شرح فتح المجيد 144

الدرس في شرح فتح المجيد 144، ألقاها

دعوة المشركين إلى الإسلام وأحكام الجزية والذمة

يتناول هذا الفصل شرح حديث دعوة المشركين إلى الإسلام والجزية، ويشرح معنى الذمة والعهد في الإسلام ومسألة الهجرة ووجوبها. يبين الخلاف في أخذ الجزية من الكفار.

تحريم الإقسام على الله وتحذير من التحجر على رحمته

يناقش هذا الفصل مسألة الإقسام على الله وتحريم التحجر على رحمته، ويوضح الفرق بين الإقسام على الله بحسن ظن وبين التحجر على رحمته مستدلاً بأحاديث نبوية.

خطورة الاستشفاع بالله على خلقه وتفسيره

يشرح هذا الفصل خطورة الاستشفاع بالله على خلقه مستشهداً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية، ويبين أن هذا الفعل يخل بالتوحيد ويشرح حديث الأعرابي الذي استشفع بالله على النبي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقوله: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فادعهم إلى ثلاث خلال أو خصال. الرواية بأو للشك، وهو من بعض الرواة. ومعنى الخلال والخصال واحد. وقوله: فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، قيدناه عمن يوثق بعلمه وتقيده بنصب أيتهن على أن يعمل فيها أجابوك، لا على إثقال حرف الجر، وما زائدة. ويكون تقدير الكلام: فإلى أيتهن أجابوك فاقبل منهم، كما تقول: أجبتك إلى كذا أو في كذا، فيعدى إلى الثاني بحرف الجر. يعني: يعدى إلى الأول بنفسه، ويعدى إلى الحرف الثاني -إلى المفعول الثاني- بحرف الجر. قال رحمه الله: قلت: فيكون في ناصب أيتهن وجهان ذكرهما الشارح. الأول: منصوب على الاشتغال. والثاني: على ندع الخافض. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قال الشيخ رحمه الله تعالى: يتكلم -ذكرها هنا- مسألة نحوية، وهي: هل قوله: ﴿فَأَيَّتِهِنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ﴾ هل هو منصوب بنزع الخافض أم أنه منصوب على الاشتغال؟ واختار الشيخ رحمه الله تعالى أنه منصوب على الاشتغال، وفيه وجه آخر كما ترون، وهو أنه يجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض. قال رحمه الله: قوله: ثم ادعهم إلى الإسلام، كذا وقعت الرواية في جميع نسخ الكتاب مسلم: ثم ادعوهم، بزيادة ثم. والصواب إسقاطها، كما روي في غير كتاب مسلم، كـ«مصنف أبي داود» و«كتاب الأموال» لأبي عبيد؛ لأن ذلك هو ابتداء تفسير الثلاث الخصال. أي: لا يحسن أن يقال: ثم ادعوهم؛ لأن في قوله: فادعوهم، وفي قوله: فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم قال: ثم ادعوهم، يعني: صوابا يقال: أدعوهم إلى الإسلام، أدعوهم إلى الإسلام، ثم بقية الأمور الثلاثة أو الخصال الثلاثة تتبع. قال رحمه الله: وقوله: ثم ادعهم من التحول إلى دار المهاجرين -يعني المدينة-، وكان هذا في أول الأمر، ووقعت وجوب الهجرة إلى المدينة على كل من دخل في الإسلام. وهذا يدل على أن الهجرة واجبة على كل من آمن من أهل مكة وغيرها. وقوله: وهذا كما ذكر في أول الأمر؛ إذ كانت مكة بلاد كفر، ثم لما فتحت مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية». فالله. قال رحمه الله: وقوله: فإن أبوا أن يتحولوا -يعني: أن من أسلم ولم يهاجر ولم يجهد لا يعطى من الخمس ولا من الفيء شيئا-. وقد أخذ الشافعي بالحديث في الأعراب، فلم ير لهم من الفيء شيئا، وأن لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم ترد على فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة عنده. ومصرف كل مال في أهله. قال: وسوى مالك وأبو حنيفة بين المالين، وجوزا صرفهما للضعيف. قال: وأما مسألة فطرة، تفضل. قال: وقوله: فإنهم أبوا فاسألهم الجزية، في حجة لمالك وأصحابه والأوزاعي في أخذ الجزية من كل كافر، عربيا كان أو غيره، كتابيا كان أو غيره. وذهب أبو حنيفة إلى أنها تأخذ من الجميع إلا من مشركي العرب ومجوسهم. وقال الشافعي: لا تأخذ إلا من أهل الكتاب، عربا كانوا أو عجما، وهو قول الإمام أحمد في ظهر مذهبه. وتأخذ من المجوس. قال: وهذه مسألة فقهية الخلافية: هل تأخذ الجزية من كل كافر، فيدخل فيهم المجوس ويدخل فيهم المشرك ويدخل فيهم الكتابي؟ أم أنه يأخذ من أصناف وأنواع من الكفار دون بعض؟ كما ترون في المسألة الخلاف. والصحيح من أقوال أهل العلم أنها تأخذ من أهل الكتاب، وكذلك تأخذ من المجوس؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». هذا صحيح. أما المشركون فلا يأخذ منهم الجزية؛ إما أن يسلموا وإما أن يقاتلوا، لا خيار لهم غير ذلك. قال رحمه الله: قلت: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها منهم، وقال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». وقد اختلف في القدر المفروض من الجزية. فقال مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق. وهل ينقص منها الضعيف أو لا؟ قولان. وقال الشافعي: درهم على الغني والفقير. فقال أبو حنيفة والكوفيون: على الغني ثمانية وأربعون درهما، والوسط أربعة وعشرون درهما، والفقير اثنا عشر درهما، وهو قول أحمد بن حنبل. قال يحيى: «حسن، حسن، حسن». مجموعة وطرق. قال: قال يحيى بن يوسف الصرصري الحنبلي: «وقاتل يهودا والنصارى وعصبة المجوس؛ فإنهم سلموا الجزية، تسدى على الأدون اثني عشر درهما، واربعة من بعد عشرين تزيد لأوسطهم حالا، ومن كان موسرا ثمانية مع أربعين لتقنع. وتسقط عن صبيانهم ونسائهم وشيوخهم، فإن كان شيخا ثانيا، وأعمى، ومقعدا، وذي الفقر، والمجنون، أو عبد المسلم، ومن وجبت منهم عليه فريضة، فهو يدعى إلى الإسلام أولا». قال: وعند مالك وكافة العلماء: على الرجال الأحرار البالغين العقلاء دون غيرهم. وإنما تأخذ ممن كانت تحت قهر المسلمين، لا ممن نأى بداره. ويجب تحويلهم إلى بلاد المسلمين أو حربهم. قال: وقوله: وإذا حاصرت أهل حصن... إلى آخره، في حجة لمن يقول من الفقهاء وأهل الأصول: إن المصيبة في مسائل الاجتهاد واحد، وهو المعروف من مذهب مالك وغيره. قال: وجه الاستدلال: لأنه صلى الله عليه وسلم قد نص على أن لله تعالى حقا معينا في المجتهدات. ومن وافقه في المجتهدات فهو المصيب، ومن لم يوافقه مخطئ. قوله: وإذا حاصرت أهل حصن... فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله... الحديث. الذمة: العهد. وتخفر: تنقص. يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده، وخفرته: أجرته. قال: ومعناه: أنه خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء بالعهد. كجفاة الأعراب. فكأنه يقول: إن وقع نقض من معتمد، كأنه نقض عهد الخلق. ومن معتدل طيب، كأنه يقول: إن وقع نقض من معتدل، كأن نقض عهد الخلق أهوان. كان نقض عهد الخلق أهوانا. فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعد، كان نقض عهد الخرق أهوى من نقض عهد الله تعالى. والله أعلم. قال: أي: أنه لو حصل من ذلك الأمير النقض، أهوى من أن يكون من ماذا؟ يعني: لئن يكون ينقض عهده وذمته أهوى من أن ينقض ذمة الله وعهد الله. وإن كان الكل لا يجوز، ولكن كونه يغفر عهد الله عز وجل وينقض عهد الله جل وعلا وذمة الله جل وعلا أشد. قال: لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «أنزلهم على حكمك، ولا تنزلهم على حكم الله». قال رحمه الله: قوله: وقول نافع: وقد سئل عن الدعوة قبل القتال، ذكر فيه أن مذهب مالك يجمع فيه بين الأحاديث. قوله: وقول نافع: وقد سئل عن الدعوة قبل القتال، يعني: قول القرطبي في كتاب نافع: وقد سئل عن الدعوة قبل القتال. وهذا الأثر عن نافع رحمه الله تعالى أصخر في الصحيحين، وجاء مفصلا عند أبي داود. قال: وحاصر أنس بن عاص... قال: كتبت إلى نافع أسأله عن دعاء المشركين عند القتال، فكتب إلي: أن ذلك كان في أول الإسلام. قال: وقد أغار نبي الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبي سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث. قال: حدثني بذلك عبد الله -أي: عبد الله بن عمر-، وكان في ذلك الجيش. قال رحمه الله: ذكر فيه أن مذهب مالك يجمع فيه بين الأحاديث في الدعوة قبل القتال. قال: وهو أن مالكا قال: «لا يقاتل كفار قبل أن يدعوهم، ولا تلتمسوا غرتهم، إلا أن يكونوا بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تأخذ غرتهم». وهذا الذي صار إليه مالك، وهو الصحيح؛ لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدين. قال: فإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سببا ممهدا لهم قادا إلى الحق؛ خلاف ما إذا جاهلوا مقصود المسلمين، فقد يظنون أنهم يقاتلون للممالك وللدنيا، فيزيدون عتوا وبغضا. والله أعلم. قال: قوله رحمه الله تعالى: «كم مرة معنا في مسألة الدعوة، هذه أيضا من المسألة الخلافية الفقهية: هل يجوز أن يغزى الكفار من غير إنذار ولا دعوة أم لا؟ والصحيح كما ذكر رحمه الله تعالى: التفصيل. إن كان قد وصلتهم الدعوة ولم يبادروا إلى الإسلام، فإنهم يغزون غرة، كما حصل لبني المصطلق، وكما جاء في حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا، فكانوا ينتظرون الفجر، فإن سمعوا الأذان تركوا، وإن لم يسمعوا أغاروا. قال: فحمل العلماء رحمهم الله تعالى هذه المسألة على هذا التفصيل: إن بلغتهم الدعوة ولم يسلموا، فإنهم يغار عليهم ولو كانوا غارين. وإن لم تصلهم الدعوة، فإنهم قبل أن يقاتلوا وتبلغ ماذا؟ يبلغون الدعوة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس، وحديث سلمة بن الأكوع وغيرهما: في بعثة -حينما أمر عليا رضي الله عنه وأرضاه يوم خيبر- قال: «أدعهم إلى الإسلام». الحديث. قال: فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بماذا؟ بأن يدعوهم أولا. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الإقسام على الله. قوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الإقسام على الله، أي: ذكر ما جاء من الأدلة الدالة على تحريم الحلف على الله إذا كان على جهة التحجر على الله، أي: التحجير على رحمة الله، والقطع بحصول المخذوم على حصوله على سبيل العجب. وهذا من التألي على الله. قال: فأما إن كان على جهة حسن الظن بالله -إن كان أقسم على الله من جهة حسن الظن بالله أنه حسن الظن بالله جل وعلا-، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره». فالفرق بين هذا وهذا: أن الأول معجب ومتحجر على رحمة الله جل وعلا، والثاني حسن الظن بالله جل وعلا. وبينهما بون شاسع. قال: فالأول مذموم، والثاني مشروع. وإن كان الأولى -كما يقال- ترك هذا الأمر؛ لأنه لم يحصل من النبي صلى الله عليه وسلم أن أقسم على ربه، ولا كذلك حصل من خلفاء بكر وعمر وعثمان. وإن كان على شاكلتهم. قال: وعلاقة الباب الذي قبله: أنهما يشتركان في أن من تعظيم الله: الوفاء بعهد الله والأيمان. وفي هذا الباب: عدم الإقسام على الله؛ بأنه لا يرحم فلانا ونحوه. وضدهما: ضعف التوحيد والإيمان. قال: وأيضا: يجتمعان في أن من لم يراع عهد الله فهو سيء الأدب مع الله ومع رسوله ومع دينه. وكذلك من أقسم مع الله على سبيل العجب وتحجير رحمة الله: سيء الأدب مع الله جل وعلا. قال رحمه الله: عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له، وأحبطت عملك». رواه مسلم. قال: وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته». طيب. قال: هذا بهذا اللفظ أخرجه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، وكذلك الإمام أحمد، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه. قال الشارح رحمه الله: يعني: جاء عند أبي داود بإسناد حسن. وكذلك عند الإمام أحمد. ورواه ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه بإسناد صحيح. قال: فالحديث صحيح. قال الشارح رحمه الله: باب ما جاء في الإقسام على الله، ذكر المصنف فيه حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. قال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له، وأحبطت عملك». رواه مسلم. قوله: يتألى: يحلف. والألية -بالتشديد-: الحلف. قال: وصح من حديث أبي هريرة: قال البغوي في شرح السنة: وساق بسنده إلى عكرمة بن عمار بن عمار قال: «دخلت مسجد المدينة، فناداني شيخ فقال: يا يماني، يا يماني، تعال. وما أعرفه. قال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة. قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة. قال: فقلت: إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأهله إذا غضب، أو لزوجته، أو لصاحبه. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن رجلين كانوا في بني إسرائيل متحابين؛ أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر كان يقول: مذنب. كأنه يقول: مذنب. فجعل يقول: أغفر عما أنت فيه. فيقول: خلني وربي. خلني وربي. عندك وربي. هكذا طيب. قال: فجعل يقول: خلني وربي؛ حتى وجدته يوما على ذنب استعظمه، فقال: أغفر. فقال: خلني وربي. أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة أبدا. قال: فبعث الله إليهما ملكا، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده. فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحضر على عبد رحمتي؟ قال: لا يا رب. قال: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة: «والذي نفسي بيده، لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته». وهذا فيه خطر التقول على الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «رتب الله جل وعلا الذنوب في هذه الآية من الأشد فالأشد؛ فجعل القول على الله جل وعلا أشد إثما وحرمة من الشرك بالله جل وعلا». فهذا -إلى جانب هذا الحديث- يبين لنا خطر هذا الأمر. قال: ولذا قال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «كلمة أوبقت عليه دنياه وأخراه». قال رحمه الله: ورواه أبو داود في سننه، وهذا لفظه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخين؛ فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة. فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يوما على ذنب استعظمه، فقال: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة. فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين. فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار». إلى آخره. قال: والحقيقة تقدم الكلام عليه، وأنه حسن بهذا الإسناد، وأنه رواه ابن حبان رحمه الله بإسناد صحيح. قال: قوله: وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، يشير إلى قوله في هذا الحديث: «أحدهما مجتهد في العبادة». وفي هذه الأحاديث: بيان خطر اللسان. وذلك يفيد التحرز من الكلام، كما في حديث معاذ: «قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟». قال: والله أعلم. قال: وهذا الحديث رواه الترمذي رحمه الله تعالى وغيره، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «الصحيح» برقم 22 و1000. قال: وهذا الحديث -كما سمعتم- كالحديث السابق. وأيضا كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يتبين فيها، فتهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». وفي رواية: «سبعين خريفا». فهذا يدلنا على خطر اللسان، وعلى أن الإنسان يجب عليه أن لا يتكلم إلا بكلام ينظر ما عاقبة ذلك الكلام، وما نفع ذلك الكلام، وما مضرة ذلك الكلام. قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». فلذا قال علماء رحمهم الله تعالى: الإنسان بين ثلاثة أحوال: إما أن يتكلم بالخير، وإما أن يكون في شر فيجب عليه أن لا يتكلم به، وإما أن يكون لا ذا ولا ذاك فيلزم الصمت. قال: إلا لحاجة. إلا لحاجة. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب لا يستشفع بالله على خلقه. قوله رحمه الله تعالى: باب لا يستشفع بالله على خلقه. مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الاستشفاع طلب الشفاعة. كمرة معنا: أن السين والتاء تدل على الطلب غالبا. وهي لا تطلب إلا من العلي الأعلى جل وعلا. قال: قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. فلا يجوز للعبد أن يطلب الشفاعة من الله على أحد من خلقه؛ فشأن الله أعظم. فهذا الفعل محرم، وهضم للربوبية، وقدح في توحيد العبد. قال: فالله سبحانه هو الكبير المتعال. فمن استشفع بأحد إلى الله، فكأنه جعل هذا الشافع أعظم وأجل من الله جل جلاله. وهذا سوء أدب مع الله سبحانه. قال: وعلاقته بالباب قبله: أنهما يجتمعان في عدم التعظيم الواجب لله رب العالمين؛ أن هذا الفعل والفعل الذي قبله يدل على عدم التعظيم الواجب لله رب العالمين. وهذا مخل بالتوحيد. قال: بل قد يكون سببا لنقض التوحيد. قال رحمه الله: عن جبير بن مطعم قال: «جاء عرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال. فاستسقنا ربك؛ فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، سبحان الله. فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك. إنه لا يستشفع بالله على أحد». وذكر الحديث. رواه أبو داود. قال: وهذا الحديث وإن كان معناه صحيحا، ولكنه من طريق محمد بن