الابتداء ولا تمنع الدوام. مثال المحرم، لا يجوز له أن يتطيب إذا أحرم بالعمرة، لبس الإحرام، لا يجوز له أن يمس طيبًا ابتداء، يحرم عليه. لكن لا يمنع دوام هذا الطيب، دوام هذا الطيب لا يمنع الإحرام. مثلا تطيب قبل أن يحرم، قبل أن يحرم تطيب، ثم أحرم وبقي الطيب ينفح منه، بقي الطيب، نقول: بقى هذا الطيب، ودوام هذا الطيب لا يمنع هذا الإحرام ويلغيه. لأنه إنما يمنع الابتداء، ابتداء الطيب حال الإحرام. وأما استدامة الطيب ودوام الطيب بعد الإحرام فلا شيء في ذلك. وقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «إني لأنظر إلى الطيب في مفرق رسول الله عليه الصلاة والسلام» يعني بعد الإحرام. وكان عليه الصلاة والسلام يتطيب قبل الإحرام، ويبقى الطيب بعد ذلك. بل الوبيس، اللمعان من الطيب، ما له لمعان، وبيس بريق، يبقى دوام هذا الطيب لا يمنع الإحرام لأنه مانع للابتداء فقط، وليس للدوام. كذلك مثل المحرم إذا أراد أن يخطب، أن يخطب أو يتزوج، أراد أن يتزوج وهو محرم، لا يجوز، لا يجوز أن يتزوج وهو محرم أو يخطب وهو محرم، يخطب امرأة وهو محرم. لكن هذا الرجل مثلًا طلق امرأته، طلق زوجته وزوجته في العدة، زوجته في العدة أحرم للحج والعمرة، أراد أن يراجع زوجته حال إحرامه، أراد أن يراجع زوجته وهو محرم، هل هذه الرجعة تبطل إحرامه؟ لا، لأن هذه استدامة وليست عقد نكاح ابتداء. فلو أن يرجع زوجته وهو محرم، لكن لا يجوز أن يبدأ النكاح ابتداء، النكاح ممنوع لوجود المانع وهو الإحرام. لكن دوام النكاح، كان يراجع زوجته، فهذا لا شيء فيه. مثال ثالث: شخص عليه كفارة الظهار، إعتاق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم، أو عليه كفارة قتل خطأ، تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين إذا لم يستطع إعتاق الرقبة. هذا الشخص يستطيع أن يعتق رقبة، عنده مال ويستطيع أن يعتق رقبة والرقبة موجودة، قال: لا أصوم شهرين متتابعين، أصوم شهرين متتابعين، نقول: لا يجوز، لا يجوز ابتداء الصيام إلا بعد العجز عن إعتاق الرقبة. طيب ما استطاع أن يعتق رقبة، غير مستطيع على إعتاق الرقبة، ابتدأ في الصيام شهرين، بدأ في الصيام، ثم جاءه مال، صار غنيًا، عنده مال يستطيع أن يعتق الرقبة وهو قد شرع في الصيام، هل هذا يبطل صيامه؟ عليه أن يلغي صيامه وأن يعتق الرقبة ما دام أنه قد وجد المال، صار مستطيعًا. الجواب: يستمر على صيامه، لأن المانع من ابتداء الصيام إنما هو عدم الاستطاعة، أو المانع على عدم صحة الابتداء في الصيام عند القدرة على إعتاق الرقبة، فهو مانع للابتداء وليس مانعًا للدوام. معنى: إذا لم يستطع وجرع في الصيام، يستمر في الصيام لأن المانع إنما هو للابتداء، ما دام ابتدأ ما يستطيع إعتاق رقبة وشرع في الصيام، وبعد ذلك استطاع يبقى على الصيام. لكن إذا شاء أن يقطع صيامه وأن يعتق رقبة هذا له، لكن لا نلزمه، قال الله: خلاص أنا وجدت المال الآن، إنما شرعت في الصيام لعدم استطاعتي على إعتاق الرقبة، لكن الحمد لله عندي مال، أبطل الصيام ولا أصوم شهرين متتابعين، ولا أكمل، أعتق الرقبة والمال الحمد لله موجود الآن، نقول له: ذلك. لكن نقول: إنه لا يبطل صيامه ما دام استطاع، لا. لأن عدم صحة الصيام لمن عليه كفارة الظهار أو كفارة القتل الخطأ إنما لا يصح ابتداء، لا يصح ابتداء ما دام مستطيعًا. أما مع عدم الاستطاعة فلا شيء في ذلك. فهذا مانع يمنع قبول العمل ابتداء لا دوامًا. فإن المانع على نوعين: مانع لقبول العمل ولصحة العمل ابتداء ودوامًا، ومانع يمنع قبول العمل، صحة العمل ابتداء لا دوامًا. وهذا المانع هو على نوعين أيضًا: مانع تحت قدرة المكلف، ومانع ليس تحت قدرة المكلف. مانع تحت قدرة المكلف، بمعنى أنه يستطيع أن يتخلص منه، أن يتخلص من هذا المانع، فتقبل منه أعماله ويصح، تصح الأحكام في حقه، فهو مانع تحت قدرة المكلف. مثال الكفر، الكفر مانع يمنع قبول الأعمال، تحت قدرة المكلف، يستطيع أن يتخلص من الكفر، يدخل في الإسلام، فتقبل منه الأعمال تحت قدرة المكلف. كذلك مثلًا رجل أراد أن يتزوج بامرأة، ببنت، لكن هذه البنت الرجل قد تزوج خالتها أو قد تزوج عمتها، زواجه من عمة هذه البنت، وزواجه من خالة هذه البنت مانع من صحة نكاحه بالبنت. لكن هذا المانع هل هو تحت قدرة المكلف؟ نعم تحت قدرة المكلف، ماذا يفعل؟ يطلق الخالة، يطلق الخالة ويطلق العمة، وتزوج تلك البنت. هذا من باب الأحكام، ما نحرض على هذا، لكن هذا على سبيل المثال، أن الزواج بخالة البنت أو بعمة البنت مانع من الموانع التي تمنع صحة نكاح الرجل بتلك البنت، وهو مانع تحت قدرة المكلف، بمعنى أنه يستطيع أن يتخلص منه بأن يطلق العمة والخالة. فإذا أراد أن يتزوج بالبنت نعم. وهو قد دخل بأمها، الدخول بالأم، الدخول بأم البنت يمنع صحة النكاح بالبنت، مانع. لكن هذا المانع تحت قدرة المكلف، يستطيع أن يتخلص منه إذا لا يتزوج البنت، لا يدخل بالأم، عقد عقد النكاح على الأم، لكن بعد هذا تزوج بالبنت، قالوا: البنت أجمل من أمها، كيف أسوي الآن؟ أنا عقدت عقدًا بالأم، نقول: هو مانع يمنع من صحة النكاح بالبنت، لكن مانع تحت قدرة المكلف. بمعنى أنه إذا أراد أن يتزوج لا يدخل بالأم، أما البنت بمجرد عقد النكاح تحرم الأم، بمجرد عقد النكاح بالبنت تحرم الأم، لكن الأم لا تحرم بمجرد عقد النكاح لا، وإنما تحرم بالدخول. ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾، حلال أبنائكم الذين من أصلابكم، الآية. هذه موانع تحت قدرة المكلف، ذكرنا لها أمثلة، وهناك أمثلة أخرى. وبقي المانع الذي هو ليس تحت قدرة المكلف، لكن قد انتهى الوقت، إن شاء الله في درسنا اللاحق نذكر ذلك. صلى الله عليه وسلم وبارك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.