الدرس في شرح فتح المجيد 27، ألقاها
شرح كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في توجيه حديث عتبان بن مالك، حيث بين أن قول لا إله إلا الله على وجه الكمال يحرم على النار، وأن التوحيد يمحي الذنوب. من قالها مخلصا من الشرك الأكبر دون الأصغر فإن هذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات.
يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية كيف أن الذنوب والمعاصي تؤثر على درجات أهل الجنة وتضعف من نور كلمة التوحيد، وقد تؤدي إلى دخول النار إذا لم يتغمدهم الله برحمته. كما يحذر من التهاون في الذنوب لأنها قد تكون سببا للكفر والعياذ بالله.
الذنوب والمعاصي تظلم القلب وتضعف قول لا إله إلا الله، وتؤدي إلى الكفر والعياذ بالله، وتجعل الإنسان كالنائم أو المجنون، ولا يقبل الله تعالى من الإنسان قول الخير إذا لم يصدقه عمله.
بسم الله والحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الجنة والنار حق. مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما هو؟ أنهما موجودتان الآن، معدتان، وأنهما أبديتان أزليتان لا تفنيان ولا تبيدان، لا تفنيان ولا تبيدان، خلافا لمن؟ المعتزلة، قالوا: إنها غير موجودة الآن. وخلافا للجهمية الذين قالوا: إنها تبيد وتفنى، تبيد وتفنى. وجاء عن بعض المعتزلة كالعلاف أنه أتى بقول غريب، قال: إن حركات أهل الجنة وحركات أهل النار تقف في زمن من الأزمنة فلا يتحركون. وهذا كما قيل: قول أضحك عليه العقلاء. وذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في "الشافية الكافية". أبينا سفه عقل هذا الرجل، كيف قال هذه المقالة؟ أليس تدل على ماذا؟ على أنه لم يتصور ما يقول، ولا يدري ما خرج من رأسه. طيب، بعض أو قبل ذلك، أن نذكر معنا أثر أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، الذي فيه أن عيسى عليه السلام روح من الأرواح التي ألقيت على مريم. وذكرنا أن هناك لفظة في هذا الأثر انتقدها بعض أهل العلم، فما هي هذه اللفظة؟ أن الروحة دخلت من فيها، أن الروحة دخلت من فيها. وصاب أنها من الفرج، دخل من الفرج. ما الدليل؟ ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. فنفخنا فيه من روحنا. طيب يا جماعة، فهذا يدل على أن النفخ كان كما ذكر في الفرج، ولم يكن في الفم، ولم يكن في الفم. وكما ذكر العلماء، وذكر المفسرون: أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب درعها، نفخ في جيب درعها. فخرجت النفخة أو دخلت النفخة في ماذا؟ في فرجها. نفخ في جيب درعها. معروفة يا جماعة، جيب الدرع الذي يكون تحت الصدر أو الذي يكون في الصدر. نفخ في جيب درعها، فكانت النفخة في ماذا؟ فكانت النفخة أو فانطلقت الروح، وكانت الروح بتلك النفخة، فدخلت في الفرج، فكان الحمل، فكان الحمل. واضح هذا يا جماعة أم لا؟ طيب، نواصل ما تقدّم معنا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي فيه توجيه لحديث عتبان بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. طيب، توقفنا أمس عند قوله رحمه الله تعالى: قال «وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذا الإخلاص، وهذه التوبة، وهذه المحبة، وهذا اليقين، لا يتركون له ذنبا إلا محي عنه، كما يمحو الليل النهار». قال: «فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له، ويحرم على النار». ووضح هذا يا جماعة: إذا كان مبتعدا من الشرك الأكبر بقلبه وجوارحه ولسانه، وكان محققا للتوحيد كذلك بلسانه وقلبه وجوارحه، كان هذا كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هذا الصنف من الناس غير مصر على ذنب أصلا. وهذا يغفر له من ذنوبه، وتحرم عليه النار، وتحرم عليه النار لهذا المعنى. ووضح هذا يا جماعة: لا، وإن فعل أو وقعت منهم ما وقعت من الخطايا والذنوب، فإنه لم يصر على تلك الذنوب، بل حصلت منهم على حين غفلة، وعلى حين غرة، كما يقول بعض أهل العلم. ولكن التوحيد الذي ملأ قلبه، والخلوص من الشرك كذلك، الذي صار سجية له في قوله وعمله، ظاهرا وباطنا، كان سببا لماذا؟ لإحراق ما قدّم من الذنوب. فيكون خالصا من ذنوبه بسبب توحيده، ويكون ذلك التوحيد سببا لتحريمه عن النار، أو من النار، لتحريمه من ماذا؟ من النار. فهذا كذلك يكون معنى من معاني حديث عتبان بن مالك، وتوجيه لحديث عتبان بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. قال رحمه الله تعالى: «وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأتي بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات». وعلى هذا عمل أهل العلم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وإن قالها على وجه، أي قال: لا إله إلا الله، على وجه خلص به من الشرك الأكبر، الذي هو أعظم الذنوب وأكبر الظلم». قال: «دون الأصغر، أي: اغترف شيئا من الشرك الأصغر، وقع في شيء من الشرك الأصغر». والشرك الأصغر كما تعلمون: لا يكاد يسلم منه إلا من عصمه الله. تعلمون: من الشرك الأصغر يسير الرياء، من الشرك الأصغر يسير الرياء. ومن يسلم من الرياء إلا من سلمه الله؟ نسأل الله عز وجل سلامه. فالحاصل: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: «وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأتي بعدها بما يناقض ذلك، أي: بقيت لا إله إلا الله على أصلها الذي قاله أول مرة». وهو من قال: لا إله إلا الله، كما جاء في بعض الرواية: «يبتغي بها وجه الله». وكما جاء في بعض الرواية: «خالصا بها قلبه». وقال في بعض الرواية: «مستيقنا بها». واضح يا جماعة، لجا عن جماعة من الصحابة هذا المعنى. وهي تدل على معان متقاربة من أن لا إله إلا الله: لابد فيها من إخلاص، ولا بد فيها من يقين، ولا بد فيها من تصديق، إلى غير ذلك من معاني الذي تتضمن مقتضى العمل بلا إله إلا الله. فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إن قالها على وجه خالص به من الشرك الأكبر دون الشرك الأصغر، ولم يأتي بعدها بما يناقض ذلك، أي: من الشرك الأكبر». واضح يا جماعة، لا. قال: «فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، لا يقاومها شيء من السيئات». لأنها كلمة التوحيد، ولأنها حسنة التوحيد. ولا يبقى مع اسم الله عز وجل شيء، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في قصة صاحب البطاقة، في قصة صاحب البطاقة، الذي قال: «لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله عز وجل». قال ربنا عز وجل: بعد أن وضعت البطاقة في كفة، ووضعت السجلات في كفة أخرى، وطاشت تلك السجلات. جاء في الحديث: قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ولا يبقى مع اسم الله شيء». ولا يبقى مع اسم الله شيء. وهذا يدل على عظيم هذه الكلمة، وعلى فضل هذه الكلمة الجليلة، لا سيما من قالها يبتغي بها وجه الله، ومن قالها مصدقا لها، وموقنا بها، وعالما بمعناها، وعاملا بمقتضاها. قال رحمه الله تعالى: قال: «فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار». ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه. واضح يا جماعة، لا. وهذا فيه إشارة إلى ماذا؟ إلى المعنى الثاني الذي ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: من أن الأعمال تكون باعتبار أعمال أهل الجنة، باعتبار أعمال أهل الجنة. وإن كان هذا التوجيه من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى أن الأعمال يدخل فيها الحسنات والسيئات. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: إن هذه السيئات تضعف من الحسنات، تضعف من الحسنات، وتضعف من ماذا؟ مما كانت تحمله في الجنة. وإن كان يدخل بلا إله إلا الله ماذا؟ الجنة، ويحرم من النار. واضح هذا يا جماعة. ولكن تلك السيئات تكون سببا لنقصان درجاته من الجنة، بخلاف من أتى بلا إله إلا الله، ومعها من العلم والعمل الشيء العظيم. فإن منزلته تكون على حسب عمله، على حسب عمله، وعلى حسب طاعته، وقربه من الله عز وجل. قال رحمه الله: «وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته، ومات مصرا على ذلك، أي: مصرا على ماذا يا جماعة؟ مصرا على الذنب، ومات مصرا على الذنب». قال: «فإنه يستوجب النار، فإنه يستوجب النار». وإن قال: لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، أي: لم يمت على ذلك اليقين الذي قال في ذلك الوقت: لا إله إلا الله. وكان في قلبه من اليقين ما جعل هذه الكلمة نافعة له، وكانت مضيئة في قلبه. ولكن الذنوب والمعاصي أضعفت من نور هذه الكلمة، وإصراره على المعاصي والذنوب أضعفت من نور تلك الكلمة. وكان ذلك سببا لأن يدخل النار. قد تكون تلك الأسباب سببا لدخول النار، إن لم يتغمده الله عز وجل بواسع فضله ورحمته. فإنه في هذه الحالة يكون من أصحاب الذنوب، ومن أصحاب المعاصي. فيدخل تحت مشيئة الله عز وجل: إن شاء غفر له، وعفا عنه، وإن شاء عذبه، فأدخله النار. ولم يكن ممن دخل الجنة دخولا أوليا، وإن كان مآله إليها؛ لأنه معه التوحيد، ومعه لا إله إلا الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: «فإنه في حال قولها كان مخلصا، أي: في حال قول لا إله إلا الله، في تلك الحالة كان مخلصا». فإذا مات على تلك الحالة، رجى له أن يكون من أهل الجنة، وممن يدخل الجنة دخولا أوليا. واضح يا جماعة. قال: «لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص، فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، أحرقت ماذا؟ أحرقت نور التوحيد». أي: فلم يبق معه إلا ماذا؟ إلا أصل التوحيد. فلم يبق معه إلا أصل ماذا؟ ذلك النور. أما الإشعاع والضوء المنير الذي كان بقوله لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه، ضعف بحسب ما اخترف من الذنوب. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك». بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرا على سيئات. فإن مات على ذلك دخل الجنة. واضح هذا يا جماعة. أما أهل الطاعة: لا يكون مصرا على معصية أبدا. لماذا؟ لأن قلبه قد ملئ بلا إله إلا الله: محبة وتعظيما وإجلالا لله رب العالمين. فإن وقع منه ذنب، لم يكن مصرا على ذلك الذنب. إما أن يشرع بالتوبة والاستغفار والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل. وإما أن يكون من حاله: أنه غير راض على ما وقع من الذنب. وهذا يدل على إيمانه، وعلى قوة ماذا؟ وعلى قوة يقينه، وعلى قوة إخلاصه لله رب العالمين. فهذا الإخلاص، وذلك اليقين، وتلك المحبة، وذلك التعظيم في قلبه لله رب العالمين: يكون سببا لماذا؟ لإطفاء تلك الخطيئة، ولذهاب تلك الخطيئة. حتى إذا لقي ربه عز وجل، أتى ربه عز وجل وقد انطفأت نار الخطيئة، بعظيم حبه لله عز وجل، وخضوعه لله عز وجل، وتوكله على الله عز وجل. فكان سببا لماذا؟ لدخوله الجنة. قال رحمه الله: «وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئة الراجحة». انظروا يا جماعة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئة الراجحة». أي: يقول الإنسان من أهل إخلاص، ممن قال لا إله إلا الله بإخلاص وصدق ويقين. ولكنه يرتكب ذنبا يوبق عليه ماذا؟ يوبق عليه ذلك الذنب: دنياه وأخرى. يفعل فعلة تكون تلك الفعلة سببا لماذا؟ لفساد دينه ودنياه، والعياذ بالله. وكما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل، لا يلقي لها بالا، فتهوي به في النار سبعين خريفا». وفي رواية: «ما أبعد ما بين المشرق والمغرب». كلمة واحدة تكون سببا لماذا؟ ماذا؟ لسخط الله عليه، ولغضب الله عز وجل عليه. وإن كان ماذا؟ وإن كان قد قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه. واضح هذا يا جماعة. فهذا المعنى يجعل إنسانا على خوف، يجعل إنسانا ماذا؟ في خوف من الذنوب. ولا يستصغر الذنوب مهما كانت تلك الذنوب في عينه صغيرة. فلينظر إلى من يعصيه: إلى ربه عز وجل. ومعلوم كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن الذنوب بريد الكفر. الذنوب بريد ماذا؟ الكفر. فمن استسهل الذنوب: فإنها بريد للكفر، والعياذ بالله. الذنب يأتي بذنب آخر، والمعصية تأتي بمعصية أخرى، حتى يظلم القلب. فإذا أظلم القلب: فلا تسأل عنه بعد ذلك. فلا تسأل عنه بعد ذلك. وكما جاء في الحديث: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا». فأيما قلب أشربها: نكتت فيه نكتة سوداء، إلى أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى تصير القلوب على قلب رجل، قلب أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه». والعياذ بالله. ما السبب في ذلك؟ الذنوب والمعاصي. لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: قال: «وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئة راجحة، أن يأتي بسيئة راجحة». فيضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، من جميع السيئات. ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر. فإن سلم من الأكبر، بقي معه من الأصغر. فيضاف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات، فيرجح جانب السيئات. فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف قول لا إله إلا الله. فيمتنع الإخلاص بالقلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي والنائم، الهاذي الذي يتكلم بما لا يعلم. حاله كحال المجنون، حاله كحال المجنون. يقال: فلان يهذي، أي: يتكلم كلاما لا يعقله، يتكلم كلاما لا يعقله. قال رحمه الله: «أو من يحسن صوته، أو من يحسن صوته بآية من القرآن، من غير ذوق وحلاوة، من غير ذوق وحلاوة». شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يشبه من قد امتلأ قلبه بالسيئات، بسبب سيئة واحدة، بسبب سيئة واحدة: يكون سببا لامتلاء قلبه بالسيئات. فإذا امتلأ قلبه بالسيئات، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فيضعف قول لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص بالقلب، فيصير المتكلم بها، أي: بلا إله إلا الله، كالهاذي أو النائم، الهاذي المجنون». هل يعقل ما يقول النائم إذا تكلم؟ هل يعقل ما يقول؟ فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: يقول: حال هذا الذي قد أظلم قلبه بالمعاصي، إذا قال لا إله إلا الله، قالها بلسانه، ولم يتصور معناها إلى قلبه. فكان حاله كحال من يقول كلمة لا يعقل معناها. فحاله كحال المجنون إذا تكلم، وحاله كحال النائم إذا تكلم. هل يعقل واحد من هؤلاء ما يقول؟ الجواب ماذا يا جماعة؟ الجواب: لا. وكذلك من أظلم قلبه بالمعاصي يكون كذلك. وهذا كما ترون من أثر السيئات والمعاصي على القلوب. قال رحمه الله تعالى: «أو من يحسن صوته بآية من القرآن، من غير ذوق وحلاوة». أو الذي يقول لا إله إلا الله، يقول: حاله كحال من يقرأ القرآن بصوت جميل. إذا سمعه الناس، قالوا: ما أجمله. ولكن هذا القارئ من أبعد الناس عن ما يقرأ، من أبعد الناس عن ماذا؟ عن ما يقرأ القرآن. لا يجاوز ماذا؟ لا يجاوز حنجرته. لا يجاوز ماذا؟ حنجرته. بمعنى أنه لا يؤثره على قلبه؛ لأنه ساه عن ما يقرأ من ذلك القرآن. قال: «فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك، تنقص ذلك». بل يقولونها من غير يقين وصدق، ويموتون على ذلك. ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة. وإذا كثرت الذنوب: ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، أي: بغير القرآن. وإذا الله عز وجل يقول في كتابه الكريم عن هؤلاء: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. فهؤلاء من هذا النوع، ومن هذا الصف. قال رحمه الله: «وإذا كثرت الذنوب: ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره». واطمأن إلى الباطل، واستحل الرفث، ومخالطة أهل الباطل. وكره مخالطة أهل الحق. قال: «فمثل هذا إذا قالها، قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدقه عمله، وما لا يصدقه عمله». طيب، أشاهد أن هذا الكلام يدل على ما تقدم من أن السيئة الواحدة ربما أوبقت على الإنسان ماذا؟ دنياه وأخرى. دنياه وماذا؟ وأخرى. وكما جاء في الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة في قصة ذاك الرجل الذي كان ينصح أخاه الذي كان على المعاصي، ثم قال بعد أن تكرر منه النصيحة، وأخوه معرض عن ذلك: قال له «والله لا يغفر الله لك أبدا». فقال الله عز وجل: «أين المتألي علي؟ فإني قد غفرت له، وأدخلتك النار». فقال أبو هريرة: «قال كلمة أوبقت عليه دنياه وأخرى، أوبقت عليه دنياه وأخرى». وهذا أيضا من أثر الذنوب، وهذا من أثر الذنوب. وقد ذكر الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: عند حديث عبد الله بن مسعود في الحديث المعروف المشهور المتفق عليه: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها». وجاء في بعض الروايات: «فيما يرى الناس، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يرى الناس». قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قال: «فيعمل دسيسة في القول أو العمل، فتسبقه دسيسة في القول أو العمل، فتكون سببا، والعياذ بالله، لانتكاسه». فتكون سببا لماذا؟ لانتكاسه، والعياذ بالله. فهذا كما ترون: أن فيه تحذيرا شديدا من التساهل في الذنوب والمعاصي. رب سيئة يقول الإنسان: هذه سيئة، تكون سببا لماذا؟ سببا لظلام قلبه. سببا لظلام قلبه. وإذا أظلم القلب: فلا تسأل بعد ذلك ما ينفته على الإنسان من الشر، والعياذ بالله. نسأل الله عز وجل أن يعيدنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال رحمه الله: قال الحسن: «ليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني». معنى ليس الإيمان بالتحلي: كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: يعني أن يصير حلية ظاهرة له، فيظهره من غير حقيقة من قلبه، فيظهره من غير حقيقة من قلبه. واضح يا جماعة. ليس الإيمان بالتحلي، أي: يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن يصير حلية ظاهرة له، فيظهره من غير حقيقة من قلبه. وقوله: «ولا بالتمني»، قال: يعني الكلام. يعني الكلام. معنى هذا: أن الإيمان كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال: ومعناه: ليس هو ما يظهره من القول، ولا من الحلية الظاهرة. ولكن ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال، وصدقته الأعمال. واضح هذا يا جماعة. منها: فأثر الحسن معناه كما فسره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بهذا التفسير. وتفسير شيخ الإسلام رحمه الله تعالى له في "مجموع الفتاوى" في المجلد السابع، صفحة 293 و294، لمن أراد الرجوع إليه. قال رحمه الله: «ولكن قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال». فمن قال خيرا وعمل خيرا: قبل منه. ومن قال خيرا وعمل شرا: لم يقبل منه. وهذا الأثر كما ترون: واضح، جليل، في أن القول فقط لا يكفي، والتزين فقط بالإيمان بالظاهر والباطن على خلاف ذلك كذلك لا ينفع. بل لا بد أن يكون ماذا؟ أن يكون باطن الإيمان باطن الإنسان خيرا من ظاهره. إن لم يكن مثل ظاهره، عليه أن يكون ماذا؟ أن يكون خيرا من ظاهره. فيكون ظاهره وباطنه سواء. وقوله: «الظاهر والباطن سواء»، وعمله الظاهر والباطن سواء. وسيئة الكلام على أثر الحسن البصري بإذن الله عز وجل نؤجله حتى ما نقطع الكلام المذكور في كلام شيخ الإسلام رحمه الله. قال: «وقال بكر بن عبد الله المزني: ما سبقهم أبو بكر رضي الله عنه بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه». ولكن في شيء وقر في قلبه. بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه ورحمه الله تعالى، وهو من الأئمة المشهورين المعروفين، يقول هذا المعنى العظيم. يقول: أبو بكر ما سبقهم بكثرة صيام ولا صلاة، ولا صلاة. بل قد يكون من الناس من هو أكثر صياما من أبي بكر، أو أكثر صلاة من أبي بكر. ولكن لماذا كان أبو بكر ذروة أهل الإيمان ورأسا للصحابة رضي الله عنه وأرضاه؟ بل هو خير البرية بعد الأنبياء عليهم السلام. يقول رحمه الله تعالى: «ولكن بشيء وقر في قلبه». وقر في قلبه الإيمان والتعظيم والإجلال والتوقير لله رب العالمين. فهو قد حقق العبودية التامة الكاملة لله رب العالمين. فرفع الله عز وجل شأنه، وعظمه الله عز وجل. وكما قال بعض السلف: من عظم الله عز وجل في قلبه، عظمه الله عز وجل في أعين الناس. عظمه الله عز وجل في أعين الناس. فأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه حاز هذه المنقبة العظيمة الجليلة؛ لما وقر في قلبه من الإيمان الثابت والتصديق واليقين، إلى غير ذلك من معاني العبودية الذي لم يسبقه إليها أحد من الصحابة رضي الله عنه وأرضاه. قال: «فمن قال لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا، وكان صادقا في قولها، موقنا بها». يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «فمن قال لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا، وكان صادقا في قولها، موقنا بها». لكن له ذنوب أضعفت صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر. العمل رجحت هذه السيئات على هذه الحسنة. ومات مصرا على الذنوب. بخلاف من يقولها بيقين وصدق، فإنه إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته. واضح يا جماعة، لا. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يذكر أحوالا للناس في لا إله إلا الله. يذكر أحوالا للناس في لا إله إلا الله. من الناس من يقولها بيقين وصدق، بيقين وصدق. ويكون قد امتلأ قلبه إجلالا وتعظيما وحبا وخوفا لله رب العالمين. فمثل هذا يدخل الجنة، ويحرم عن النار، لا سيما مع اجتنابه للكبائر والصغائر، وعدم إصراره على الكبائر والصغائر، واجتنابه كذلك لأم الكبائر الذي هو الشرك، سواء كان الأكبر أو الأصغر. فمثل هذا يدخل الجنة، ويحرم على النار. ونوع ثان، وصنف ثان من الناس: كذلك قال لا إله إلا الله بعلم ويقين وصدق وإخلاص. ولكنه وقعت منه بعض الهفوات، وصدرت منه بعض السيئات. إلا أن تلك السيئات لم يصر عليها، أو تلك السيئات وإن وقعت منه السيئات، إلا أنها قوبلت بحسنات عظيمة، قوبلت بحسنات عظيمة. رجحت تلك الحسنات على ماذا؟ على سيئاته. أيضا في مثل هذا يدخل ماذا؟ يدخل الجنة، ويحرم من النار. أو يحرم على النار. صنف ثالث من الناس: يقولها كذلك بإخلاص وصدق ويقين. ولكنه يرتكب من السيئات، ويصر عليها: ما يكون سببا لرجحان سيئاته على حسناته. فهذا معرض لعقوبة الله عز وجل، وهو داخل تحت مشيئة الله عز وجل. قد يدخل الجنة دخولا أوليا، وقد يدخلها دخولا مآليا بعد أن يدخل النار. واضح هذا يا جماعة. ومن الناس من يقول لا إله إلا الله صادقا من قلبه، ثم تجتمع عليه من السيئات والمعاصي ما تضعف نور هذه الكلمة، حتى ما يبقى معه إلا أصله. أدنى، أدنى، أدنى شيء من ماذا؟ من الإيمان. ومثل هؤلاء أيضا يدخل، ويكون سببا، تكون تلك المعاصي والذنوب سببا لماذا؟ سببا لتعرضهم للنار. فإن دخلوا النار: كان بعد ذلك مآلهم إلى ماذا؟ إلى الجنة. ومن الناس من يقول لا إله إلا الله صادقا من قلبه، مخلصا ومتيقنا. ثم بعد ذلك تطرأ عليه الذنوب، ثم تتكاثر عليه الذنوب، وتستمر فيه السيئات، حتى تنطفئ نور لا إله إلا الله بالإتيان بما يناقضها، بالإتيان بما يناقضها: من الشرك بالله عز وجل، والكفر بالله عز وجل. فمثل هذا لا تنفعه لا إله إلا الله؛ لأنه قد جاء بعدها بما ينقضها. واضح هذا يا جماعة، عملا. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «والذين يدخلون النار ممن يقولها: لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحانها». أو قالوها، واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم. ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم. ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام؛ لأن الذنوب أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم. فقالوها من مثل هؤلاء لا. فقالوها. فقالوها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات، فترجح سيئاتهم على حسناتهم. فترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا. وهذا كما ترون: كلام ملخص، مفيد، في هذه المسألة. كلام ملخص، مفيد، في هذه المسألة. قال: «وقد ذكر هذا كثير من العلماء، كابن القيم، وابن رجب، وغيرهم». قال: قلت: وبما قرره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: تجتمع الأحاديث. قال: «وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، وبالعكس». وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل. وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لله تعالى. طيب، طيب، نسعد إلى أثر الحسن البصري رحمه الله تعالى وغفر له. أثر الحسن البصري رواه ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في كتابه "المصنف" في المجلد الثالث، صفحة 504. وكذلك في كتابه "الإيمان" برقم 93. وأحمد في "الزهد" صفحة 263، من طريق زكريا، قال: سمعت الحسن يقوله، فذكره. أي: فذكر هذا الأثر. وزكريا هو ابن حكيم، زكريا هو ابن حكيم الحبطي أبو يحيى. قال علي بن المديني: هالك. وقال ابن معين: ليس بشيء. فما حكمها؟ لا يا جماعة، يكون متروك الحديث. واضح يا جماعة، يكون متروك الحديث. فهذا الأثر بوجودك عدمه. هذا الأثر بهذا الإسناد: وجودك عدمه. طيب، وأخرجه أيضا البيهقي في "شعب الإيمان" برقم 65. وابن بطة في "الإبانة" برقم 93. والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" برقم 56، من طريق عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا أبو بشر الحلبي عن الحسن به. وأبو بشر الحلبي: قيل اسمه عبد الله بن بشر، وقيل هو الوليد بن محمد. قال الحافظ في "التقريب": مجهول. لكن رأيت في "سؤالات أبي داود" للإمام أحمد: أن الإمام أحمد قال: «ليس به بأس». فإذا كان كذلك: فأقل أحواله: أنه حسن الحديث. أنه حسن الحديث. واضح هذا يا جماعة. طيب، وذكره كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: كما في "مجموع الفتاوى" السابع، صفحة 294. قالوا: هذا مشهور عن الحسن، يروى عنه من غير وجه. كما رواه عباس الدوري، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا أبو عبيدة الناجي، حدثنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن به عينه. وأبو عبيدة الناجي: قال يحيى بن معين: «كذاب». وقال مرة: «ضعيف». وقال النسائي: «ضعيف». وكذلك ضعفه الدارقطني. وفي رواية عن النسائي: أنه قال: «ليس بثقة». ليس بثقة. وما كان ليس بثقة: فهو ضعيف جدا. واضح يا جماعة. فكذلك هذا الأثر لا يفرح به. وراوه ابن المبارك في "الزهد" برقم 561، قال: أخبرنا سفيان عن رجل عن الحسن به. واضح يا جماعة. ابن المبارك يقول: «أخبرنا سفيان عن رجل عن الحسن به». والراوي عن الحسن: مبهم، لا يدرى من هو. ولعله أن يكون واحدا ممن سبق ذكرهم. وأخرجه ابن أبي شيبة كذلك في موطن آخر في "المصنف"، فقال: حدثنا عفان، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت عبد ربه أبا كعب، قال: سمعت الحسن. وعبد ربه ثقة، وهو معروف بالرواية عن الحسن، وعنه جعفر بن سليمان.