إسحاق، ومدار الحديث عليه. وهو صدوق، ولكنه مدلس، وقد عنعن في جميع طرق هذا الحديث. ولأجل هذا ضعفه جماعة من أهل العلم، منهم الإمام الذهبي رحمه الله تعالى كما في «كتاب العلو». قال: وكذلك ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى؛ لأجل هذا المعنى، كما في «ضعيف أبي داود» وغيره. قال الشارح رحمه الله: قوله: باب لا يستشفع بالله على خلقه، وذكر الحديث. وسياق أبي داود في سننه أتم مما ذكره المصنف رحمه الله. ولفظه: عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام. فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك إلى الله، ونستشفع بالله عليك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك، تدري ما تقول؟ سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه؛ شأن الله أعظم من ذلك. ويحك، أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا -قال بأصبعه مثل قبة عليه-. وإنه ليأط به أطيط الرحل بالراكب». قال ابن يسار في حديثه: «إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته». قال: الصواب: قال ابن بشار: «هكذا نحن عندنا هنا». قال: في نسخة ابن بشار، وهو تحريف. والصواب: أنه ابن بشار -أي: محمد بن بشار رحمه الله-، فهو الذي ذكره عنه أبو داود رحمه الله تعالى بأنه ذكر هذه اللفظة. قال: أما ابن يسار -أي: إسحاق بن يسار-، فإن الحديث مداره عليه. فإن الحديث مداره عليه. فلا يقال: قال ابن يسار في حديثه. قال: واضحة. جماعة: أفهم هذا كلام أم لا؟ الحديث مداره على من؟ على ابن إسحاق. وابن إسحاق رواه بماذا؟ بلفظ واحد. وإنما رواه الرواة جماعة من طرق عن بعض شيوخهم عن ابن إسحاق. قال: فالحاصل: أن الصواب فيه عن ابن بشار، كما في سنن أبي داود. قال رحمه الله: قال الحافظ الذهبي: «رواه أبو داود بإسناد حسن عنده». في «الرد على الجهمية» من حديث محمد بن إسحاق. قال: والحافظ الذهبي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر هذا: تكلم على الحديث، وقال بأنه ماذا؟ قال: «هذا حديث غريب جدا. وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب». قال: «فالله أعلم: أقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا أم لا؟». قال: قوله: ويحك... قوله رحمه الله تعالى: قال الذهبي: «رواه أبو داود بإسناد حسن عنده»؛ أي: بناء على شرط أبي داود. شرط أبي داود في سننه: هل ما سكت عليه أبو داود في سننه هل عنده حسن؟ أم أن شرط أبي داود: إذا سكت عن الحديث بأنه محتمل؛ لأن يكون حسن أو ما قاربه؟ قال: وصيح: أنه قد يكون حسن، وقد يكون صحيحا، وقد يكون دون ذلك؛ قد يكون دون ذلك. لكن شرطه: قال: «وما كان فيه وهن شديد بينته». كما ذكر ذلك في رسالته إلى أهل مكة في بيان شرطه في كتابه «السنن». قال: قوله: ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه؛ فإنه تعالى رب كل شيء ومليكه، والخير كله بيده، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى. وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض؛ إنه كان عليما قديرا. إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون. والخلق وما في أيديهم ملكه، يتصرف فيه كيف يشاء. هو الذي يشفع عنده، وهو الذي يملك الشفاعة. ولهذا أنكر على الأعرابي قوله هذا، وسبح الله كثيرا، وعظمه؛ لأن هذا القول لا يليق بالخالق سبحانه وبحمده. قال: إن شأن الله أعظم من ذلك. وفي هذا الحديث: إثبات علو الله على خلقه، وأن عرشه فوق سماواته. وفيه: تفسير الاستواء بالعلو؛ كما فسره الصحابة والتابعون والأئمة، خلافا للمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن أخذ عنهم كالأشاعرة ونحوهم ممن ألحد في أسماء الله وصفاته، وصرفها عن المعنى الذي وضعت له. قال: طيب. فالحاصل -كما ذكر رحمه الله تعالى- أن الحديث -على ثبوته- يدل على هذه المعاني. وأن الحديث ثبت أم لم يثبت؛ فإن المعاني صحيحة. لا يجوز أن يستشفع بالله على أحد، ولا العكس؛ لأن الشفاعة ملك لله عز وجل أولا. قال: ثم كيف يخطر في بال إنسان أن يطلب من الله أن يشفع له عند ماذا؟ عند خلقه؟ واضح. هذا. قال: فعلى كلا المعنيين: هذا فيه -كما ترون- ما فيه من التنقص لجناب الرب جل وعلا. لذا على صحة هذا الحديث -كما ترون- حصل هذا التسبيح. وهذا أمر. قال: وأمر ثاني: بالنسبة لإثبات علو الله على خلقه؛ كما هو معلوم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. واستواء الله جل وعلا على عرشه فوق جميع سماواته: هذا ثابت من الكتاب والسنة وإجماع أئمة الأمة. قال: ثالثا: قوله رحمه الله تعالى: خلافا للمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن أخذ عنهم كالأشاعرة ونحوهم ممن ألحد في أسماء الله وصفاته. والإلحاد: مأخوذ من اللحد، وهو الميل. ومعنى ألحد: أي مال بأسماء الله وصفاته، وصرفها عن المعنى الذي وضعت له؛ لغة وشرعا. قال: ودلت عليه -من إثبات صفات الله تعالى التي دلت على كماله جل وعلا-. قال: طهر رحمه الله: كما عليه السلف الصالح والآئمة ومن تبعهم ممن تمسك بالسنة؛ فإنهم أثبتوا ما أثبته الله لنفسه، وأثبتوا له رسوله من صفات كماله على ما يليق بجلاله وعظمته؛ إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل. قال العلامة ابن القيم في «مفتاح دار السعادة»: «بعد كلام سبق -فيما يعرف العبد بنفسه وبربه- من عجائب مخلوقاته، قال: بعد ذلك: والثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة؛ فتفتح له أبواب السماء، فيجول في أقطارها وملكوتها، وبين ملائكتها. ثم يفتح له باب بعد باب؛ حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن؛ فينظر في سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته. يرى السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ملقاة بأرض. فلا... ويرى الملائكة حاطين من حول العرش؛ لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير. والأمر ينزل من فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها؛ فينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين، وإعزاز قوم وإذلال آخرين... وإن شاء ملوك وإن شاء ملك، وسلب ملك، وتحويل نعمة من محل إلى محل... وغفاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها... من جبر كثير وإغناء فقير وشفاء مريض وتفريج كرب ومغفرة ذنب وكشف ضر ونصر مظلوم وهداية حيران وتعليم جاهل ورد آبق وأمان خائف وإيجارة مستجير ومدد لضعيف وإغاثة لملهوف وإعانة لعاجز وانتقام من ظالم... فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل والحكمة والرحمة؛ تنفذ في أقطار العوالم، لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها. ولا يتبرم بإلحاح الملحين. ولا تنقصوا درة من خزائنه. لا إله إلا هو العزيز الحكيم». قال: «فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقا لهيبته، فاشعا لعظمته عان لعزته؛ فيسجد بين يدي الملك الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم مجيد». فهذا سفر القلب، وهو في وطنه وداره ومحل ملكه. وهذا من أعظم آيات الله وأعجب صنعه. قال: «فيا له من سفر ما أبركه وأرواحه وأعظم تمرته وأعظم ربحه وأجل منفعته وأحسن عاقبته. سفر هو حياة الأرواح ومفتاح السعادة وغنيمة العقول والألباب؛ لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب». قال: وأما الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته؛ فالمراد به استجلاب دعائه. وليس خاصا به صلى الله عليه وسلم؛ بل كل حي صالح يرجى أن يستجاب له؛ فلا بأس أن يطلب منه أن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة أو العامة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر -لما أراد أن يعتمر من المدينة-: «لا تنسانا يا أخي من صالح دعائك». طيب. قال: قوله رحمه الله: أما الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته؛ في حياته؛ فالمراد به استجلاب دعائه؛ بمعنى طلب الدعاء من الرسول صلى الله عليه وصحبه وسلم. هذا جائز؛ له أن يطلب منه الدعاء. بل أهل السنة والجماعة يذكرون من أنواع التوسل المشروع -وكذا الشفاعة المشروعة- الدعاء: طلب الدعاء من الرجل الصالح. قال: وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ومبحث لطيف في هذا: أن الإنسان كلما نظر إلى معنى من المعاني الخاصة -وهي أنه بدعائه أنه بطلبه الدعاء من الرجل الصالح أو من أخيه في الله- يريد بذلك أن يصل الخير إلى الداعي وإلى المدعو؛ فإ

شاركنا على